مِحنة العقل الغائي بالعقل الببغائي.

ليندا كبرييل
2015 / 1 / 19

جلسنا نتحدث بعد أن أدّى الأصدقاء صلاة الجمعة.
قال المقتدِر فقهياً :
ليت ذلك الإسلام الوسطي يعود !
فقد كان الدين معتدلاً متسامحاً في بداية النهضة في القرن التاسع عشر وإلى أواخر خمسينات القرن الماضي، ومختلفاً عن الإسلام العنيف الذي نراه الآن. لم يعرف المسلم الاختلافات المذهبية ولا تكفير المخالف، فأين الذي كان يحب أخاه المسيحي ويتشاركان في الأفراح والأتراح ؟ ماذا حصل لنا حتى تملّكتنا كل هذه الكراهية ؟ انظروا كيف يدمرون المساجد والمراقد والكنائس، شيء مرعب هذا التذابح .. هزّ الزميل رأسه متحسراً ثم قال : لا حول ولا قوة إلا بالله !
فأجبتُه :
الإسلام لم يكن يوماً مختلفاً في ماضيه وحاضره كما تظنّ، وعبارة (اعتدال الدين)، أو الحديث عن الوسطيين، إهانة لا تليق بتعاليم إلهية قرآنية يجب أن تؤخذ بكليتها بلا اعتدال ولا ارتخاء، واستخفاف بسنّة النبي التي يجب تمثّلها بالتصديق الكامل لا الخامل. كان الأجدى أن تقول: ليت تلك الظروف ورجالات تاريخنا يعودون ليعود ذلك الإسلام المبْصِر، ولا حول ولا قوة إلا بالإنسان وعقله أيضاً.
ثم أضفتُ وشابان مسيحيان يشدّان من أزري :
أنتم – الجمع الكريم من الحاضرين، سيدات وسادة - وصلتم إلى أرقى الدرجات العلمية وتعتبرون أنفسكم معتدلين في الدين، أسْمعتمونا قبل قليل في صلاتكم ودعائكم وخطبتكم وصْلات من الإهانات والتحقير للأغيار، هذا عدا عن مقامات الوعيد والتهديد التي يزخر بها المقدس، ترددونها يومياً في سرّكم وعلنكم، وميكروفوناتكم ومدارسكم، ثم تسألون من أين تنبع الكراهية ؟ أو تنتفضون دون خجل من أجل رسم كاريكاتوري أو قصة استندتْ في أحداثها إلى تراثكم نفسه، عبّر عنها عقل حرّ لا يخضع إلا لوعيه، لا تحكمه مسبقات إيديولوجية، سياسية كانت أم دينية، ولا يرى قداسة لبشر ولا يمجّد إلا الحياة.

هذا الكلام جرى قبل مجزرة شارلي إيبدو الفرنسية. واليوم بعد هذا الحادث الإرهابي أتابع الفكرة فأقول:
إن ردود الفعل المتشنّجة لنصرة الإسلام، توفّر مادة كاريكاتورية ثرية ليسرح خيال الفنان في رسم صورة للنبي مشابهة لصورة أتباعه. فالمؤمن على مسلك نبيّه معلّمه في الحياة، والمرآة الصادقة العاكسة لما تربّى عليه، ولا تعني شيئاً عبارة : دين الرحمة والسلام والتحاور بالتي هي أحسن، وسط تصاعد هذه المواقف الغوغائية التي تفاجئنا بين حين وآخر.
هذه الأزمات ليست بسبب سخرية من الإسلام الدين الأرفع اعتباراً عند الله برأي معتنقيه، أو بسبب إهانة لحقتْ بالسيد محمد، فهو المصطفى على العالمين ليس في موقف ضعف، ولا يحتاج لمنْ يدافع عنه والانتصار له بهذه الطريقة الإجرامية.
إنها برأيي تعبير عن انكسار نفسي، منذ جمود مسيرة المسلمين في الإبداع العلمي، والتوقّف عن المشاركة في موكب الإنسانية قبل أكثر من ألف عام مع إقفال باب الاجتهاد.
إنه شعور حاد بالنقص يجتاح المسلمين وانهزام داخلي يعبّرون عنه بطريقة غريزية غير متعقّلة بالانتقام للرمز الوحيد الذي يمثّلهم.
هل رأيتم مسلماً واحداً ينتفض كرمى لله مع ما يلحقه من تكذيب وإنكار وسبّ وإهانات؟

ترى.. هل تكون العقيدة معتدلة متسامحة في عصر، ومتطرفة عنيفة في عصر آخر ؟
لا لهذه المقولة الساذجة المبسِّطة ل (جوهر) الدين ! كلاهما المعتدل والمتطرف ينهلان من معين إلهي واحد لم يتبدّل منذ أن وجد، وحتى اللحظة . الإسلام هو هو قبل النهضة وبعدها، والفارق في بروز الصورة أو تواريها، في درجة لونها الغامق أو الفاتح، في حجمها الكبير أو المنكمش.
الاختلاف بين المعتدلين والمتطرفين ليس في جوهر الدين وثوابته إطلاقاً، فالمنطلقات واحدة، وإنما في طريقة التفكير وتناول المشكلات ومعالجتها.
السلفي يتناول المشكلة بفهم جريء وواضح وبلا تزويق والتواءات، يطرح أفكاره بوضوح ودون إبهام لكن حلوله عدميّة مميتة.
أما المعتدل فمراوغ ومخادع والنقاش معه عقيم، يراوح في مكانه ولا يقدّم حلاً. يتوارى حرجاً خلف تفسيرات محايدة مسالمة تعمّق الأزمة ولا تعالجها، لأنه لا يقارب في الحقيقة أياً من المشكلات الخطيرة التي تزعزع أركان الوطن.
أما المغيّبون ففي حالة موت دماغي، يتنفّسون وقلبهم ينبض لكنهم فاقدو الوعي.

هل من مسلم لا يعلم دقائق عقيدته أو التناقضات في كتب التراث في عصر المعرفة والفضائيات التي تتزاحم على عقولنا ؟ لا يجدي أن تقولوا إن البسيط المسالم لا تهمّه تفاصيل تضارب المذاهب . بل يدركها . فالدين يمتدّ إلى الأرحام الغائرة في التاريخ، وينمو من لحظة التكبير في أذن الطفل عند ولادته.
عشرات السنين يقرأ كتابه المقدس في بيته ومدرسته، ويستمع إلى الخطب في المسجد، والفتاوى في الفضائيات، فهل مثله لا يعرف فقه الولاء والبراء ؟ ألا يدرك الاختلافات الخطيرة بين الإسلام وبقية المذاهب والأديان ؟ ومعنى دار الحرب ودار السلام؟ يسمع بالانتحاريين في الأسواق الشعبية وفي مدارس الأطفال تحت اسم الله ورسوله، ألا يسأل لماذا كل الإرهابيين مسلمون ؟
حججكم واهية في التماس العذر للبسطاء ، أو أن العقل الإسلامي يردد بخلاف ما في باطنه برِياء.. أو بلا وعي كغباء الببغاء.
إنه طيب مسالم خارج بيته، أما في داخله فهو يسلك سلوك متناقضاً لا يعبر عن تسامح واعتدال أبداً، بل أقرب إلى الإرهاب ؛ عندما يضرب امرأته، ويغصب بناته على لبس الحجاب أو النقاب، ويختنهن، ويتخلّص منهن ببيعهن في زواج مبكّر، وهو في نقاشاته ينكر العهدة العمرية، ويزيّن سورة التوبة، ويزيّف صور عهود الظلم لأهل الكتاب، ويزخرف الجزية الخزية، ويستجيب بطواعية لفقه متشدد قامع لإنسانيته.
هذا ليس اعتدالاً، إنها طوباوية، دروشة، أرخت غشاوة على عينيه فجعلتْه يرى الجوارح دجاجاً، والمفترِسة خرافاً، والتشريد نزهة، والذبح مزحة ثقيلة، أو مشهداً تلفزيونياً ينساه عندما يضع رأسه لينام ويغرق في أحلامه السعيدة . ولْتنقلبْ الدنيا ! أليس بخير وتجارته ناجحة من فضل ربه مكافأةً له على قيامه بعباداته بصمت واستسلام؟

هذا هو العقل المستلَب ! مسترخٍ كسول ، يقبَل ببغائياً كل ما يُملى عليه .. فتعمِّق المثالية الدينية اغترابه عن منطق العصر وتبعده عن فهم الواقع، ليصبح عاجزاً فكرياً عن مواجهة المشكلات بصلابة وشجاعة.
وذاك هو العقل المستلِب ! عندما يغذّي ظِلالُ الله على الأرض حالة الانكفاء على الذات. ولإدراكهم خطورة المعرفة والوعي فإنهم يحجبون الحقائق عن الغارقين في أمية أبجدية ومعرفية، أو يزيفون ويلمّعون أحداث التاريخ المأساوية كيلا ينفضّ الأتباع عنهم فتبور تجارتهم، وبقصد ماكر يوجهون الأنظار إلى الكافر الغربي المعتدي دوماً، الطامع جشعاً، المستفيد من ركودنا العقلي أبداً.

كلاهما: الملحد والمتطرف، نأمنُ مواقفهما. فقد كشفا عن الوجه الصريح لقناعاتهما. أما المعتدل، فليس هناك ميزان أو معيار نقيس به عمق رَيْبه أو سطحية شكّه بالآخر. إنه أمر مزروع في العقل الباطني، في اللاوعي، الذي إذا أُتيحتْ له الظروف خرج إلى السطح مكشراً عن أنيابه.
ولكن .. ما مقياس الوسطية في مجتمع سيف الحاكم على رقبتك ونار جهنم في انتظارك ؟
ما دليلكم على اعتدال المؤمن وصدقه ؟
هل شققتم عن صدره لمعرفة ما يضمره؟
هل يمتلك حقاً ( إرادة ) الاعتدال ؟
هل يمتلك حقاً حرية الإعلان عن معتقده ؟؟ أم أنه مأسور بجملة التشريعات التي تقيّد العقل بإخضاعه للأيديولوجيات والميتافيزيكيات الخانقة للتفكير وحرية التعبير؟
ولكم أن تنظروا في الفرحة التي اجتاحت قلوب المؤمنين بثقافة الموت، عندما صدر حكم الإعدام على الصحفي الموريتاني محمد الشيخ ولد امخيطير، أو التشفّي المريض بجَلْد رائف بدوي السعودي لأنهما عبّرا عن آرائهما بحرية !!

الإسلام واحد في الماضي المضيء والحاضر المحتضِر.
ولكنه في فترة تجارب النهضة العربية الحديثة، حرصت طبقة سياسية مستنيرة متعاونةً مع شرائح اجتماعية من تيارات فكرية مختلفة، الاستفادة من الفرصة الثمينة التي هيّأها لنا الاستعمار الغربي النبيل ( نعم .. نبيل ونص كمان، ولك قبل أن تحتجّ أن تقارن بين – الاسْتحمار - العربي لأرض الحضارة و- الاستعمار - الغربي لبلادنا ) عندما فضّل علينا الاستعمار الغربي وصنع لنا (بلاداً) تأوي الشراذم العشائرية المتناحرة، ووضعَنا على بداية طريق الحداثة، بإرسائه النظم التشريعية والقضائية والإدارية المتطورة.
وفي محاولة حاملي لواء النهضة جلْب قيم الحداثة الغربية، انصهر الإيمان بحرية الإنسان وكرامته بهدف الارتقاء بالوطن على قاعدة العلوم العصرية، فسعى العقل الغائي المتصالح مع الحياة والكون إلى التحدّي الأكبر، بإرساء قيمة تعمير الوطن كشرط أساسي لا ينفصل عن الارتقاء بالجغرافيا البشرية . وانشغل العقل المكوِّن في بدايات النهضة بدعم البُنى الأساسية لمشاريع مدنية، وبوضع ضوابط عقلانية ألْجمتْ دعوات عقلٍ غريزي بدائي أراد تطبيق شريعة لم تعد تناسب الزمن بحال.

لم يكن إسلاماً وسطياً أو معتدلاً كما يقولون، وإنما كان إسلاماً مقيداً برؤى العقل الغائي الواعي المستشرف للمستقبل.
لكن محاولات النهضة والتحديث ذهبت أدراج الرياح مع الانقلابات وانتشار موضة أحلام العروبيين والهزائم المتوالية، فخبَتْ الروح الوطنية في النفوس والحماسة لشعارات الأمس الوحدوية، وسرعان ما اقتُلِع الزرع الاصطناعي من تربة رملية لمجتمع غير مهيَّأ أصلاً لرعايته وتنميته، وأرضيته الثقافية غير مُعَدّة لاستقبال بشائر المعرفة الجديدة والفلسفات الإنسانية، لا سيما بعد وقوعها في براثن التيار الأصولي الديني.
نفَذتْ دعوات الحرامية ( الحراميين ) من ثغرة تحطّم آمال الإنسان العربي في مستقبله على يد قادة خذلوا طموحاته. وتحت وطأة الاضطهاد والواقع المعيشي المتردّي وغياب مشروع وطني تلتمّ كل القوى حوله، وجد المواطن العربي في دعوات ( الحلاليين ) أحلامه المفتقدة، وحلولاً جاهزة لعذابه الدنيوي تحقق له الاستقرار النفسي .. وبدأت منجزات النهضة المصطنعة تتوارى، وقيم الحداثة تتراجع.

لم يصل التغيير في المرحلة الذهبية إلى طرق التفكير أبداً، ولم تتعدّ التغييرات التي نتغزّل ببهائها اليوم إلا المظاهر في طرق الحياة المادية المتأثِّرة بتطورات الظروف العالمية.
تمّ تجريف الطينة الثمينة التي تنجب العقول المثقفة المتلمّسة غاياتها بالوعي والعلم، فقضوا عليها بحجة انسياقها للرؤية الغربية المهدِّدة لخصوصيتنا الذاتية.
ونِعمَ الخصوصية.. التي لم يرتقِ تاريخنا الخط التصاعدي في ظلها إلا فترة محدودة وضيقة جداً، ثم بدأ الخط الانكساري حتى وصلنا إلى العصر الحديث ونحن مشغولون بجنس الملائكة، والجن الذي يركب نسوان المسلمين دون غيرهن من نساء العالم قاطبة !

نعي اليوم، وقد انفتحتْ أبواب المعرفة لعقولنا، كيف نكّل قادتنا آباء الممانعة والصمود بالمعارضين ( الخونة) ، لتبرير بقائهم في السلطة التي اغتصبوها دون وجه حق، وألهونا عن سابق نية خبيثة بمفردات الإمبريالية والاستعمار، ولولاه لظللنا إلى اليوم نقضي حاجتنا وراء الخيم ! ضيّع حارسو بوابات الوطن أعمارنا في سيرة الدفاع عن العروبة، مختزلين قضايانا بالصهيونية الشيطان التي أسست بمعيّة الغرب لإسرائيل الكيان الديني المصطنع الغاصب لأرض عربية، متناسين أن أجدادهم قد (بلْفروا) أنفسهم بأنفسهم ودون معية أحد، واقتطعوا وعداً بالجنائن المعلّقة من الشرق الصيني إلى الغرب الأوروبي !
ماذا تتوقع من العرجون؟ عنباً ؟ تفاحاً ؟ بدوي يدير دولة حديثة بعقلية شيخ القبيلة، وبسلوك راعٍ يسوس القطيع بالعصا وبكلاب الحراسة، فماذا سيكون إلا الفشل؟

هذا يرى فينا الجسر إلى أحلام العظمة، وذاك يرى فينا نوازع استهلاكية لا بدّ أن تظل عجلتها دائرة كيلا ينقطع رزقهم . ومجتمع الببغائيين من ( العنعناتيين والعنعناتيّات )، يتناقل فيه البسطاء والمتعلّمون عن بعضهم بالتصديق الساذج أقوال ساكني المغارات المعتمة بفخر وإعجاب !
والمسحوق والمخنوق .. له الحلم بالفردوس المفقود حيث الخلود في حياة أخرى حافلة بالمسرات تعوّضه عن حاضره الجهنمي، فيدعو الله مع كل صلاة وصوم وحج أن يهيئ له حسن الخاتمة، ويمضي العمر.. وتتوالى الأجيال ~ وما من تغيير من مئااات القرون.
الله يرحمكم .. ولا بقية في حياتكم من أعمار هؤلاء المغفلين، ادعوا معي أن يفسح الله لهم واسع دياره الفردوسية مع إخوتهم المنافقين !

وللحديث عن المعتدلين المنافقين بقية ، أتابعه إذا أرادتْ الحياة وحتى تفرغ الجعبة.