قراءة في الأثنى عشر كوكبا في -رسائل إلى آدم- عند آسيا علي موسي

محمد طلعت
2015 / 1 / 3

إن قراءة هذه النصوص"رسائل إلى آدم"، الصادرة عن دار ميم، للمبدعة الجزائرية "آسيا علي موسى"، ذات حساسية خاصة في تناول أبعادها التحليلية لما أنتجته دلالة منتجها النصي، وعليه فهي تحتاج إلى أكثر من منهج نقدي ومعرفي للتوغل فيها وفك شفراتها الإنسانية. وهذا لإيماني الخاص في وجودية النص الأدبي باعتباره ظاهرة إنسانية فريدة متميزة. وفي عمق متن هذا النص الإبداعي يتمركز النقد مستخدما شتى المعارف العرفية والوجدانية. وليس بالضرورة أن تتفق أو تختلف رؤية المبدع أو الناقد إنما من الضرورة أن يحتويهما فلك واحد أو مجرة واحدة أي يكون لهما سقف واحد ألا وهو رحابة الإنسانية فكل منهما يحاول أن يبدع –إبداع- سواء أكان النص إبداعيا أو نقديا. ثمة نصوص إبداعية قليلة وقلما عثر عليها من تلك النوعية التي تدور في رحابة الإنسانية محاولة تفكيكها وإعادة تشكيلها، وإيقاظ ضمائر خلائقها مثل هذا النص الذي بين أيدينا للمبدعة "آسيا" في نصها الممسوس بوجع الإنسان في رسائلها إلى آدم.

تنطلق "رسائل إلى آدم" من تأزم المرحلة المعاصرة من تيه الواقع الإنساني والمجتمعي المعنكب على كهوف النفس البشرية الخاوية التي بدورها تبحث عن الخلاص في مناجاتها المستمرة على استحياء؛ لتعلن عن عوزها الدائم للاحتماء، فتبث شفارات معقدة يصعب على من يمر بها حلها. ليس هذا لتعقيد النص بل هو نتاج لتعقيد الحس بهذه النفس المقبوعة في كهفها المطلسم بقبضة أديم أزلية لا انفكاك منها، فضلا على سعي هذه النفس إلى الاستسلام اللإرادي، وإن ظهر تمرد فهو بصيغة الدعوة للاحتضان كي تتشكل من جديد. باختصار هذه دعوة "آسيا" إلى عالم رغم قسوته وتيه بأن يفيق للروح المغتربة المقبوعة حزنا على أديمها الغر.

هذا الخلق أو التشكل الذي تعلنه النصوص في مفتتحها واصفة إياه بـ"آدمي الذي لم يستكمل خلقه بعد.."ص9، وعلى الرغم من عدم اكتمال الخلق، فهي تؤكد أنها بدونه باقية "فلقد بدأت أتعود على غيابك."ص9، بهذه الافتتاحية المسطورة بالرسالة الأولى تعلن عن أمرين متناقضين في العتاب الأقرب إلى اللوم ذات حنين للحبيب الذي لم يخلقه العشق إنسانا سويا بعد، لذلك فهي اعتادت غيابه. غيابا مبررا، فكم من حضور مزيف لمشاعر مزيفة يصر الإنسان على ابتداعها بهتانا بأنه حي، وهو نصَّاب يصطاد القلوب بإفكه عن العشق، فتضيع الإنسانية وتبهت معانيها. وفي هذا الضياع تحاول النصوص بحثا عن أمل ما في عودة الإنسان المشتهى (لنفسه) الذي لم يأت بعد.

على حدود هذا الأمل المتبلور في السعي للتوحد، تبدأ سطور الحكي عن واقعية النفس التعسة الملتصقة بعالم الفناء الأرضي بين "الجراء والجرذان" لدرجة التوحد والتقمص، فتقول:" نعم كنت جرذا أنا أيضا أنبش كيس قمامتي بجلدى... الجرذة التى كنتها بدت غاضبة وهي تقلب أشيائي وترمقني... كانت ترغب في قضم بقاياي المتعفنة" ص12-13، ما هذا التقمص الذي يشي بنوع من الاعتراف بعدم الاكتراث بأي بهجة في غياب المنتظر الذي تحولت معه الإنثى إلى مجرد مزبلة روح. ويوغل النص إلى أقصى درجات التعمق السحيق في الروح مؤكدا على التوحد بين الإنسان في شقه الأنثوى إلى طلل " كان رأسي بيتا تتناحره كائنات مني.." ص13، لكن الطلل هنا جاء بمفردة تثير الحميمية والدفء في استخدام كلمة"بيت" وعلى الرغم من صيغة البيت التي تنم عن العمار والامتلاك والجمال إلا أنه بيت تتناحر على ملكيته أجزاء الجسد والروح، مما يضع سؤالا حول من سينتزع ملكية البيت؟ فلا إجابة واضحة لافتراضية هذا الاستفهام. ثمة سرمدية في هذا التقمص والتوحد غير المرئي، فتذكره بذلك:" تذكر؟ أجل تذكر، فنحن خارج كل سياق كما كنت تقول لى ذات عمر جيولوجي لم يترك حفرياته دليلا للعابرين"ص13، إذن أمام هذا المجهول الغيبي الذي لم يترك أثرا يهدي النفوس من بعده، لم نسع إلا الانقياد خلف المجهول الذي يقودنا إلى مغارة على بابا والأربعين حرامي لنكتشف هوية الأنثى محترفة التحول والتقمص إلى" قطة ببؤبؤين ملتهبين"ص15، لتعلن في جذوة تحولها إلى رغبتها في التحول إلى جملة من "راقصات غضات بأقنعة آلهة بالي"ص15، وهذا كله لضمان وصول شوقها في الصعود والولوج من عتبات الرقص إلى روح الشوق المعتقة، لتعلن ما رأته في هذا الوصل الذي رأته"عاريا من كل أثواب الزمن والمسافات، منتصبا بقامة آلاف الأميال، ووزن قرون الانتظار"ص16، بهذا الوصل الحسي الذي يترجمه معنى الشوق كما تراه" أشواقنا يا آدم.... زخات ماء الروح على جذوة الجسد"ص16، لكنها تصدم على الواقع الجسدى الأنثوى الذي ذبل منذ انحناءة الضلع الأعوج المنسوب إلى صدر آدم، فتقول" لقد كان هناك جزء من جسدك، وهاهو يتوق إلى التوحد بك مرة أخرى بعد زمن القحط والذبول" ص16.

على الرغم من هذا الذبول يبقى أمل التوحد والتفرد فيه أملا يراود الحس الأنثوي في عالمه الإنساني ككل إلى الصورة المثلى في الحسن وحب الذات الناتج عن حب الآخر، فتقول:"عندما أحبك آدمي أتحول إلى نرجس، وأشعر أنني المرأة الوحيدة في العالم وأنني الأجمل" ص24. ويستمر السعي إلى تأصيل فكرة التحول إلى الأنقى لعل الناس تستفيق من غفلتها، فتقول:" .. من يدري؟ قد يحملني ساعة فجر، وينتشلني بقبضة ليحيلني رمادا ينثره على رؤوس العالم النائم على خرابه.."ص 25، تعويذة التحول للرماد أي العودة إلى أصل الأديمية التي تنقصه المادة الثانية لخلقه ألا وهي الماء. فهي هنا تعود لجذرها الأصلي تراب الذي إن انهال على العيون غطى الأبصار وهي هنا تحيلنا إلى الأسطورة المحمدية حين ألقى ترابا على رؤوس القوم المتربصين له شرا خارج بيته.. هذا التوحد يحيل أسطورة الرماد إلى أسطورة أخرى لتكتمل رمزية التوحد، فتقول:" من يدري؟ قد يزرعنى زهرة برية في تراب مدينتك..آدم! قد... أندس في قلب فاكهة تعشقها هناك وتبلعني قضمة قضمة."ص25. هذه الرغبة المكتملة في التوحد حد التلاشي في الآخر لهي مرتبة عليا من نبل الإنسان في شقه الأنثوي، ولعل المقابلة في الصورتين بين التحول للرماد والتحول للزهرة تعكس مدى الرغبة العامة الجامعة لصحوة الناس وعودة ضمائرهم للرحابة النقاء، والصورة الثانية تعكس مدى التلاشي الجميل والتفاني من أجل الخاص. الفردية التي تضم في لحظة ما الثنائية ليصبحا واحدا ليس هذا فحسب، بل تصير مطعما يصير بدوره مَعْلَما في بدن الجسد ومكملا له كعنصر غذائي إضافي ليصل إلى إحساس يعرج من البدن وإطعامه للروح ونشوته في التلذذ " قضمة قضمة"، إنه حالة من التوحد الفريد والمتفرد المتسامح الذي لا يهبه إلا من امتلك قلبا سليما وروحا زكية.

لكن هذه الهبة والعطاء، لماذا؟ تقول:" ريثما ينبثق الكون على استكمال خلقك" ص26، إذن نعود على بدء ما قالته الراوية في المشهد الافتتاحي""آدمي الذي لم يستكمل خلقه بعد.."ص9. فثمة وعي كامل بالحالة الشعورية من الساردة، وهذا الوعي يكمن في قلب الأنثى الساردة بل يكمن على المستوى الخارجي في قلب المرأة الواعي والأكثر نضجا على المستوى الداخلي بكل ما يرتبط بتفاصيل الجمال وأيقونات الكمال في الكون، فهي تعلم ثمة نقص في شقها الذكوري وهي تحاول كل المحاولات كي تستعيده جميلا كاملا كما كان في الأصل. اثنان في واحد. ومع ذلك العطاء تعلم في قرارة نفسها أنها سوف تفقده" كثيرا ما أتعمد تصور فقدك قبل استكمال خلقك" ص29، هذا لغريب، فطالما وقر في قاع الأنثى المبصرة المستكثرة على نفسها السعادة مسحة الحزن، وطالما كانت الدموع رفيق فرح عند الأنثى، فلماذا؟ فتقول مستفسرة متعجبة:" مازوخية بطبعى؟ لا أعلم!". الاستفهام هنا يجلي واقع الحزن القابع في صميم شغاف الأنثى الحقيقية ويتركه مفتوحا بلا إجابة.

تصعد نصوص "رسائل إلى أدم" إلى دلالة أخرى في توظيف الإرث الثقيل على كاهل الأنثى عبر الثقافات الإسلامية العربية، فتحاول آسيا بنصها الإبداعي هذا من خلال الساردة التي لم تكن عليمة بموقع آدم، ولم تكن ساردة محيطة بكل الأشياء حولها، لأن كل ما يشغل الساردة في النصوص هو البحث عن (لماذا وكيف).

أما عن (لماذا) كما أشارنا سابقا، تم صياغتها في تأويل التوحد ورغبته في الاكتمال مع الوعي بالواقع وبمحدودية الذات. أما عن كيف فهي تبحث عن الكيفية وتحاول ومازلت تحاول دمج روحين لتنبثق روح ثالثة من طهر الماء والتراب في عالم آخر مواز لعالم الواقع، لكنه طهر فردي ورغبة أحادية لترابية الأنثى الملتاعة للماء الدافق من عليين وكأنها "مريم" في الثقافة الإسلامية، لكنها تتحدى الأعراف وقوانين العشيرة وتهوى يوسف في صورة آدم. صورة النقاء الأول في أول اضطجاع تحت ظلال ضلع التكوين؛ لتتمرد على استسلامية "مريم" لتتشكل من جديد في تمرد امرأة العزيز التى تستوحي آسيا أسطورتها متسائلة " لماذا أقد قميصك/ اسمك/ وجودك.. من دبر؟" ص32.

إذن نحن أمام نصوص تقف بنا على دهشة البدايات الدافئة ومرارة النهايات التى تفتح طاقة يترسب منها ظل نور يتحدى خاتمته ليكون شعاعا يأخذ بيد النهاية؛ لتسجل في الرسالة الأخيرة أو في الكوكب الأخير الثاني عشر نهاية تلك الأنثى التى تصفها بمصلوبة آدم، لتجب عن كافة الأسئلة المطروحة والمتخيلة عن ماهية (لماذا) لتبعثر استفهامية (كيف) التي راوغتنا بها منذ البداية لتضعنا في مأزق الرد الموجع لماهية لـ(لماذا)، فهي في رسالتها الأخيرة تفصح الساردة عن لماذا، فتقول:" أحببتك بما يكفي لأكتب. كتبتك بما يكفي لأذكر. ذكرتك بما يكفي لأصبر. صبرت بما يكفي لأغفر. غفرت بما يكفي لأنتظر، انتظرتك بما يكفي لأحلم. حلمتك بما يكفي لأعيد خلقك كلما انتهيت مني لأحبك مليون مرة من جديد. لكنني.. عرفتك بما لا يكفي لأجيب على أسئلتي المتراكمة فوق تفاصيلك احتمالات لأجوبة تتشظى.. تنتحر على عتبة عمر من الرجاء. وآمنت بخلقك بما لا يكفي لتؤمن بي.. لتشهد أن لا امرأة تتقن الأنانية.. تحترف الخلق، القتل والبعث مثلي.. محكومة بعشق أزلي ومغفرة أزلية.." ص61. أمام هذه المشهد الدرامي الكاشف لنقطة الضوء المتبعثرة في أرجاء الكيان الأنثوي تختم الساردة رسائلها مكتفية بالكيفية والإيمان بها في الحكم النهائي بالعشق الأزلي والمغفرة الأزلية.


وهي بهذه النهاية تفتح لنا آفاقا ما تم تجهيله في منتصف درب النصوص حين تساءلت لماذا يلومنا الله على عشق مقدر من لديه؟ وهي بهذه اللوحة الاستفهامية تفتتح بها دربا جديدا في عوالم إنسانية ليست متخيلة فحسب إنما عوالم ما يجب أن تكون للإنسان الباحث عن ما يتوافق مع إنسانيته في غايات النبل والبدايات المسجلة والمفروضة علينا، وعلى هذه البدايات ورغبات التخلق والتشكيل والاستسلام والتمرد جاءت هذه النصوص التي تفتح آفاقا جديدة لأبواب التأويل ومدى قدرة المبدع على توظيف الإيمان بالأعراف والإلحاد به في إلقاء حجر السؤال" هل من الخطيئة أن تعشق إبداعات الخالق؟"ص32.


وعلى عتب عشق إبداعات الخالق، بات الكل مشغول بطينته وعجنها وتشكيلها لما يتوافق مع مكتسبات اللحظة الراهنة. وانطلاقا من هذه أتت أهمية هذا النصوص بأهمية المرحلة الزمانية والمكانية والروحية التي تعيشها وتعيش فيها كضمير أنثوي طال تنقيبه عن حريته المتمثلة في العودة (استجداء) آدم. العودة هنا لا تمثل بالضرورة الإحساس الأنثوي للذكورة بمفهومها الضيق، بل تمثل الرغبة في التوحد باستجداء أديم الأرض ليعود لطبيعته قبل التشكيل ليشكل روحا جديا بلا ألم بلا خطيئة بلا انفصال بلا طرد تأكيدا لطمس أسطورة الكذب في:" الليل مارق كاذب" ص75، لتؤكد مرة أخرى يقينية إيمانها في التناص القرآني "فبأي آلاء ربكما تكذبان" لتختم بها نصها"مدد" ص73، لتقف على عتبة الحكمة وتأويلها، فتقول:" الحكمة خط أحمر كما الدم.. صفعة لكل وجه فقد ملامحه في طريق البحث عن مرآة تهبه تفاصيل أجمل"ص74.


تعرج النصوص إلى منطقة أخرى أكثر نضارة وغرابة. فهي تحاكي لغة الحضور السرمدي الذى كان متحققا في زمن ما، ومكان ما من قبل. ثم تم الفصل ليحدث التيه وليطول البحث رغبة في عودة الوصل مرة أخرى. فهي تشير إلى دلالة ذلك في قولها" سأحكيك- طبعا- ما الذي حدث في اليوم الموالي في رسالة قادمة قديمة" ص 22. وبعبارة سردية أخرى تقول:" سأحكيك عنه في رسالة قادمة قديمة"ص40، وهي نفس التيمة التى تختم به أغلب الرسائل. لتدلف النصوص عتبة أخرى من الغرابة والحكي حول المرأة "الأربعينية" التي يجتمع عندها النصوص لتبدأ ولتنتهي"ما دام للماء ذاكرة، لا شيء منته حقا.."ص82، ليتحقق هذا النص المعنون" السراب الذي يزدريك" الحاكي والراصد لتلك"الأربعينية"، وهي وإن صدق حدسنا، فهى تمثل الساردة التي ابتليت بداء الحكمة رديف النبوة الموجعة بلا وحي سماوي سوى مناجاة نغم سرمدي يسري في الكون. يبوح عن وجع الإنسانية وعذاباتها. وهذا النص تحديدا يعتبر مدخلا هاما لفهم النصوص ككل للوقوف على إشكاليات الرسائل وفلسلفة عددها المحدد سلفا بـ"الأثنى عشر"، لتأتي بالنصف الآخر من العمل الإبداعي بجملة من نصوص معنونة خارج نطاق الفلك العددي للرسائل، بما يوحي برصد التفاصيل والحيوات والأحداث الواقعة على هامش هذه الفلك وبين كواكبه الاثنى عشر. وكان من الأنفع إن فُتح العمل الإبداعي بهذه التفاصيل والأحداث كتمهيد للعروج نحو دائرة الفلك.


تتعدد مستويات الخطاب بين الذات وبين الأشياء وبين الآخرين، لكنها جميعها جاءت محصورة في الخطاب التخيلي للكائنات قد لا تكون موجودة بالفعل حيث تتوحد الأسطورة بالواقع بداية من قصص التوحد بين الكائنات والأمكنه والأزمنة. إذ تعكس كل هذه القصص وتعدد مستويات خطابها وحوارها أيضا لتنحصر بين أنثى وأنثى. إن غواية آدم هنا ما هو إلا حديث مع النفس بحثا عن الذات في صورة توحدها الأزلي في "الإنسان" بغض النظر عن النوع.


اجترت المبدعة نوعا فنيا من التضمين السردي أو الاقتباسات السردية، وما أسميه أنا بـ" العيب السردي" إذ ضفرت بعض الأقوال الإبداعية لبعض المبدعين والأعمال الإبداعية المشهورة، وهي وإن وافقها النجاح في جودة الاختيار، أما التضمين لم يخدم فكرتها السردية الأم بالشكل المرجو. فهذا يعد من وجهة نظرى مفسدة للنص الأساسي ومضيعة للخيال القاريء الذي تشتت بحلمه ومخيلته وذكرياته وألمه وتوحد مع لوحة الإبداع السردي في عمل آسيا بهذا العيب السردي. وهذا يصيب بالفتور لأن هذه الإحالة تفصل القاريء عن عالم آسيا الخاص بها إلى عالم مبدع أخر.. فضلا على أن بعض هذه الجمل السردية للآخرين لم تفد النص الأصلي بل يمكن تجاوزها وحذفها، وإن حدث ذلك فلم يخل بالنص الأصلي فمثلا تقول آسيا:" يتطوع بين كفي النهار، أرقبه جذلى، يرقبني شماته."العقاب الجاهز الذي يفتش عن جريمة". كلانا يرقب الآخر ليسومه سوء العذاب، الإقصاء، التناسى." ص73، والعبارة الثقيلة بين علامتين التنصيص هي لـ"ميلان كونديرا". وإن كانت جملته عميقة لكن لم تفد شيئا للنص آسيا. حيث لو تم حذف الجملة لم يتغير أمر ولم يخل معني النص المقصود عند آسيا.


بقى معراج آخر بدا متعثرا حين ننظر إلى النصوص ككل، ففى الشق الثاني من النصوص تلحظ عنوانا جاء على استحياء شبه منفصل شكلا تحت مسمى"أزيح رداء الشمس"ص50،وهو يضم تحته باقة عناوين أخرى للنصوص تندرج تحت العنوان السابق، حيث بدا الأمر دخيلا، وأعتقد أن هذه ساقطة للمبدعة التي لم تعتن بأبنائها وترتيبهم فحُسن الأبناء لا ينجلي إلا باهتمام الأمهات لهم، وبغض النظر عن هذا الإغفال والإعراض من الأم آسيا بأبنائها فلا يسعني إلا أن أكون شفيقا بهم جميعم، وأعيد النظر والاعتبار لهم، فثمة عثرة أخرى هنا، وهي عثرة كل مبدع لا يعتني بترتيب دولابه الفني. أي أنها( أي آسيا) لم تدقق النظر جيدا في ترتيب نصوصها فيما له الأولية في الصدارة وفي المؤخرة. حيث قسمت كتابها إلى جزءين، الأول" أخيط للشمس عينا في القفا" ويحتوى على اثنتى عشرة رسالة موجهة لآدم مع عنونة كل رسالة باسم ووصف قد يعكس دلالة ما يولد معنى ما. والثاني:" أزيح رداء الشمس" ويحتوى على ستة نصوص. يبدو أن عنوان كل جزء قد يؤدي للثاني فمن حيث البداية وجب أولا خياطة عين للشمس في قفاها مما يؤدي إلى ضرورة انزياح رداء الشمس التى لا ترى. لكن واقع المنتوج النصي لهذه الصنيعة جاء مغايرا لتأويل عنونة الجزءين، فقد كان من المستحسن أن تأتي بالجزء الثاني في صدارة الكتاب وفقا للمحتوي النفسي وأثره العميق الذي يمهد تدريجيا لمحتوى الرسائل الاثنتي عشرة، فثمة حالة ذكريات وأنين وبحث وطلب مغفرة ومراسم للدفن ومتاهات الأنا والأنت وثالثهما وطن ثم يفضى الأمر برمته إلى سراب. ثمة إشكالية كبرى هنا في نصوص الجزء الثاني حيث هى الأخرى لم يتم الاعتناء بها، ومعاملتها معاملة وحدة واحدة كتلة عضوية مكملة لباقي الهيكل، بل تم التعامل في وضع هذه النصوص بشكل عشوائي أخل بنظم البناء النصي للهيكل ككل، فكان أحرى بالمبدعة أن تعتني بلعبة المكعبات لاستكمال وتجميل بنائها ككل بحيث تبدأ بالنص الأخير" السراب الذي يزدريك" ثم "أول مراسيم الدفن، سؤال" ثم "متاهة الـ" أنت" وطن"،ثم " مدد" ثم" وشاح" وأخيرا" غفرانك" أي كان يجب قلب الكتلة وعجن طينتها للاختيار موقع العين في مكانها الصحيح وهكذا الأنف.. الخ


لذلك، ووفقا لطبيعة العجينة الطينية في نص آسيا، فإن حالة انزياح الرداء هذه عن الشمس هي حالة ضرورة بأن تأتي في المقدمة وصدارة النصوص لتمهد كما أشارنا لطبيعة الرسائل، كرسول موضحا مفدى رسالته الأكبر.


وليس من شك في أن نصوص آسيا "رسائل إلى آدم" تمثل إضافة حقيقية إلى إنتاجها الإبداعي(القليل) وإلى الإنتاج الإبداعي عموما وبخاصة في ذلك الجنس الإبداعي المسمي بـ"نصوص" ذلك المنتج الإبداعي المميز الذي يضم كافة الاتجاهات الإبداعية في فنون الكتابة المختلفة.


ما أتت به آسيا - من وجهة نظرنا- يعد منتجا إبداعيا مفارقا على الرغم ما شابه من بعض المأْخَذ، لكنه ينم على أنها صاحبة تركيبية إبداعية خاصة وإن لها وسائلها المميزة في إنتاج المعنى وتوليد دلالته الإسطورية في دفقة شعورية فريدة كاشفة بها عن عثرات الروح البشرية في تكوينها الأنثوي. وهذا جعل من نصوص"رسائل إلى آدم" مساحة مغرية للتأمل والقراءة والتحليل.