العام الجديد والحضور الجاهلى

ميشيل نجيب
2015 / 1 / 1

الأحتفال بإنتهاء سنة من التقويم الميلادى وبداية سنة جديدة منه تشغل الملايين حول الكرة الأرضية، بإعداد الزينات والألعاب النارية والتفنن فى عروضها الجمالية وقد صاحب السنة الجديدة الميلادية قدوم سنة جديدة فى التقويم الصينى بإنتهاء سنة الحصان لتأتى سنة الخروف الجديدة وأحتفلوا بتسليم الحصان السنة الجديدة للخروف فى قاعات شعبية وسط البهجة والفرحة لشعوبهم، وأحتفل بقدوم السنة الجديدة كل البشر من غالبية الأديان والأجناس بأستثناء الذين يكفرون تلك الأحتفالات ومن يسيرون خلفهم بنار جهنم التى تنتظر كل من يساهم فى بيع أو شراء لوازم الزينة والعروض والهدايا أو يشاركهم الأحتفال، تلك النظرة السلبية المتطرفة فى الجمود تؤثر على نظرة هؤلاء وتفكيره ومعاملاتهم مع الآخر المتهم دائماً بفساد الأخلاق وشرب الخمر، وفى الواقع ليس هذا هو السبب المباشر فى رفض المشاركة لأنه يكفى أن تشارك من يحتفلون رؤية عروض الألعاب النارية وبهجة اللحظة السعيدة، دون أن تشرب الخمر أو تسلك سلوكيات خارجة على معتقدك الدينى لكن الحقيقة هى نظرة الأستعلاء على الآخر وأن الأخلاق نشأت ووصلت إلى الأرض من خلال توقيت زمن ظهور الدين الذى يؤمن به على الأرض.

العالم الإنسانى يحاول أن ينسى الصراعات والحروب الدموية والرعب الذى ترك آثاره وبصماته فى الكثير من المجتمعات، ذلك الموروث الدموى اللعين الذى أصاب البشرية بآفة من أكبر الآفات وهى إستغلال النصوص الدينية لرغبات الأفراد وتأويلها بما يخدم تطلعاتهم السياسية، والخلط الدينى بالدنيوى يصيب الشعوب كل يوم بحوادث فاجعة يتبرأ منها كل بشر يحترم ويقدس الحياة الإنسانية، إن إختطاف الأديان لصالح المشاريع الإستعمارية فردية كانت أم إقليمية هى أكبر جريمة ترتكب فى حق البشر فى ظل تغييب وصمت عمدى على أستمرار تلك الجرائم التى تنال من حق الأبرياء فى الحياة بقتلهم بطرق بشعة بأسم الأديان ونصوص الآلهة، لأن منظومة العقل والتفكير تسقط ويمنع أستخدامها أمام كلمات الآلهة الإفتراضية.

إن ظلال الرجعية الجاهلية قامت بأستدعائها أفراد وجماعات طوروا لأنفسهم أنظمة من السمع والطاعة وتكفير كا من هو خارج جماعاتهم ولا يعترف بها، أنظمة لا تعترف بحق الإنسان فى الحياة وحريته فى التفكير بالطريقة التى يخطط لنفسه الحياة بها، وفى مناسبة رأس السنة وهى أكبر مناسبة وأحتفال عالمى بجدارة يحتشد فيه المواطنين فى ساحات المدن والعواصم الكبرى ليستمتعوا معاً رؤية الألعاب النارية التى تعلن إنتهاء السنة وقدوم سنة جديدة، ومن الأشياء الفطرية أن لا نهنئ أخوتنا فى المجتمع قائلين: كل سنة داعشية وأنتم بخير وحصاد رؤوس يدخل البهجة إلى قلوبكم وصدوركم!! فالفطرة الإنسانية قائمة على نفعية الحياة للإنسان وما تدخله عليه من سعادة وبهجة وخير وصحة، لكن نقيض الفطرة أن تتمنى الموت وترفض الحياة وملذاتها وأعتبارها كفر بالآلهة.

الإستمتاع بالحياة لا يعنى السعى خلف الموت من خلال أفكار الكراهية والصراعات الطائفية والفتن المذهبية والدينية، بل يعنى العمل على خلق المناخ والبيئة المناسبة لإيجاد الطرق والأساليب التى تحقق أحلامنا بالحب والسعادة والعيش فى آمان مع الآخر، والإبتعاد عن مصادر العداوة ومسببات الصراع وعدم التدخل فى شئون الآخرين وكأننا وكلاء عن الدولة والقانون والآلهة نحلل دم هذا ونقتل ذاك وكأننا نعيش فى مجتمعات الجاهلية التى تحكمها العصبيات القبلية، وفى شرائعهم القليلة كانت كافية للتلك القبائل قليلة العدد لتقيم العدل وتنظيم حياة الأفراد، ولم يكن فى حياة هؤلاء ما نراه اليوم فى عصر المعقد جداً من تلفزيونات وراديوهات وفضائيات وسيارات تجوب الشوارع بدلاً من البعير والحمير وطائرات تجوب السماء ومشروبات عادية وغازية وكحولية وأطعمة لم يكن يحلم المرء بلأكلها وحلاوتها، وتكنولوجيا الأتصالات التلفونية والإفتراضية من أنترنت وكمبيوتر وعلوم ومعارف تعطينا القدرة على التواصل مع المركبات الفضائية وركابها والحديث معهم، بما يعنى الرؤية والتكلم مع أشخاص وصلوا بفضل الجهد البشرى إلى كواكب بعيدة يخدمون البشرية جمعاء بأبحاثهم وتجاربهم فى الفضاء.

هذه هى الحياة البشرية التى علينا النظر إلى الأمام لصناعة مستقبل إنسانى لا علاقة للأديان والجاهلية به، وفى الوقت نفسه من حق كل إنسان أن يعبد ويعتقد فى الأديان والآلهة كما يشاء، لكن على الجميع إحترام حقوق وحريات الآخرين فى التفكير والأختيار والتغيير وطريقة العيش الذى يرسمها لنفسه، علينا الأعتراف بأنه لا تربطنا بالجاهلية إلا تاريخها الذى نحترمه كتاريخ يمكن الأستفادة منه، لكننا لا يمكننا الرجوع إلى الوراء للتنقيب على أفكار تقودنا وتجبرنا على الصراعات والكراهية والفتن والحروب، أفكار تجبرنا على القتل وسفك الدماء.
علينا أن نعيش الحياة وما تقدمه لنا أيادى وأفكار العلماء من علوم وأختراعات وأجهزة تكنولوجية تيسر علينا متاعب الحياة، وتفيدنا فى التمتع بالحياة ومشاركة أخوتنا فى البشرية مظاهر فرحتهم وسعادتهم، وعلينا أن نتعلم أن سعادتنا تكون أكبر عندما نرى الآخرين من حولنا سعداء ونساعدهم ونشاركهم فى ترسيخ هذه المشاعر الإنسانية التى تدفعنا لتهنئة الآخر وتأكيد تمنياتنا له بأن: كل عام وهو بخير، حتى يشعر بأنك تكن له مشاعر الحب والسعادة.

وأنا بدورى أتقدم للقارئ العزيز بخالص التهنئة: كل عام وأنت بخير وبصحة جيدة.