أنا شارلى سعودى

ميشيل نجيب
2015 / 1 / 10

من وجهة النظر العربية والإسلامية والعالمية كان الإعتداء على مقر مجلة شارلى إيبدو الساخرة عمل إجرامى، والحق يقال فالجميع يسارعون بالإدانة القوية ويحسنون صياغة بيانات الإدانة بصفات مختلفة، ومنهم من يعتبرها أعمال وحشية والبعض الآخر يعتبرها إجرامية أو غير إنسانية وضد الأديان ويرفضها الآلهة ويصفونها بالحادى عشر من سبتمبر الأوربى، وبالفعل هذا العمل كان كذلك كما وصفته بيانات وتصريحات الإدانة المختلفة امام عمل بربرى أختتمه أحد الجهاديين بإطلاق النار على شرطى كان فى طريقه للفرار، فأصابه برصاصة ولم يكتفى الجهادى بذلك بل أقترب أكثر منه رغم توسلات الشرطى المسلم الفرنسى، وأعتقد أنه وجه توسلاته للجهادى باللغة العربية وباللهجة الدارجة فى تونس وطلق الجهادى الرصاص على رأسه ليقتله ويقضى على حياة أخيه المسلم!!

هذه الكوميديا الدينية أو كما تسميها قناة إسلامية بالغزوة المباركة لن تتوقف ولن تحرك مشاعر بشرية داخل مرتكبيها ومن يقفون ورائهم، ستستمر هذه الكوميديا الدينية بأستمرار إجترار الماضى اللعين وتطبيقه من جديد بكل صفاته الجاهلية، وأعتقادهم بأن عمليات القتل بلا رحمة هى عقيدة ووصية إلهية تسمى غزوات جهادية مباركة، والجناة الحقيقيون الذين يعطون إشارات الغزو والقتل والسبى هم هؤلاء الذين يقولون عن أنفسهم أنهم يدافعون عن الإله الذى وصفهم بأنهم خير الناس الرحماء والمسالمين، إنهم من يحكمون الدول العربية ويأمرون رجال الدين وهيئاتهم الدينية الدعوية والخيرية، بالجهاد لإستعادة الخلافة ويستغلون تلك الرسوم الكاريكاتورية الساخرة من كل الأديان ليدفعوا بتلك العناصر الجهادية للثأر للرسول، إنهم شعوب تنسى أولادها مثل المدون السعودى رائف بدوى الذى كتب فى مدونته بعض العبارات ليعبر بها عن مشاعره وأحاسيسه فى لحظات قوة أو ضعف رائف نفسه يعرف أفكاره.

رائف بدوى المدون السعودى الذى بدلاً من أن يطيل لحيته ويذهب فى مجاهل الصحارى والجبال ليتدرب على التفجير وتصنيع القنابل والتصويب بالأسلحة الفتاكة، لم ترضى له نفسه الإنسانية القتل وسفك الدماء قرر أن يعبر عن رأيه بألفاظ قد لا تعجب البعض ولأنه لم يلتحف بندقيته وقاذفة صواريخه بل ألتحف قلمه وكلماته فهو إنسان تخجل منه السعودية ونظامها الملكى وهيئاتها ورجالها الدينيين، لذلك قرروا معاقبته بالسجن عشر سنوات والجلد ألف جلدة لأنه أهان الإسلام، وهنا العجب والمنطق المعكوس والدكتاتورية التى تمسك وتسلط سيف الدين على رقاب المفكرين بينما الدواعش والقاعديين يسفكون الدماء كما يحلو لهم فى غزواتهم المباركة وليس هناك إعتراض أو محكمة وقضاة يحاكمونهم على جرائمهم بل ولا يمكن لأى مسلم تكفيرهم، أما من يعبر عن رأيه من الشباب أو رجال الفكر والإبداع فالتكفير كان بأستمرار فى إنتظارهم والقتل نصيبهم، أين العقل والإنسان فى دواخلكم أيها المؤمنين!!!

ما الفرق بين قضية شارلى باريس وأسلوبهم فى السخرية وعقابهم بعد صدور الفتاوى التكفيرية ضدهم، وبين المدون السعودى رائف بدوى الذى سجنوه لأنه أزدرى وأهان الإسلام بكلماته؟ الأثنان واحد فالتهمة إزدراء الإسلام وإهانة الرسول والعقاب التكفير والقتل لشارلى إيبدو والسجن والجلد ألف جلدة ومن الرحمة المنزلة على قلوب قضاة الدين فى السعودية انهم قاموا بتوزيع الألف جلدة على أقساط مريحة خمسون جلدة فى كل مرة وتنفذ على مدار عشرين أسبوعاً، القتلة والمجرمين أو حسب تعبير الأزهر عمل إجرامى يعيشون طلقاء أحرار أما من مارس حرية الرأى وعبر عما يجيش به صدره فكان التكفير والقتل من نصيبه من فرج فودة إلى شارلى إيبدو الفرنسية.

العالم الآن فى ثورة غضب وتعم العالم الحر المظاهرات التى تتضامن ضد القتلة ليعلن الجميع: أنا شارلى.. أنا شارلى، لكن فى عالمنا الخاص الملئ بالثوابت التى لا يمكن التفكير فيها يتم تكفير وسجن وتطليق رجال الفكر وقتلهم بفتاوى رجال الدين الذين أعطوا لأنفسهم توكيلات تجارية بفتاوى القتل التى لم يسمح بها ولم يتكلم بها أى إله إليهم، لكنهم يعصرون الكلمات والتفاسير ليخرجوا منها بأن الآلهة تعتبرهم علماء لذلك من حقهم إصدار أحكام بالقتل على من لا يعجبهم ويخرج على تفاسيرهم الدينية.

من فى العرب يستطيع أن ينظم المظاهرات ليعلنوا تضامنهم مع المدون السعودى رائف بدوى أو غيره من الشباب والمفكرين والصحفيين الذين يريدون التعبير عن أفكارهم بحرية؟؟

من يستطيع أن يتظاهر فى الشوارع العربية ويرفع اللافتات ويكتب عليها: أنا رائف بدوى ..أنا شارلى؟؟؟