مهزلة العدل والتكفير

ميشيل نجيب
2015 / 1 / 4

منذ بدأت التيارات التكفيرية المحبة لسفك الدماء لمجرد أنك قلت عبارة لا تعجبهم أو فيها رأى خارج عن الآداب العامة لديهم فى وصف رسولهم محمد رسول الإسلام، تحول الإيمان لدى العامة والخاصة إلى غوغائية تتفجر مشاعرها بالكراهية والعداء متناسين أن شرائع العدل والرحمة والأخلاق والأسوة الحسنة هى نصوص مكتوبة فى دينهم لكنها غير منطبعة فى قلوب وعقول المؤمنين بها، وإلا لكانت قد صنعت فيهم تغيير جذرى يتعلموا فيه التروى والتريث فى الحكم على إخوتهم الذين يخطئون التعبير عن آرائهم أو يخطئون طريق إيمانهم، إن الشاب الموريتانى فى كتابته لهذا المقال الذى أنتشر أخيراً فى الصحف الموريتانية وعلى الفيس بوك والحوار المتمدن، لا يحتاج لكل هذه الزوبعة الهوجاء بحجة الدفاع عن الرسول كما حدث من قبل مع الباحثين الذين قتلوا بفتاوى لأن البعض يعترض على جملة أو عبارة يعتبرونها إساءة، ونفس هؤلاء المؤمنين لم يعلو صوتهم ليطالبوا بالإعدام لمن يقتل يومياً مئات المسلمين تحت مسمى دولة الخلافة الإسلامية داعش!!

كنت أنتظر أن ينتفض المثقفين المصريين كافة ضد الذين رفعوا قضية ضد المفكرة والكاتبة المبدعة/ فاطمة ناعوت، ليس لإنقاذ أو دفاعاً عن أفكار وعقيدة المفكرة فاطمة ناعوت الإسلامية، لكن ليثور المثقفين إنقاذا لمكانة الثقافة والخطر الداهم الذى جعلها فى الحضيض نتيجة خوف المثقفين من الرصاصة التى قتلت فرج فودة، وهى الرصاصة التى تصيبهم بالعجز عن مواجهة التخلف والثقافات الظلامية التى يطلقها أصحاب التنظيمات الإسلامية، الآن هو وقت المثقفين فى مصر والعالم العربى لإثبات وجودهم وإعلاء صوتهم ضد الحكومات والأنظمة المتعاونة مع تيارات الإسلام السياسى والمهادنة لها، خيراً فعل الدكتور/ على مبروك أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة الذى وقع بياناً مع مجموعة من المثقفين المصريين تضامناً مع الكاتب الموريتاني "محمد الشيخ بن محمد ولد امخيطير" .
وأنقل البيان كما قرأته فى وسائل الإعلام وهذا نصه:
بيان تضامن
نحن الموقعون على هذا البيان نعلن تضامننا مع الكاتب الموريتاني "محمد الشيخ بن محمد ولد امخيطير" الذي صدر بحقه حكمٌ بالإعدام على ما قيل إنها ردته عن الإسلام. وقد استندت المحكمة الموقرة في إثباتها لتهمة الردة على ما ورد في مقال- نشرته له إحدى الصحف الموريتانية- يستدعي فيه أحداثًا معلومة ووقائع مذكورة في كتب السيرة النبوية عند كل المسلمين تقريبًا. ويبدو أن المحكمة الموقرة قد ارتآت أن في طريقة إيراده لهذه الوقائع والأحداث ما يؤدي إلى استنتاج ما يسيئ إلى صورة النبي الرحمة الكريم؛ محمدٍ عليه السلام، فأصدرت حكمها السالف، وقد جعلته حكمًا حديًّا، وليس حكمًا تعزيريًا؛ وبما يعنيه من أنه قد استقر في ضمير المحكمة بالجزم واليقين ثبوت ما يستوجب تطبيق الحد عليه، رغم أنه لم ينطق صراحة بما يدل على إقراره بالخروج من الإسلام، وهو المُعَوَّل عليه في الحدود بالذات.
وهنا فإنه يلزم تذكير المحكمة الموقرة بما استقر عليه الفقه في الإسلام من فتح الباب أمام كل ما يحول دون تطبيق الحدود؛ وبما يفسر الندرة البالغة في إيقاع العقوبات حدًَّا في الإسلام. ولقد ظل المسلمون وغيرهم يعتبرون هذا السلوك من المآثر الكبرى للفقه الإسلامي.
ولهذا فإننا، ومن باب التجاوب أولًا مع هذه المآثرة الفقهية العظمى، ومن باب الحرص على صورة الإسلام والمسلمين الموصومة في عالم اليوم بالدموية والعنف، نناشد السلطات الموريتانية بالعفو عن الكاتب. ولعلها تنتهز فرصة قرب احتفال المسلمين بمولد نبيهم الكريم، لتجعل منه مناسبة لتأكيد أنه نبي العفو والرحمة فعلاٍ. أنتهى نص البيان.

وأشكر الدكتور/ على مبروك وجميع الموقعين على هذا البيان لشجاعتهم وأن يكونوا فى المستقبل مثالاً يحتذى به فى الدفاع عن الثقافة والمثقفين.

وقبل أن أختم مقالى لى عتاب كبير على مؤسسة الأزهر التى تتيح للغوغاء أن يرتفع صوتهم على صوت الأزهر الذى رفض تكفير القاعدة وداعش، أليس بالأولى على رجال الأزهر رفض محاكمة شاب كتب بعض أفكاره والتى تحتاج إلى الحوار كما تنادون دائماً بالحوار مع الجماعات التى تسمونها إرهابية مثل داعش وغيرها؟
بأى شريعة أفتت ندوة علماء الأزهر بكفر فرج فودة وقول الشيخ محمد الغزالى: ربنا ياخدهم؟ وهى الفتاوى التى دفعت إلى قتله؟ وبأى شريعة تتركون محكمة موريتانية بإصدار حكم الإعدام على شاب كان الواجب عليكم قراءة مقاله لتقدموا رأيكم الدينى لإسكات غوغائية الجماعات الإسلامية التى تستغل التدين الشعبى؟
أين مكانة الأزهر من قضية المفكرة/ فاطمة ناعوت، ورأى الأزهر فيما يصدر من إتهامات وتحريض وتهييج ضدها؟ هل وسطية الأزهر ليس فيها عدل ورحمة وضميرها وكيف تعطى المسلمين الحق فى الجزم واليقين بأن هذا أو ذاك قد أرتد عن الإيمان الإسلامى وهو يردد بلسانه أنه مسلماً ولن يترك إسلامه؟
أين يا علماء الأزهر العدل والرحمة والتسامح وعدم تكفير مسلم؟
الآن بعد مؤتمر الأزهر لمكافحة الإرهاب ننتظر وجوداً أكثر من مؤسسة دينية إسلامية أن يكون لها دور إنسانى مؤثر، ولا تترك هؤلاء الذين تدفعهم الغوغائية إلى كيل الإتهامات لكل من يختلف معهم فى الرأى لكنهم يتركون القتلة يرتكبون جرائمهم دون حساب!!!
هل نعيش فى زمن مهازل التكفير وإختفاء العدل والرحمة من قلوب البشر؟