شارلى فجور مرفوض

ميشيل نجيب
2015 / 1 / 13

شارلى إبدو صحيفة أسبوعية مكونة من إثنى عشرة صفحة تستخدم الكاريكاتير للسخرية والضحك، لرسم البسمة على وجوه القراء وللوصول لهذا الهدف تستخدم رسوماً إباحية لا تستثنى أحداً من البشر وقادة الأديان والأنبياء والرسل والآلهة، أى يسخرون من كل ما لا يخطر على بالك وهذه السخرية الكاريكاتورية ليس لحريتها سقف محدود، بل فضاء الحرية لديها فى رسوماتها التى تتميز بقلة الأدب والأخلاق وقباحة التعبير والأهداف وأفكار بذيئة ومبتذلة وليس لديها حساسيات معينة ولا تؤمن بالمقدسات لأن أفرادها ملحدين، ولا يعترفون بالخصوصيات والثوابت والرموز الدينية والواجب إحترامها وعدم المس بها أو الإساءة إليها بالنسبة للمؤمنين بها، من هنا نجدهم يفعلون ذلك مرتاحى الضمير لأنهم لا يخافون من عقاب آلهة سواء على الأرض أو فى السماء، لكن بعيداً عن الأديان أقول إن تلك الرسوم بعيدة كل البعد عن الأخلاق الإنسانية القويمة ومرفوضة كلياً.

لذلك حرية شارلى تتعامل مع شخصيات خيالية من صنع البشر وأعتقادهم هذا لا يبرر اللجوء إلى الهمجية فى التعامل معهم وقتلهم، والدليل على ذلك أن خمسة ملايين مسلم يعيشون فى فرنسا لم يهتموا بتلك الرسومات ولم يشغلوا أذهانهم بها، وأكيد أنها سببت لهم بعض الغضب والضيق وأطلقوا عليهم لاعناتهم ليخسف الله بهم الأرض، لكنهم يعرفون قوانين المواطنة الذين يعيشون بها لذلك لم تتعدى ردود أفعالهم ما ذكرته، لكن من يعيش خارج المواطنة والمجتمع الفرنسى تكون ردود أفعاله مبالغاً فيها جداً خاصةً عندما تتلقى جماعات الإخوان المسلمين وداعش والقاعدة وغيرها تلك الرسومات، لتكون سبباً قوياً فى إثارة الجماهير المسلمة وإصدار الفتاوى لسفك دمائهم الكافرة.

عالم حرية الرأى والتعبير يقول بأنه لا يعتقد فى المعجزات والنبوات والكتب الدينية التى يقدسها البشر، لذلك يعتبرها أشياء عادية حتى إن أعتبرها أصحابها نازلة من السماء مثال عيسى يسوع، بالنسبة لهم عيسى شخصية تاريخية فقط مثلها مثل رئيس وزرائهم السابق ساركوزى، ومن حقهم توجيه النقد له والسخرية منه كما يشاءون وبالطريقة التى تثير الضحك لترويج صحيفتهم والتعبير عن قناعاتهم الخاصة، بإختصار صحيفة من أثنى عشرة صفحة تصدر ستون ألف نسخة، ولا يهتم بها أحد ومن يشتريها هدفه هو الضحك والإبتسامة، تلك الرسومات الجنسية الواضحة بالغة الفجور لا يشعر القارئ والمشاهد لها بالإشمئزار من رؤيتها، لأنه يشاركهم فلسفتهم الإلحادية أو بعبارة أدق غالبية قراء الصحيفة هم مواطنين عاديين تركوا إيمانهم بالمسيحية أو أى دين آخر، لذلك السخرية من الكتب المقدسة أو أنبيائها ورسلها وتصويرهم عراة يمارسون الجنس أو الأستهزاء بهم بأى شكل آخر، لا يثير داخلهم أية مشاعر ساخطة أو ناقمة عليهم بل تثير لديه مشاعر الضحك.

كان أسهل لحكومة فرنسا أن تستغل الهجوم على مبنى صحيفة شارلى ومقتل رساميها بأن تغلق الصحيفة، لينتهى مسلسل الرسوم الكاريكاتورية الفاضحة المسيئة للشخصيات السياسية والدينية سواء كانوا أحياء أو أموات، ومهما بلغت قداستهم وعظمتهم لكن المجتمع الفرنسى الذى قامت فيه ثورة التنوير يقدس الحرية التى أدخلته إلى عالم الإنسانية الرافضة لكل من يريد ان يأخذ حقوقه بالقتل وإرتكاب جرائم ضد الإنسانية حيث لا تحكمهم قوانين وشرائع إنسانية، أصبحنا نعيش فى مجتمعات أعداء للحرية ومجتمعات أخرى أعداء للقتل، وفى أجواء مثل هذه إلى متى سيستمر هذا الرفض القمعى فى أستخدام العقل لتحكيمه فى إيجاد حلول لمشاكلنا مع الآخر؟

عندما يقول رئيس الوزراء الفرنسى: إننا ضد الإرهاب ولسنا ضد الأديان، هذا القول لن يستطيع الشخص العربى إستيعابه لأنه نشأ على أن الملحدين والكفار والعلمانيين وغيرهم هم أعداء الله والمؤمنين به، لذلك لا يعرف المسلم العربى قضية العقل والحوار والتعامل بالقانون
لكن صحفيى شارلى قصدوا الأستفزاز والتحريض والإثارة والإساءة كلها وسائل تهدف إلى دفع القراء إلى الضحك على رسوماتهم، لكنهم أخطأوا العنوان لأنهم لو فكروا قليلاً لأكتشفوا أن التنظيمات الإسلامية الحربية أو الجمعيات الخيرية والثقافية الإسلامية كلها تحرض الشعوب الإسلامية ضد الكفار لأن سفك دمائهم حلال وقطع رؤوس المسلمين وغير المسلمين حلال،أى أنهم أعطوا لأنفسهم حرية القتل كما يشاءون وهو نفس المنطق الذى تفكر به شارلى أنهم أعطوا لأنفسهم حرية التعبير التى تساندها الدولة والمجتمع والقانون.

يشعر رسامو شارلى أن حريتهم هى حياتهم ولو فقدوها يشعرون بالشلل والموت الإنسانى لوجودهم الذى لا معنى له بدون حرية، وهو نفس منطق التنظيمات الإسلامية التى تريد دفع الإساءات والإهانات بالإسلام ورسولهم بالقتل والقتل فقط، وهذه هى مشكلة حرية الملحد فى التعبير عن آرائه وحرية المؤمن فى قتل من يهين رسوله، إذن نحن أمام محور واحد للشر يرتكز على سلاح الحرية الذى يستخدمه العلمانى الحداثى ضد من يعتبره أساطير تاريخية بشرية، ونفس الحرية يستخدمها الإسلامى لقتل وذبح من يتجرا على إهانة رموزه الدينية والفرق بين الأثنان هو أن العلمانى حريته شرعية قانونية، والإسلامى حريته غيبية من نصوص يقدسها هو فقط، أى أن العلمانى يستغل حقه فى حرية التعبير والنقد بأستعمال القلم بينما يستغل الإسلامى حقه فى قتل المختلف معه حتى يذهب إلى الجنة ويستمتع بنعيمها الأبدى.

فالحساسية الدينية نابعة من الأنظمة العربية الدكتاتورية التى تفرض التطرف والكراهية للآخرين لتكسب رضى المحكومين، وذلك بأستعمال تراث دينى سريع التأثير فى مشاعر كل مسلم وهو ما جعل الجماعات والتنظيمات الجهادية ناجحة فى أستقطاب أعداد كبيرة من المسلمين إلى صفوفها، من هنا لن يستطيع العلمانى أو إنسان العصر الحديث إقناع المسلم بأننا يجب السير قدماً إلى الأمام والوسيلة الوحيدة هى الحرية، وفى نفس الوقت لن يستطيع الإسلامى إقناع إنسان العصر الحديث بمقدساته الدينية، وهذا الصراع حسمه الإنسان الغربى بإلحاده أو بأعتقاداته الدينية التى لا يمكن له فرضها بالقوة على الآخرين أو التذرع بأى خطأ من الطرف الآخر حتى يبدأ حروب دموية أنتقامية ليقضى على الكفار أمثال شارلى.

هل من حق أفراد الأديان أن يقتلوا أصحاب الأقلام على كلماتهم المسيئة، وأن يتركوا قتلة النفوس البريئة تقتل وتقتل دون أن يكون هناك قانون أو دولة تتصدى لهم؟ أو أن يقتنعوا أن القتل ليس وسيلة الأقوياء فى عصرنا هذا؟

إن الرغبة فى إيجاد حل حقيقى ومنطقى واقعى يتلخص فى: أى حرية نريد؟ حرية تقتل وتسفك الدماء وتطار وترعب البشر بأسم الدين، أو حرية حقيقية يتمتع بها الجميع ويتساوى فيها جميع بنى البشر فى ظل قوانين مجتمعنا الإنسانى؟؟!!!