-العيون السود- لميسلون هادي بين تلقائية السرد ووحدة المكان

عامر هشام الصفّار
2015 / 1 / 26

تعتبر الروائية والصحفية العراقية ميسلون هادي من صاحبات القلم العربيات العراقيات اللواتي لهن خبرتهن في مجال السرد وعلى مدى زمني يقرب من الأربعين عاما. فقد أصدرت الروائية ست روايات، وعددا من مجاميع القصص القصيرة، كما كان لها مساهماتها في المقالة الأدبية والكتابة في أدب الأطفال. وقد تابع النقد الأدبي نتاجات الروائية ميسلون هادي وترشّحت روايتها "شاي العروس" لجائزة في الكتاب العربي عام 2011 كما فازت لها رواية بعنوان " نبوءة فرعون". وعليه فلا بد وأنتَ تقرأ كل هذا من أن تتذكر الكاتبات الروائيات، عراقيا وعربيا، من اللواتي ساهمن في رفد المنجز السردي بما يغنيه، ومنهن: المرحومة رضوى عاشور وحنان الشيخ ولطفية الدليمي وميرال الطحاوي وأحلام مستغانمي ولينا الحسن ورجاء عالم وهدية حسين وغيرهن. ولابد من أن تتذكّر ما قالته يوما الكاتبة العالمية التشيلية الأصل أيزابيل الليندي من أن "على المرأة أن تبذل جهدا مضاعفا ثلاث مرات عن الرجل كي تحصل على نصف الأحترام"، لتدرك صعوبة المسار ووعورة الطريق في الوصول الى التأثير المطلوب من خلال عملية الأبداع.
العيون السود..حكايات زقاق بغدادي
لقد أصدرت الروائية ميسلون هادي رواية " العيون السود" عام 2002 لتنهيها توقيعا تحت تأريخ يقول بأنها كتبت في بغداد في شباط/فبراير عام 1998 وكملت بشكلها النهائي في معان الأردن عام 2000، ولتكون على 265 صفحة من الحجم المتوسط بغلاف لوجه فتاة جميلة بشعر أسود منسدل على الكتفين، وعيون سود واسعة تكاد تقول من خلالها أنها هي الشخصية الرئيسة يمامة، لولا أن الكاتبة وصفت هذه اليمامة ذات الخامسة والثلاثين عاما بأنها ذات شعر فاحم السواد، وعيناها زرقاوان تبرقان كالبلّور عندما تنعكس عليهما أشعة الشمس". وهي بالتالي قسّمت الرواية الى عشرة فصول معنونة وغير مرقّمة متبعة زمنا خطياً بوحدة زمنية مستمرة متواصلة بأنسيابية دون أنقطاع، لتصل الى نهايتها التي يبدو أنها قد خطّطت لها لتبقيها مفتوحة على كل أحتمالات أحداث يضج بها زقاق بغدادي لا يختلف كثيرا عن أي زقاق عراقي آخر في تلكم الفترة الزمنية التي تدور أحداث الرواية فيها، وهي فترة حصار العراق أقتصاديا في التسعينيات من قرننا الماضي. ثم أن الساردة العليمة وهي تستعرض شخصيات زقاقها هذا مستعملة ضمير الغائب الذي يحرّرها من قيود القص، تروي عن شخصيتها الرئيسة يمامة لتقول بأنها رسامة تحاول أن تعيش مما ترسمه بعد أن تركت التعليم، ثم أن لها أخوين هاجرا خارج العراق بعد أن ماتت الأم وتوفي الأب كمدا على موت أبن له آخر. ويبدو أن ليمامة حبيب من أهل هذا الزقاق هو حازم، هذا الذي تركها وهاجر فظلّت كلما ألتقت بجارها الجديد مثنى تذكرته " إن له جبهة حازم النظيفة العالية وعينيه السوداوين الصغيرتين..". وتتواصل الحكاية لنتعرف على الخالة هنوة تلك التي ظلّت على مدى ثلاثين عاما وحتى مماتها تسكن هذا الزقاق وتعرف عنه تفاصيل بيوتاته وأسرارها. وكيف لا وهي صاحبة قراءة الطالع في فناجين القهوة حيث قالت يوما لليمامة من "أنك ستتزوجين من رجل مجنون".
ثم أن اليمامة التي تفصّل الساردة في تفاصيل لوحاتها ورأي صديقها حسن الخطّاط فيها وهو الجار الذي كان يمكن له أن يصير ناقدا تشكيليا يوما، لابد لها من أن تكون الشاهد على عودة أسير الحرب (نسبة الى الحرب العراقية الأيرانية 1980-1988) جمال الى خطيبته جنان والتي ظلّت صابرة منتظرة حتى عودته لتصاب بصدمة رؤيتها للأسير العائد الذي " لم يعد هو نفسه فراح يبذل المجهود الخارق ليعود كما كان...كما تريده". كما أن يمامة هي الشاهدة على غرائبيات الزقاق البغدادي حيث أجهاض أجنة ( كما في حالة شخصية أخرى بأسم يمامة أجهضت جنينها بعد غارة جوية أدت لتهشم زجاج البيت والمعاناة من آلام مخاض في غير موعده)، ومرض الجار وحش البحر كاظم الذي لم يكن يضيع أية فرصة سانحة للتهكم من الأشتراكية: هيّه هاي أشتراكية؟، وعودة حياة أبنة هنوة لتبحث عن إرث مفقود فتسرق ذهب أمها المتوفية وتُقطع كفها خلال عملية السرقة لتتعالى النداءات "أين القاتل وأين المقتول؟..". وهي خاتمة الرواية "العيون السود" التي يأتي فصلها الأخير بعنوان "جموع لا مفرد لها" ليجمع الدلائل على المقصود فيكون كف سارقة الذهب الذي رُمي به الى الخرابة حدثا متزامنا مع السؤال " ترى هل ستضرب أمريكا يوم غد؟!!" كناية عن القصف الجوي لبغداد في عواصف الصحراء التي نالت من الوطن. كما أن يمامة الرواية سترسم في لوحتها الأخيرة كل أهل زقاقها (الوطن ) بقاماتهم الفارعة وأجسادهم النحيلة "كأنهم أعواد بخور" تتمنى هي أن يُنظر الى أبطالها بعد عشرات السنين (المستقبل) ليكون "حدس الرائي شيئا آخر"..
العيون السود وتلقائية السرد
ومما يحسب للروائية ميسلون هادي هو قدرتها على السرد التلقائي بلغة سهلة غير مركبة، تشتغل عليها بتروٍ وصفاء بال لتجعل القاريء يعيش اجواء الزقاق البغدادي القريب الى "شارع الخلفاء من جهة الشورجة الى سوق العربي، ومن هناك الى شارع الرشيد، ومن شارع الرشيد الى شارع المستنصر، ومن شارع المستنصر الى نهر دجلة.." وكأنها هنا وفي أكثر من موقع في فصول الرواية تحرص على حجز موقع للقاريء على بساط الريح وهو يمخر عباب المدينة.. ثم ان ميسلون هادي لا تستخدم الوصف الأنشائي كثيراً فالأحداث في زقاقها كثيرة وما لديها من حكايات ستسّود صفحات وصفحات. غير أني وجدت الساردة حريصة على أطلاع قاريء "العيون السود" وهو ما أحسنت فيه، على أجواء بغداد في ظل حصار فترة التسعينيات الجائر فكان الحديث عن فرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، وكانت الأشارة في أكثر من موقع الى انقطاع الكهرباء داعية الى ان " يرفع الله هذه الغمّة عن أهل العراق"..كما لم تستخدم تقنية الحوار كثيرا ولم تشغل بال القاريء الذي تهتم به الى أقصى حد، بالطروحات الفكرية السياسية الأيديولوجية مما صار يحيط بالأنسان العربي عبر وسائل الأعلام والفضائيات ويصيبه بالغثيان والدوار .
زقاق بغداد وزقاق المدق
ثم أنه زمن العيون السود كما أرادته الساردة ولكنها جاءت بشخصيتها الرئيسة يمامة (وللأسم دلالة) لتكون هذه الشخصية خارج هذا الزمن الذي تتمنى الرواية من خلاله لمدينتها وزقاقها مستقبلا أفضل لم يتحقق وللأسف. وبذلك تتجلى أهمية الرواية وتشخيصها لأمراض زقاق بغدادي عاش أهله فترة عصيبة من فترات زمن مرَّ به الوطن كله. وهنا لابد من الأشارة الى روايات عربية أخرى تناولت حكايات أزقة عربية. ولابد أن يأتي في البال حالا رواية الراحل نجيب محفوظ "زقاق المدق" والصادرة عام 1947 اي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لتفصّل في حال زقاق قاهري (نسبة الى القاهرة ) إبان فترة الأحتلال البريطاني وتأثير كل ذلك على حياة المصريين القاهريين. وكلنا نتذكر شخصيات زقاق المدق المحفوظية، فتلك حميدة الشخصية الرئيسة والفتاة البسيطة التي تصف زقاق المدق بزقاق العدم تنفر من حياة الفقر لتنتهي بين أحضان جنود الأحتلال. ولا ينسى القاريء العربي شخصيات زيطة والمعلم كرشة تاجر المخدرات وشخصية الشيخ درويش مما أبدع في رسمها محفوظ. وعلى ذلك تتعدد حالات وحكايات ووقائع الزقاق العربي شرقا وغربا ليكون الحاضر أصعب بكثير من ماضي مدن كانت على الأقل موجودة ببيوتها وأسواقها وناسها وليس كما هو الحال حاضرا حيث أصبح الزقاق عند بعض العرب مغيّبا، ممزقا بل جثة هامدة.