العجز أمام داعش وشارلى

ميشيل نجيب
2015 / 1 / 17

أدان رجال الدين والثقافة والإجتماع والسياسة جريمة الأعتداء على صحيفة شارلى الفرنسية وأعتبروها عمل إجرامى، وفى نفس إداناتهم يدينون أيضاً تلك الرسومات التى أهانوا فيها رسول الإسلام، مثال بسيط على ذلك قيام الملك المغربى بأرسال مبعوثاً خاصاً لتعزية الرئيس الفرنسى ثم ترك المظاهرة التضامنية مع قتلى شارلى لأنهم ضد ما قاموا به من إساءات وإهانات لرسول المسلمين وما رفعه البعض من رسومات أثناء التظاهرة الحكومية، وهذا الموقف هو نفس ما قامت به غالبية الحكومات العربية بإختلاف الإسلوب، لكن الأزهر أدان الإجرام الإرهابى وأدان الرسومات المسيئة، أى أن العقول والقادة العرب سياسياً أو دينياً ما زالوا يعيشون فى الماضى ويرفضون الأعتراف بأنه من المحتم عليهم أن يتصرفوا بعقلية القرن الواحد والعشرين وليس القرن الأول الهجرى، لذلك سيظلوا عاجزون أما جرائم داعش وإخوانه!!

يتكلمون بضرورة عدم الإساءة إلى الدين وإحترام نصوصها التاريخية وتطبيقها فى حياتهم وفى نفس الوقت يستخدمون أسلحة وذخائر ومبتكرات الكفار للقضاء على من يخالفهم سواء من المسلمين وغير المسلمين وقتل الكفار الذين يبتكرون لهم الأسلحة التى تساعدهم فى حروبهم وصراعاتهم العبثية، يعجزون على الوقوف أمام التنظيمات الإسلامية الدموية والتصدى لها وفى الوقت نفسه يطلبون من الحكومات الكافرة الوقوف أمام الحرية والأقلام المعبرة عن آراء بعض كاتبها الواقعية، هذه الإزدواجية العاجزة التى تبيح القتل وترفض تكفيره أو تكفير مرتكبيه، لا تخجل من التعبير عن غضب جماهيرها بل والتحذير من هذا الغضب الذى يمكن أن يتحول إلى عنف وتطرف، أى أن هؤلاء القادة الدينيية هم وراء دفع الجماهير إلى أعمال القتل والتطرف لأنهم يعطونهم الإشارة أو الفتوى بأن الجماهير الغاضبة المدافعة عن رسولها من حقها اللجوء إلى العنف مثلما تفعل وترتكب التظيمات الإسلامية الإرهابية!!!

إن أصحاب الفتاوى التى تشعل النار فى كومة القش هم أنفسهم الذين يشعلون أوهام وأحلام كثيرة تغطى على مشاعر الكثير من المسلمين بإقامة الخلافة والسيطرة على أوربا وأسلمتها، لكن بنظرة واقعية منطقية حيادية بدون عواطف دينية أتساءل: ماذا يقدم الإسلام للبلاد التى غالبيتها عرب مسلمين؟ التخلف والأفكار الرجعية والرغبة فى تنفيذ الحدود وذبح رؤوس المخالفين والسبايا وإغتصاب الفتيات الصغيرات حسب الشريعة التى تقدمها داعش البغدادى؟ فهل هذا الإسلام تحتاجه أوربا لتتقدم وتنعم بالحضارة الإسلامية التى نعيمها يفيض على شعوب البلاد العربية الإسلامية الآن؟
يحتاج المسلم إلى التفكير الموضوعى ويسأل نفسه من يحتاج إلى الآخر : الكفار يحتاجون إلى المسلمين، أم المسلمين يحتاجون إلى الكفار؟

أدرسوا تاريخ الخلفاء وما بعدهم وكيف ماتوا وكيف حكموا وكم من الدماء سفكوا وكم من الجوارى والسبايا أقتنوا، مجتمع الخلافة الإسلامية هذا وثقافته التى خرجت من جوانبه وكتابات وفتاوى وعلوم الفقه الذين كتبوها لزمانهم وعصر هؤلاء الخلفاء، والتاريخ نفسه يشهد أن الفقهاء وشيوخ السلطة كانوا يؤولون النصوص الإسلامية لخدمة الخلفاء وليس لخدمة الإسلام أو المسلمين، وواقع الحال الزمانى لهؤلاء الخلفاء المسلمين فكيف يثق مسلمى اليوم فى تراث هؤلاء العلماء الفقهاء ويستعيرونه لزماننا هذا؟ رغم أن الجميع يعلم كثرة إعوجاج ما أفتى به هؤلاء شيوخ السلطة؟ كيف يثقون تلك الثقة العمياء فى تراث الأقدمين وكأنهم أمتلكوا عقول مثقفة معصومة من الخطأ فيما كتبوا وعبروا عنه فى تفسيراتهم وتأويلاتهم؟

مشكلة المسلم المتدين هى أنه فخور بإسلامه وفخور بما قدمه العلماء والفقهاء الأولين منذ ابن تيمية وحتى الآن، المسلم فخور وشغوف إلى تطبيق الشريعة لتقطع يد السارق ليعيش بقية حياته بعاهة مستديمة نتيجة خطأ أرتكبه وقد يتوب عنه بدلاً من تشويه حياته ويعيش متسولاً غير قادر على العمل أو عدم قبول أصحاب الأعمال له لعدم قدرته على العمل كبقية العمال، وهل ستقطع يد الذى سرق ألف دينار أو درهم أو جنية مثل الذى يسرق مليون جنيه؟ ستقول لى أيها القارئ العزيز أن الخليفة الحديث مثل البغدادى سيحد بنفسه بمقاييس عصرنا القيمة التى يستحق عليها قطع اليد، وهل تعتقد أنه سيكون من العدل والحكمة مثل الله الذى لم يحدد حجم السرقة الواجب قطع اليد عليها؟ أو بمعنى آخر هل الخلفاء والحكام الجدد سيكونون فى عدل عمر بن الخطاب أو ابو بكر وغيرهم؟هل نظر الله قبل كتابته تلك النصوص إلى النتائج المأساوية لتلك الحدود التشريعية على حياة البشر؟ وهل لها القدرة على أن تكون قوانين عادلة حقاً؟

إن المطلوب حقاً هو وجود قيادات وثقافة قادرة على تعليم الإجيال الحاضرة والقادمة كيفية التأقلم والتكيف مع الحاضر، وتعليمه الثقة بأن عقول أبناء عصرنا أفضل من عقول السابقين والأجيال الماضية، ولا وجود لعصمة بشر فى الماضى أو الحاضر إذا أرادوا إثبات وجودهم الإنسانى!!