القاص والمدينة في -عمَّ تبحث في مراكش-

عامر هشام الصفّار
2015 / 2 / 7

أما القاص فهو الكاتب المعروف محمود الريماوي صاحب الباع الطويل في فن القص والسرد العربي، وأما المدينة فهي المدينة الحمراء أو مراكش المغربية. وهو الكتاب- المجموعة القصصية الجديدة للقاص الريماوي والتي صدرت مع عدد يناير/ كانون الثاني لعامنا هذا 2015 من مجلة دبي الثقافية والتي حرص محررها ان يهدي لقراء المجلة كتبا في الأدب والثقافة مع كل عدد شهري من المجلة. ولعمري فهو التقليد الصحفي المفيد والذي ينشر الكتاب ويعرّف به في أرجاء وطن العرب.
مراكش.. فضاء السرد:
ولعل القاص الريماوي من خلال العنوان/العتبة التساؤلي الأستفهامي لمجموعته القصصية أنما أراد أن يثير فضول القاريء فيبحث عما بحث عنه وفيه الكاتب نفسه وفي أرض/فضاء مديني محدد معروف يتمثل بمدينة مراكش نفسها والتي يقول عنها الريماوي تصديرا لمجموعة القص: أنتَ لا تذهب (حين تذهب) الى مراكش.. أنتَ تعود أليها..ليقسّم الكتاب الصادر الى قسمين منفصلين يجمعهما فن السرد القصصي القصير وهما قسم أول بعنوان قصص مراكش الحاوي على سبع قصص قصيرة متفاوتة في شأن هذا القصر بين قصة ب 13 صفحة (تلك الحافلة) وقصة بما يزيد قليلا على الأربع صفحات ( ما فعله السيد خورخي)، بادئا بقصة تحمل نفس عنوان المجموعة، وقسم ثان بعنوان قصص أخرى، ليبدأها بقصة لحظة خاطفة مضمّنا هذا القسم الثاني نفسه قصة قصيرة عن مدينة طنجة المغربية ومبدعنا محمد شكري بعنوان " ظهور وأختفاء سي محمد". والريماوي هنا كاتب حذق يقصد أن يبقي القاريء في فضاء مغربه الذي يعشق حتى لو أبتعد قليلا مسافة صفحات قصار عن قصص مراكشية بأمتياز. وقد جاءت المجموعة هذه على ما يزيد عن 110 صفحات من صفحات كتاب الجيب والذي يجعل القصة القصيرة والقصيرة جدا تقعد وتقوم مع القاريء المواظب المستمتع بقرائتها. كما تضمنت المجموعة المنشورة سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف تذكّر بعمره، وبنشاطه الصحفي وأصداراته وغزير نتاجه.
ثم ان رحلة الراوي القاص الى مدينة لابد من أن تكون متميزة، يحاول فيها الحس المرهف أن يلتقط صوراً ومشاهدات وملاحظات وحكايات، قد لا يسمع عنها ولا يحس بها رحالة أو زائر آخر. وهي المدينة العربية المغربية مراكش والتي يتداخل الكاتب ذاتيا معها سابراً أغوارها، وباحثا عن صديق قديم فيها، راصدا أسواقها وساحاتها وسجالات حكائيها وسيرة ملاهيها وحدائقها ونزلاء فنادقها وحكايات المعدمين في حاراتها ومحطات السفر. وهو نفسه الحال مع كتّاب رواية وقصة أخرين أستلهموا من مدنهم رؤى الذكريات والزمن الموعود فكانت ابداعات السرد عند نجيب محفوظ وقاهرته، واورهان باموق التركي وأسطنبوله، والعراقي محمد خضير وبصرياثته (نسبة الى كتابه المعروف بصرياثا)، والراحل غسان كنفاني و" عائد الى حيفا" و "مدينة الضاد" لمؤنس الرزاز، ومدن السرد عند هنري ميللر، ألبرتو مورافيا، تشارلز ديكنز، ميلان كونديرا وعبد الرحمن منيف ومدن الملح عنده تلك التي صارت مدن نفط سينفد يوما كما جاء في خيال منيف الروائي. وهو المكان أو فضاء السرد وبؤرته مما يغوي القلم فيسجّل لقطات بعين شديدة الحساسية ليخلّد المكان في الذاكرة، ويحس به الآخرون دون أن يكونوا فيه.
قصص مراكش.. ملامح من سيرة الذات:
ويبدأ هذا الجزء من المجموعة القصصية بقصة أتخذها المؤلف الريماوي عنوانا للمجموعة نفسها ليذكّر نفسه والقاريء من أنه زار مراكش قبلا، فدخلت قلبه دون أن تبارحه. وليبدأ هو محمود المقدسي (من أريحا) ومنذ السطور الأولى للقصة، مسيرة البحث عن صديق الصبا الذي عرفه قبل خمسين عاما والمدعو محمود المغربي، حيث يبقى عنده ذاك الفتى المغربي الذي عاهده يوما على الأخلاص. ولابد للقاريء الفطن من أن يلاحظ تماهي شخصية هذا المحمود الصديق مع الشخص الذي يسأله محمود المقدسي، فكأن السارد العليم المتحدث عن نفسه وسيرته يمنّي نفسه بأن يجد محمودا المغاربي صديق الصبا في شخص أمامه "يجيل النظر في سحنته ويتفقد هيئته كأنما يستذكر رؤية له من قبل".. وتركيزا على مراكش ومعالمها السياحية ورموزها يجلسُ ذاك الذي عرفه الزائر الراوي في قصة "نصف دقيقة" في الصف الأمامي من المقهى، وفي هذا المكان لابد من أكتشاف الشاي الأخضر ولابد من كلام وحديث، ولكن الصديق يبقى ملتزما الصمت دون أن يغيّر من صمته واقع ساحة الفنا أمامه وحلقة الحكواتي. ثم أن قصة فتْحُ سيرة ملهى مغلق والمهداة الى (سعد سرحان) يرويها حكاية داخل حكاية سارد هو نزيل فندق يوهم بضبابية الحقيقة عن أسباب غلق ملهى المدينة المسمى بملهى زرياب والذي يؤصل ويفصّل في سيرة مالكه، سليل أسرة أندلسية هاجرت الى الرباط بعد سقوط ممالك الطوائف. ولابد هنا إذن من الحديث في الطرب وأهله والموسيقى وأساتذتها. وهكذا راحت القصة تشير، مجرد إشارة دون تفصيل (وأنىّ لها ذلك وحال القصر له شروطه) الى الفروق بين الدقة المراكشية والعيطة الجنوبية والتعريف بموسيقا الراي والملحون وغناوة.
على أن قصة " أشجار لا تبوح بأسرارها" سعت الى تبيان روح المعاصرة في حديقة المدينة الرقمية والتي يشرح فيها وعنها الهامش ذاكرا انها حديقة مولاي عبد السلام سليل الأسرة العلوية والتي تقع في قلب مراكش وتمتد على مساحة 8 هكتارات. وفيها الأشجار القديمة والأنترنت الحديث، وفيها المتنزه العجيب وسرد حكاية عن الشيخ والسائح والترجمانة. ولقصة "تلك الحافلة" قصة أيضا حيث يقول القاص الريماوي انها مستوحاة من تقرير وضع نصه هامشا لقصته فمزج واقعا بخيال خصب أعطى فيه للمدينة أبعادا جغرافية أمتدت على قارة في العالم أخرى، وهو أمتداد عذابات أنسان هي هنا فاطمة الفتاة غير المرئية وأمها عائشة التي تنتظرها في محطة الحافلات القادمة من باريس ومنذ 5 سنوات. هي فاطمة المولعة بالمفاجئات والتي طلبت العيش الرغيد في فرنسا فوجدت السراب حتى اذا عادت بعد كل هذا الزمن لم تتعرّف عليها أمها تلك التي تنتظرها في باب دكالة في مراكش منذ زمن طويل. وهكذا تنتهي مسيرة البحث المراكشية الماراثونية المحمودية اذا جاز التعبير بين بحث عن صديق أنسان الى بحث عن أم وهوية وكينونة.
قصص أخرى ولحظات صمت خاطفة:
وفي الجزء الثاني من المجموعة القصصية ضمّن المؤلف قصصه السبع الأخرى التي يبتعد فيها عن مدينة مراكش ليظل في موضوعة السفر في قصة "لحظة خاطفة" تلك التي تتميز بسيادة الحوار فيها بين الصديقين المعلميْن نادر ولقمان، فهي على ذلك قصة حوار وتبادل إراء لا تخلو من غرابة يفرضها واقع معاش. ولكنها قصة "صمت الحبارى" عندي ما يميّز هذا الجزء من المجموعة فعلا، حيث ضمير الغائب والسارد العليم يتحدث عن هواية شخص لصيد العصافير وتناص القصة بعد ذلك مع رواية "شامان" للكاتب شاكر نوري والصقر المحلّق وقنص الصقور لطائر الحبارى والسلطات التي دأبت على أصطياد الناقمين عليها وذلك الذي أصطادته حرب الغزاة (مبتور الساق الأيمن) والذي يريد جناحين خفاقين.
ولا تخلو المجموعة القصصي في هذا الجزء من الكوميديا السوداء القائمة على المفارقة صنعة ونتيجة، ومن ذلك قصة "مزيد من الرسائل" حيث مفاجأة البنت بمئات الرسائل في بريد أبيها الألكتروني الذي أختارت له كلمة السر. وإذا بحشد الرسائل تلك التي تتحدث في الأبراج والسياسة ومؤتمرات رجال الأعمال حتى (أشفقت) الأم على أبنتها فأوقفت الفضول في تصّفح الرسائل خشية أن تصادف رسالة حميمة الى زوجها تؤرقها، حتى تأتي القفلة المفارقة الصادمة على لسان الزوجة " حتى غبطت أصحاب الرسائل المرسلة.. لشد ما غبطتهم، وشعرت بالحسد حيالهم جميعا لأنهم لا يفتقدونه، ولأنهم واثقون أنه حيٌّ يرزق مثلهم".
لقد تميّز القاص القدير محمود الريماوي بأسلوبه الواقعي أختيارا للحَدَث وللغة المستعملة تعبيرا وبناءا ومقصدا. وهو اذ يتناول المدينة العربية المغربية ويزيد في التنقيب عن أسرار الحكاية فيها وعنها أنما يكون السبّاق في فتح صفحة جديدة لموضوعات الإبداع السردي العربي في القصة القصيرة أو القصيرة جدا تلك التي تعبّر بتكثيفها وإيجازها وذكاء لقطاتها وتلميحات ورموز حكاياتها عن واقع المدينة العربية مشرقا ومغربا في زمن صعب ومرحلة مخاض عسير.