مُشعِل الرماد : أفنان القاسم

ليندا كبرييل
2015 / 2 / 1

كُتِب على عقل الوطن أن يعيش بؤساً مستوفي الشروط. فلغة الوعي والعلم بوّابتنا إلى الحداثة ودخول المجتمع الكوني، تتزامن مع فقر معرفي وثقافة مُحتضِرة تأبى كل محاولة إنعاش. حياتنا بمجملها مُقولَبة، ولغتها محنّطة، في بيوت الله، بيوت الآباء، بيوت الأزواج، بيوت الأزياء، بيوت العلم.
في مثل هذا الوطن حيث قُمِعت الحرية فأعيقَت حركة النمو الطبيعي للإنسان، هل من أمل يُرتجى في ثورة تعيد بناء الجغرافيا البشرية لمنْ عاش الترويض المتواصل على الخضوع --;-- بالقمع ، بالمنع، فأنتج فرداً بشرياً مشوهاً نفسياً، عقله ملك حصري لظلال الله وظلال الخلفاء على الأرض؟
عقل حر ؟ عبارة لها جرْس حماسي ! ولا بأس من مسايرة صاحبها عندما يصف نفسه بالحرّ والمنفتح وهو منتفخ، ويصبح أكثر انتفاخاً وهو يحدثك بكل ثقة عن امتلاكه المعرفة والحقيقة.
إنها مأساة عقلٍ عربي ( مكرِّش ) لم يعد يرى أبعد من حائط جبينه، لا ينفكّ عن وصم مخالفيه بالغرور والغيرة، عاجز عن إدراك التناقض داخل عقله الواحد المتوحّد مع ذاته.

لست من أهل الاختصاص لتشريح الفكر العربي، لكني أفهم مصيبتنا عندما ينفرد الخطاب المجتمعي بادعاء الحقيقة ورفض كل بادرة معرفية جديدة لا تتواءم مع ما تقولَب عليه، هنا يصبح التخوين أسهل الردود، ووصم الآخر بالنرجسية أطرف الحلول، وأما رمي الخصم بالجهل وأخو الجهالة به ينعم ..فهذه أعظم المصائب.
كذلك، لست هنا في صدد الدفاع عن الأديب الناقد الأستاذ أفنان القاسم، فأنا أعتقد أنه الأقدر على انتزاع حقه بنفسه، ولكني أدافع عن حقه وحقنا أيضاً في إبداع رؤية نقدية جديدة لواقعنا، تقهر تبريرات الموتى وتتحدّى عرج التأويلات المتزمتة.

أفنان القاسم شخصية فريدة مختلَف عليها. إنه يرفض الركون إلى التفسيرات السائدة المكررة، ويعشق العروج إلى الذرى وهو يستنطق إبداعه الخاص. كنت أظنه يهيم بالتعالي والتكبّر والترفّع هرباً من شاعلي أعواد الكبريت أمثالنا كما اتّهمته يوماً، فأدركتُ لاحقاً أن كل أنبياء الكلمة لا يستأمنون السفوح، ويعيشون أبداً في مغاراتِ أعالي الجبال يستحضرون إبداعاتهم المنفتحة على الكون.
الأستاذ القاسم ينتج رؤية جديدة لم نعهدها، لا تحدّ شطحاته النقدية أية ضوابط، فهو يهدف متقصداً إلى إشعال الحرائق في أدبنا الخامد، فكل شيء في هذا الوجود بنظره يصحو ويتفاعل مع الحياة إلا الواقع السياسي والاجتماعي والفكري العربي، فقد لزم حياة أصحابه من أهل الكهف وبات مخدَّراً يحتاج لمنْ يوقظه من سباته.
في تمرده ولهجته التصعيدية المحرِّضة للخروج عن مدارات الهشاشة المعرفية، الصادمة لمشاعرنا عن سابق نيّة مدبرة مدروسة، يرفض كل رقابة جمالية ويأبى التقوقع تحت سطوة مسبقات يقينيّة، متعمّداً صدْم رؤيتنا ( التقديسية الأخلاقية ) للأدب، وإنزاله إلى أرض الواقع ومعالجته بطريقته المتفرّدة، لكنه مستريح تماماً إلى طقوسه الغرائبية هذه، غرائبية بالنسبة لنا، نحن منْ رضينا أن نستسلم لسيطرة الثقافة التلقينية المصابة بمرض التأليه.
لم نعتدْ على التجديد في دماء الأدب، فلو كان التجديد سمة في فكرنا العربي واجتهاداتنا لما برزت جهود الأستاذ القاسم الاستثنائية وهو يضرم في الرماد جذوة الشك والسؤال، محاولاً إعادة اللهب إلى الأدب. وبقدمٍ واثقة يمضي ~ رغم ما يُرمَى به من حسد أو نرجسية أو حتى جنون، فمبدؤه التحطيم والهدم ثم إعادة بناء الجديد.
يخاطبنا بلغة لم نجسر على طرقها في أدبياتنا، لغة لا تعرف التزويق ولا الالتواءات ولا المدارج، لكنه لا يفرض رؤيته وأبحاثه علينا، ولم يدّعِ أنه مالك الحقيقة، بل قال: أيها القارئ، لك أن تقبل أو ترفض رؤيتي، أين شجاعتك الأدبية؟ اِقرأ وقيّمْ واَعطِ رأيك.

{ ترى .. هل تحتاج الحقيقة إلى طريقة لائقة لطرحها ؟
الليْق هو فعل رَيق، لا يحمِل روح التحدي والطموح لتجاوز سقف معيّن، فالليْق يهذّب ويشذّب فحسب، ولا يحثّ على البحث في الوضع القائم استعداداً لتغييرٍ قادم.
الحقيقة من المفاهيم الصارمة في التجريد، الصادمة للمتهامسين باللغة الملائكية، الحازمة في التحديد، الحاسمة في الإبانة، تُحدِث خلخلة حتى لمنْ استغْلق عقله.
لا تنبت في المراعي الخضراء، وإنما في بساتين الأشواك، ولا تزهر على ضفاف الأنهار، وإنما على حواف هاوية النار، ولا تثمر إلا في أرض الانقلابات، وتأبى أن تضع قدميها إلا في مجرى الثورات المتجدّدة !
هناك فقط ميدانها الحقيقي.
لكن للثورات أهلها وأحكامها .
وأول بند في دستور الثورة أن يقبض رائدها على اللهب الحارق، وأن يتنكّب قضية خارجة عن المألوف تحتاج إلى هزّ الأكتاف، لا في الملاهي والبيوت المغلَقة وإنما في ساحات النضال المشمسة !
ليس في قول الحقيقة بلياقة إلا الموت للحقيقة. }

الفقرة السابقة من مقالي : ( عند أقدام الحقاائق يراق الدم ) .
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=368158

تطرقت في ذلك المقال إلى حادثة بعيدة تماماً عن قضية الأستاذ القاسم، وكذلك بعيدة عن سلسلة المقالات التي بدأتها منذ فترة أرفض فيها إلصاق ( تهمة ) الوسطية بالدين والاعتدال بالمتدينين. لكني وجدت في الفقرة السابقة المذكورة خير ما يعبّر عن القضيتين معاً : موقفنا من دراسات الأستاذ النقدية، وزيف المعتدلين، فأعدتُ طباعتها.

يقول الأستاذ أفنان القاسم في مقال له :
في كل مرحلة زمنية، تنبثق في الغرب أجيال من القراء والكُتّاب، وكذلك عندنا، في الغرب يصاحب الأجيال الجديدة الجديد من الأشكال، بينما الأشكال عندنا تبقى هي الأشكال.
الأسباب عديدة عندنا، وأهم الأسباب استهداف الكُتّاب لنظر الناس، فكأنهم يقولون ها نحن، بدلاً من أن يقولوا ها هي كتابتنا، كما أقول – بكل تواضع- ها هي كتابتي، لأن كتابتي حريتي، وكتابتهم عبوديتهم.

حسناً فعلتَ أستاذنا أن شققْت طريقاً لإبداعك في بلد الشمس والنور، وإلا .. فالزوال أو الضمور في ديار الويل والثبور ! عوامل البعث والانبثاق غير حاضرة للأسف في الأرض الموبوءة بالقحط الأبجدي والفكري ، خصوصاً إذا كان القائمون على عقولنا من نموذج (فَرْوِيد) أستاذ الفلسفة، كما كنا نسمّيه ونحن على مقاعد الدراسة !
نعم أستاذ .. العالم النمساوي الكبير يدعى : فَرْوِيد Farwiid، وليس Freud كما تظنون !!
فخلال المرحلة الدراسية حيث التأسيس الذهني الأهم، مررنا مرور الكرام على الأسس النقدية الفلسفية الحديثة في دراسة الفنون والآداب، ومنها مدرسة لعنة الله عليه اليهودي الشبق (فَرْوِيد) . اِمتُحِنّا بها لننال علامة النجاح من هنا ونسيناها من هناك. وليس منْ يعترض – كما أظن - على أن طرق مقاربتنا للمأثور الفني في مدارسنا وجامعاتنا لا علاقة له بالتحليل النقدي الجاد.. فكان تعرّضنا لمناقشة نصوصٍ أدبية تقليدياً ساذجاً، نكرر كليشيهات مع كل موضوع حفظناها ببغائياً، تتغير فقط كلمة جاهلي عباسي أموي شعر ملتزم... حسب زمن النص ومناسبته، مقدمة وحشوة وخاتمة واحدة لأي نوع أدبي ! فنحن في بلد كله واحد ..الله واحد، رئيس واحد، أب واحد، وطن عربي واحد، عقل واحد، اجتهاد واحد، وكله متوحّد مع ذاته ولا يرى الحقيقة إلا فيما يقول، وهذا السبب في استجاباتنا للتطور تتسم بالتصلّب، فكيف تنبثق أجيال جديدة من القراء والنقاد أو أشكال فنية حديثة؟
لذا تتسع مساحة الرفض لمحاولات الأستاذ القاسم في الاعتماد على مقياس نقدي حديث لم نعرفه، فلا أثر للتجارب (الفَرْوِيدية) المتقدمة في تناولنا النصوص الأدبية.

ولما كان الأدب ابن المجتمع كما علّمونا في المدرسة، فإن القارئ المتلقّي للإبداع الفكري هو نتاج واقع يتّصف بالنقيضين : فإما عبادة الحاكم الفرد، وإما النفور التام منه، ومثل هذه البيئة المريضة لا يمكن أن تفرز إلا شبيهها من نسخ بشرية تمجّد أو تبخس.
المثقف العربي مزاجي الطبع كحاكمه تماماً، لا يعترف برأي الخصم ولا يعرف الحوار إلا فيما يؤمن به، يصدر رأيه عن عقلية مشبّعة بالنظرة الأحادية، لتكون معايرته للإبداع مشحونة باللاحيادية، فتراه يفرض معياراً يقسِر الأثر الأدبي على التلاؤم معه، تحرّكه رواسب خلّفتها بنية القمع والتحكّم بالرأي، يستشعر النفور من أية مقاربة مخالِفة لما لا يتواءم مع رؤيته، وهذا ليس من الإبداع في شيء، فطارح الرأي هنا لا يقدم مقياساً جديداً لتجاوز السلبيات من منظوره، والأخطر عدم إدراكه أنه يكرر نفسه وفي أي مأزق هو !
لا يجوز الاستهانة بالاجتهادات الفكرية والطروحات أياً كانت، فهذه رؤى إنسانية ترفض استنساخ اللون الواحد، إنها مسألة نظرية تخضع لتأويلات شتى ليس من حكم قطعي فيها.

كانت المدرسة التقليدية تنظر إلى العمل الأدبي بحد ذاته متميّزاً عن الظروف المحيطة بالموضوع، مركّزة على غايات الأديب وأدواته الجمالية ضمن نظرية الفن للفن، فجاءت المدارس الحديثة لتنظر إلى جوهر العمل بربطه بمحيطه وبظروف ذات الأديب، رافضة أن يكون النتاج الأدبي الفني استجابة لظروف العالم الخارجي، أو أن تكون ظروف ملحّة سبباً في الأثر الفكري. إنها تعتبر هذا الرؤية قاصرة عن إدراك مدلولات النص الأدبي بموضوعية وحيادية.
الأستاذ القاسم يرى أننا لا نتوصل إلى دلالة العمل الأدبي إلا باعتماد نظرية النقد النفسي المفسِّرة للعوامل الدافعة للنتاج الأدبي، والمنطلقة من قوى كامنة في اللاشعور الفردي والذاكرة الجماعية التي تطبع الأثر الفني، والأستاذ إذ يفكك الإشارات الظاهرة، يقوم بعملية التجريد الفني الشكلي وتحليل العلاقات الشعورية الظاهرة للوصول إلى الإشارات الخفية في أعماق الأديب المحركة للنص الأدبي.

تذكرني لغة أفنان القاسم كثيراً بصراحة الرسام الإسباني سلفادور دالي الصارمة الفجة وتمرده، وهو في عمله على تحطيم الأشكال التقليدية، يعلم أنه لا يثبت في الميدان إلا الشطحات الإبداعية التي تأتي من عالم اللاوعي التي لن نعرفها ما دام العقل الظاهر يشدّ العقل الباطن بِقَيده، فنرى الأستاذ القاسم ينقاد إلى مشاكساته العجيبة ويخلق بعداً خاصاً به، ينأى بنا عن الاتجاهات الناعسة لطرق النقد، فالعالم يتحرك إلى الأمام وأدباؤنا ما زالوا يراوحون في أمكنتهم بنفس اللغة والاستعارات والأدوات.
ولعل ما نراه غريباً اليوم سيصبح عادياً ومقبولاً في قادم الأيام، فننساق طواعيةً إلى تقبّل الجديد والسير على نهجه، ليأتي جيل مستقبليّ آخر يعمل على تحطيم الرؤى الحاضرة وإرساء تفسيرات جديدة .. وهو ما يأمله الأستاذ أفنان من جيل الشباب بالتأكيد.

إنه لا يلتفت إلى صغارات مهاجميه، فقد تناوب حكامنا والقيّمون على عقولنا وأفئدتنا ووجداننا بقولبة رؤيتنا للواقع، فجاءت محاولاته الصادمة لتشعل أعماقنا بالاحتجاج على مقدس، هو بنظره مزيّف.
ها هو الفرق بين رؤية الجمهور ورؤيا الفيلسوف، الذي تحرر من أسر المداجن التي أعدّوها لنا، في المدرسة، وبيوت الله، والأحزاب، والمسيرات، حتى أسرّتنا لا تخرج عن كونها مفارخ مدجّنة تلد ذوي الشبه الشديد بنا.

تحية لجهود الأديب الفنان أفنان القاسم. لعلي لا أتفق تماماً مع رؤيته اليوم لكني أعمل جهدي لفهم هذا الجديد الجريء. ويكفي أنه بعث فينا السؤال والدهشة والصدمة.
ظنوا الهرطقة في جاليلو في أمس مضى عندما قال بدوران الأرض، فماذا حصل اليوم ؟
هكذا هم الرواد العالمون أن آراءهم تبدو خارجة عن الأطوار التقليدية المتداوَلة، لكن النجاح لمنْ يملك الشجاعة، وقد يظن المتهوّرون أن مجرد امتلاكهم شجاعة القول يسمح لهم بمقارعات شرسة، والحقيقة أنه لا تكفي الجرأة في النقد إن لم يدعمها العلم والوعي وإلا أصبحت تنطعاً وتشدقاً في الكلام.