مصر: عام من قمع الحريات وعودة الدولة البوليسية

عصام شعبان حسن
2015 / 1 / 24

فيما يخص الحركة الشبابية والطلابية وموقف السلطة منها، وصل الأمر من السخرية حدود ان يتم القبض على طالب ويتم تسجيل رواية جورج اوريل كحرز ودليل اتهام! أما الحكاية الأكثر حزنًا أن يتم القبض على طالب آخر بتهمة تسجيل وتصوير مواد تروِّج لمظاهرات مناهضة للنظام، بينما المتهم طالب كفيف..

يمكن القول إن العام 2014 هو عام الانقلاب على مكتسبات الثورة المصرية، تلك المكتسبات التي تمثلت في فتح أفق رحب للحركة الشعبية بعد إسقاط رمز النظام مبارك وعدد من رجال أعماله، كما أعادت ثورة يناير الاعتبار جزئيًا لفكرة التنافس السياسي وآليات الانتخاب والحق في التنظيم، كذلك استطاعت الحركة الاجتماعية انتزاع بعض المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية، وكسرت حركة الشعب إلى حد بعيد جبروت أجهزة الأمن التي تعودت على استعباد المواطن المصري.
بعد الموجة الثورية في 30 يونيو التي أسقطت محمد مرسي نتاج الفشل الذريع لحكمه هو وجماعته، استطاعت قوى نظام مبارك الصعود مرة أخرى على الساحة مستغلة ظرف غياب كتل سياسية قادرة على فرض إرادة الجماهير، وأدينت الديمقراطية حيث إنها لم تأتِ إلا بنظام متعصب فاشي غير وطني، تحولت موجة الهجوم على الاخوان مباشرة إلى الهجوم على الثورة، ووجدت الدولة وأجهزتها القمعية والإعلامية الفرصة سانحة للانتقام من كل من شارك في الثورة وأعد لها.
اصدرت السلطة قانون منع التظاهر في الفترة الانتقالية في2013 بهدف تجريم أي حراك شعبي يرفع مطالب التغيير كما حدث في الفترة الانتقالية الأولى ما بعد 25 يناير 2011 ، وكانت الحجة جاهزة، هذا القانون موجه لتظاهرات "الإخوان المسلمون" العنيفة، برغم وجود قائمة طويلة في القانون الجنائي تجرم العنف، بهدف إجهاض أي حراك يرفع مطالب تتعلق بتغيير النظام.
شهد العام المنقضي حوادث مؤسفة تدل على رغبة السلطة في إخافة الجميع والعودة إلى حدود ما قبل فترة 2005 وما تزامن معها من حراك سياسي وشعبي طالب بالتغيير.
قمع للطلاب في الجامعات وحرمان من الدراسة وحبس دون العرض حتى على قاضي التحقيقات والتهمة هي الانضمام إلى جماعة "الإخوان المسلمون"، هذا العنوان الرئيسي. فيما يخص الحركة الشبابية والطلابية وموقف السلطة منها، وصل الأمر من السخرية حدود ان يتم القبض على طالب ويتم تسجيل رواية جورج اوريل كحرز ودليل اتهام، أما الحكاية الأكثر حزنًا أن يتم القبض على طالب آخر بتهمة تسجيل وتصوير مواد تروِّج لمظاهرات مناهضة للنظام بينما المتهم طالب كفيف، حالات القبض العشوائي التي اعترفت بها السلطة وصنفتها تحت عنوان "أخطاء سوف يتم التراجع عنها والإفراج عن الأبرياء" تضاف إلى سجل الانتهاكات، 20 ألف معتقل في السجون المصرية منهم. ثلاثة آلاف طالب لم يحكم على أغلبهم ولم نعرف تهمتهم، يتضح مما سبق أن المستهدف من هذه الإجراءات ليس "الإخوان المسلمون" فحسب بل الكتل الشبابية والاجتماعية التي كانت وقودًا للثورة، وان حبس "الإخوان المسلمون" إشارة إلى أن مصير كل محتج هو التصنيف كإرهابي وعدو للوطن لا يستحق حتى المحاكمة بل القتل كما يروِّج إعلام النظام.
والوقائع تشير الى ان هناك مئات الحالات من حبس لنشطاء من تيارات سياسية أو لغير المنتمين سياسيًا، نتيجة تطبيق عقوبة قانون التظاهر ليحكم عليهم بالحبس والغرامة فترات ما بين العامين إلى خمسة عشر عامًا، كل ذلك يأتي فى الوقت الذي خرج فيه مبارك وزبانيته من الجهات الأمنية والفاسدين براءة، يارا سلام ومنى وعلاء سيف وأحمد دومة وأحمد ماهر مجرد أمثلة ممن يعرفهم المصريون كنشطاء وفاعلين في الحركة السياسية والحقوقية، ومنهم من كان يلتقط السيسي معهم صورًا تذكارية في فترة ما بعد ثورة يناير، هم الآن خلف القضبان لا لشيء سوى التظاهر وهي الأداة التي أسقطت مبارك ومرسي. ويخشى السيسي لوهن نظامه ان يتهاوى بفعل احتجاجي مماثل، لذا يقمع بأقسى قوة ليس فقط لتأمين وجوده لفترة محميًا من مطالبات الديمقراطية بل أيضًا لاستمرار النظام الاقتصادي الذي يمارس ويطبق سياسات اقتصادية مفقرة أشد عنفًا من ممارسات مبارك.
لم يقتصر القمع البوليسي على المتظاهرين فقد سجلت حالات اعتداء وقتل للمواطنين ليس لهم علاقة بالعمل السياسي أساسًا، بل إن الكتابة والتعليق على الفيسبوك يمكن أن تصبح دليلا وأداة اتهام، تجاور التضييق والهجوم المستمر على الإعلام والإعلاميين والكتّاب الذين يبدون اختلافًا مع النظام، كل هذا يدور في حالة وهن وضعف لقوى الثورة وشبابها وفى ظل تواطؤ جماعي من أغلب النخب السياسية والإعلامية، التي تقوم السلطة إما باحتوائها أو زيادة معدلات الرعب لديها من خطر عودة "الإخوان المسلمون" للسلطة، ونظرًا ان تلك النخب لا تقدم بدائل ومنفصلة عن الهموم اليومية وفاقدة الاتصال بالجمهور فإنها تستسلم للواقع وتبرر سياسات السلطة طالما لم يطلها القمع حتى الآن.