ترخيص الحرية والعنصرية

ميشيل نجيب
2015 / 1 / 25

تابعت مناقشات ومقالات وأخبار عن الإلحاد فى مصر وبقية الدول العربية بأقلام مثقفين يعترفون بثورة 25 يناير و30 يونيو، وكانت المشاعر والأفكار السائدة لهؤلاء المثقفين وغيرهم من رجال الدين هى الخوف من إهتزاز صورة الدين فى المجتمع، وبدأوا حرباً ضارية ضد هؤلاء الأفراد الذين أعتقدوا صدقاً بأن دستور الثورة الجديد، أعطى كل المواطنين حرية العقيدة والعبادة مطلقة لكنهم أخطأوا تقدير خطرهم على الأديان فى مصر وغيرها من البلاد حسب رأى المثقفين ورجال الدين، مما دفع بهؤلاء المثقفين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين إلى المطالبة بدفعهم فى غياهب السجون ومعاقبتهم على إرتدادهم عن الأديان وعدم إيمانهم بأى إله، والمشكلة أن الغضبة الثقافية سبقتها غضبة إعلامية مهدت لها بأخبار الإلحاد ونسبتهم فى المجتمع ثم تكبير الإعلام الإنتهازى لخبر القبض على شواذ داخل حمام بلدى ثم ثبت أخيراً براءتهم من ممارسة الشذوذ الجنسى.

قلت فى نفسى إنها مرحلة إنتقالية يخرج فيها أفراد المجتمع من حالة القمع والدكتاتورية السابقة، إلى حالة الحرية وحرية التعبير عن الرأى وإستعادة المواطن لحقوقه الإنسانية المسلوبة، وهى مرحلة صعب التعايش معها دون وقوع خلافات وصراعات بين أتباع الحرية وحقوق الإنسان وبين أتباع الدكتاتورية والقمع والفكر الشمولى الموجود فى الأديان، أقول ذلك لأن الهجوم الحاد الذى يتعرض له الشباب الرافض لقيود الدين والناقد للعقائد الغيبية هذا الهجوم يأتى من أكثرية مثقفة، لكنها للأسف محملة بطاقة تحريضية سلبية من المشاعر الدينية تجاه الآخر الذى يرفض الإيمان بالآلهة، لذلك أصبحت الصحافة ووسائل الإعلام الإلكترونية الطريق السريع لإعتراض وقمع حرية الفرد فى العبادة بالطريقة التى يختارها لنفسه وحقه الطبيعى فى ممارسته لحريته هذه، بل تحول المثقفين والإعلاميين إلى جهلة متخلفين عقلياً يسيرون ضد ما يؤمنون ويطالبون به من حرية وحقوق وعدالة إجتماعية، وبدلاً من تطبيق مبادئ وقوانين الحداثة والديموقراطية أصبحوا بلطجية يتدخلون فى خصوصيات البشر وحرياتهم ويضعون سيف الدين على رقاب من حررتهم الثورة والدستور المصرى الجديد.

لم ينتهى هذا الصراع الطائش الذى يمارسه مثقفون الواجب عليهم الدفاع عن حرية المواطنون، وإذا بالرئيس عبد الفتاح السيسى ( يصدر قراراً جمهورياً اليوم السبت بالترخيص للطائفة الإنجيلية بكنيسة الإخوة بمحافظة الإسكندرية)، وهو قرار غير منطقى وغير واقعى حسب الدستور الذى تنص المادة 64 على أن:{ حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون.}، فإذا كان إقامة دور العبادة حق ينظمه القانون، فكيف يتم التمييز العنصرى بين الأديان ويقوم رئيس الجمهورية بإصدار تراخيص البناء؟ هل نحن أمام الخط الهمايونى العثمانى والمسئول الأول عن إصدار تراخيص بناء دور العبادة للمسيحيين هو رئيس الجمهورية؟ هل القانون خاص بدين معين دون آخر؟؟

المادة الأولى من الدستور تقول: جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شىء منها، نظامها جمهورى ديمقراطى، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون.، إذا كانت الدولة نظامها جمهورى ديموقراطى فهل من الديموقراطية التمييز بين الأديان ويقوم الرئيس السيسى بإصدار قرار خاص ببناء دور عبادة؟

كنت أنتظر أن يقوم الرئيس السيسى بأن يكون المثل الأعلى فى إعادة الحقوق لإصحابها ويقضى على الروتين الحكومى، أقول هذا وأنا لا أنتمى لأصحاب الديانات السماوية لكنى كنت أنتظر أيضاً أن يوقف الرئيس السيسى حملات الشتائم والقمع والتحريض الإعلامى والثقافى والدينى ضد من يقال عنهم بالملحدين، وأن يعلن للجميع أن هؤلاء لهم حريتهم المطلقة فى الإعتقاد بما يشاءون وحقهم فى أن يعيشوا وسط المجتمع المصرى بكل إحترام دون تمييز أو عنصرية كما نصت على ذلك المادة 53 من الدستور القائلة: { المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعى، أو الإنتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأى سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء علي كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.}.

إن الحرية والحقوق الإنسانية فى النظام الديموقراطى لا تحتاج إلى أخذ تصريح أو ترخيص بممارستها، بل هى من أساسيات المجتمعات الديموقراطية وبدونها ستفشل الدولة فى وضع قدميها على طريق التقدم، فالحرية لها حدود معروفة لكنها ليست الحرية فى مقاضاة كاتبة عبرت عن رأيها فى مشهد ملايين الذبائح التى تسفك دمها سنوياً فى عادة دينية، وليست الحرية فى إهانة وإيذاء والتحريض على الكراهية" جريمة يعاقب عليها القانون" ضد أفراد من المجتمع لا يؤمنون بالغيبيات الدينية أو من يمارس الشذوذ، والحرية ليست فى إعطاء نفسك وآخرين الحق فى تكفير من لا يؤمن بإلهك وقتله، الحرية يسئ فهمها المتخلف ثقافياً التى تهيمن على عقله العادات والتقاليد الدينية الموروثة التى لا تقبل بالآخر.

شخصياً أعتز كثيراً بمصر الثورة الحديثة التى يتم وضع أساساتها وما أراه من الرئيس السيسى أنه قادر على تحقيق مهمته، لكنه لم يكتشف بعد أن قرار تحقيق المواطنة والقضاء على التمييز والعنصرية والطائفية فى يديه وليس فى يد أى شخص آخر أو فى هيئة أو مؤسسة أخرى، عليك أن تعلن بإستمرار أنك رئيس كل المصريين ولست رئيس المسلمين فقط وإخوتهم فى الوطن المسيحيين، وأن تذكر رجال القضاء أن جميع المصريين هم مواطنون متساوون فى الحقوق والواجبات وحرية المعتقدات دون الإساءة للوطن الكبير مصر، وعليهم تنفيذ القانون بالعدل بين أبناء مصر وإعطاء المظلومين حقوقهم مهما كان دينهم أو عقيدتهم، وتحيا مصر الثورة والوطن.