ليكن الانضمام للمحكمة الدولية خطوة باتجاه مسار سياسي جديد

محسن ابو رمضان
2015 / 1 / 5


ساهم موقف نيجيريا بالامتناع عن التصويت تجاه مشروع القرار المقدم من السلطة الفلسطينية والخاص بتحديد جدول زمني لانهاء الاحتلال ، بتجنب الفيتو الامريكي، الأمر الذي حمى الأخيرة من الاحراج مما سيساهم باستثمار ذلك من قبلها باتجاه الضغط على السلطة الفلسطينية للعودة لمسار المفاوضات تحت رعايتها ، هذا المسار الذي لم يحقق نتائج إلا لصالح الاحتلال ، عبر استخدامه غطاءً لتمرير الاستيطان وفرض الوقائع الجديدة على الأرض مما ساهم في تقويض ممكنات الدولة عبر تحويل أراضي عام 67 إلى معازل وبانتوستانات .
يكمن مضمون الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية بأبعاده الرامية إلى تغيير المسار، أي مسار الرهان على المفاوضات المباشرة بالرعاية الاحتكارية الأمريكية وبمعزل عن الأمم المتحدة ، الأمر الذي يستلزم العمل على تغيير استراتيجية العمل الوطني الفلسطيني بالاستناد إلى الاستنتاج بوصول مسار المفاوضات منذ توقيع اتفاق أوسلو إلى طريق مسدود.
كان من الهام الوصول إلى هذه النتيجة بصورة مبكرة وخاصة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في 4/5/1999 والتي اتضح من خلالها استحالة تحويل السلطة إلى دولة ذات سيادة ، وبأن الهدف من انشائها وفق التصور الاسرائيلي يكمن في إدارة شؤون السكان بأموال المانحين ، إلى جانب التنسيق الأمني ، والذي يفيد الاحتلال بصورة مباشرة ورئيسية ، الأمر الذي كان يفترض عبره الوصول إلى نتيجة تقود إلى تغيير المسار .
لقد تم استثمار الزمن لصالح اسرائيل وتم ادخال الفلسطينيين في وهم المفاوضات عبر العديد من المبادرات ومشاريع المقترحات والمؤتمرات مثل خارطة الطريق وواي ريفر وكامب ديفيد و انابولس، وتم دفع الفلسطينيين للتفكير بآليات شتت من البوصلة التي كان يجب أن تبقى شاخصة ضد الاحتلال ومن اجل الحرية وتقرير المصير ، وذلك عبر الانخراط في برامج ومشاريع الاصلاح مرة وعبر فكرة بناء المؤسسات لكي تتأهل لانشاء الدولة وعبر السلام الاقتصادي وغيرها من المشاريع التي جعلت مهمة اثبات الجدارة للفلسطينيين هي القاعدة وذلك بدلاً من مهمة الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 67 ، بما يشمل إزالة المستوطنات ووقف عمليات الاحتلال ذات الطابع العنصري والتطهيري ، والرامية إلى زج التجمعات السكانية الضخمة في اضيق مساحة ممكنة من الأراضي المحتلة ، كما أصبح المجتمع الدولي مهتماً بإثبات الفلسطينيين لقدراتهم بالإدارة الرشيدة بدلاً من الضغط على الاحتلال لانهاؤه على قاعدة حق تقرير المصير لشعبنا، علماً بأن أموال المانحين أصبحت تغطى على دور تلك الدول بإنهاء الاحتلال بحيث أصبح الأخير هو احتلال خمسة نجوم وأصبحت السلطة بلا سلطة حسب تصريحات العديد من الناطقين باسمها .
تكمن المأساة إذا ما تم التعامل مع مسألة الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية من قبل السلطة كورقة تكتيكية للعودة إلى مسار المفاوضات بالرعاية الأمريكية ، علماً بأن كل من الولايات المتحدة وإسرائيل قرروا اتخاذ خطوات " عقابية " تجاه السلطة أبرزها وقف تحويل المقاصة من قبل اسرائيل وهي حق من حقوق الشعب الفلسطيني حسب بروتوكول باريس الاقتصادي، كما اكدت الولايات المتحدة أنها ستوقف الدعم المالي للسلطة أيضاً، وذلك بهدف ثنى السلطة عن الاستمرار في هذا المسعى .
ستحاول كل من الولايات المتحدة واسرائيل الضغط على القائمين على المحكمة الدولية وستستخدم وسائل النفوذ السياسي باتجاه منع ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيلية وجرهم للعدالة الدولية وذلك بوسائل قانونية أيضاً .
لقد حدثت تغيرات قانونية بالعديد من بلدان أوروبا التي كانت دساتيرها وانظمتها الداخلية تسمح بملاحقة مجرمي حرب خارج قطاعها الجغرافي ، الأمر الذي ساهم " بحماية " العديد من المتهمين الاسرائيليين ، فقد حدث ذلك من كل من بلجيكا وبريطانيا وأسبانيا وذلك بضغوطات كل من اميركا واللوبي الصهيوني ، فهل ستنجح الولايات المتحدة التي يؤكد رئيسها أوباما باستمرار على التزام بلادة بحماية امن اسرائيل بتحجيم عمل محكمة الجنايات الدولية واجبارها بوسائل الابتزاز والاكراه السياسي على اجراء تعديلات في قوانينها بهدف " حماية مجرمي الحرب الإسرائيليين عن الملاحقة القضائية .
على اية حال فمن الهام اعتبار خطوة الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية أنها حلقة في سلسلة يجب ان تقود إلى تغير المسار ، بغض النظر عن المحاولات التي ستقوم بها كل من اميركا واسرائيل باتجاه ثنى المحكمة للقيام بوظائفها وواجباتها باتجاه الملاحقة ، على ان يعطى المجال لمنظمات حقوق الانسان المحلية والدولية بتفعيل ملفات الاتهام بحق القادة المتهمين ، علماً بأن هذه المحكمة تهتم بالافراد بصورة رئيسية إلى جانب اعتبارها كل من الاستيطان والحصار وجدار الفصل العنصري بمثابة جرائم حرب مستمرة ، حسب تعريف القانون الدولي .
إن تغيير المسار يقضي باعادة الاعتبار للوحدة والوطنية وليس فقط انهاء الانقسام والاتفاق على برنامج سياسي موحد يتمسك بالثوابت الوطنية والعمل على إحياء الاطار القيادي ل. م. ت.ف ،وإعادة تعريف السلطة لإدارة شؤون المواطنين وتعزيز صمودهم بحيث تصبح المنظمة مرجعيتها ، بالإضافة إلى تعزيز حملة المقاطعة BDS واستنهاض اوسع حملة للتضامن الشعبي الدولي وتصعيد المقاومة واستخدام الشكل الأمثل بها وذلك بالمكان والزمان ووفق الظروف بما يخدم تحقيق الهدف الوطني .
علينا ان نلتف جميعاً حول قرار السلطة بالانضمام إلى المحكمة الدولية وعدم السماح بالتراجع عنها وندفع باتجاه استكمال الخطوات الرامية لاعادة صياغة الحالة الوطنية والنظام السياسي على قاعدة تحررية كفاحية بما أننا ما زلنا نمر في مرحلة تحرر وطني وبعد ان اتضح جلياً طبيعة مخططات الاحتلال الذي يرفض لشعبنا حقه بالحرية وتقرير المصير والكرامة .

انتهى