-الدولة الاسلامية - والمملكة السعودية : القتل الانتقامي

ملهم الملائكة
2014 / 12 / 28

نجح تنظيم داعش من خلال بث مشاهد الفضائع في إشاعة الرعب في خصومه، وهذا يذكر بالفضائع الوهابية في الجزيرة العربية وجيرانها قبل 100 عام. وقد لا تكون هذه هي العامل المشترك الوحيد بين " الدولة الاسلامية" و المملكة السعودية.

كيف يشعر من يقع في قبضة داعش، ويعلم ان نهايته باتت القتل بالسيف صبيحة الغد؟
شعور هذا التعيس هو نفسه شعور أي سجين لدى المملكة العربية السعودية، يُدان بجريمة تستوجب القتل، فيبيت ليله يدعو الى الله أن يكون القصاص قتلا بالسيف، وليس صلبا. المشترك عند الجانبين هو القسوة.
في شريعة داعش، يُحاكم المتهم ميدانيا، ويحكم عليه شخص اتفق بضع عناصر من داعش على اعتباره ضليعا بالدين بما يكفي ليقضي بين الناس ( مع أن النص الشرعي يؤكد على شروط خاصة صعبة يجب توفرها فيمن يتصدى للقضاء بين الناس ومن ضمنها حصول اجماع على علمه وتقواه). ثم يُصدر هذا الشخص حكم الاعدام في جلسة واحدة لا يتجاوز طولها بضع دقائق - حيث تنص قوانين داعش على أن للقاضي ان يحكم في اثناء الجهاد في خلال جلسة واحدة على أي متهم، كما ينص قانونهم على أن من حصل اجماع على خروجه من الملة وكفره لا يقبل منه دفاع، ومن يدافع عنه يلقى نفس مصيره ( وهذا يعني أنّ فكرة محامي الدفاع ستضع أي محام بدوره تحت سيف الجلاد!)
وليس سرا أنّ المملكة العربية السعودية تطبق عقوبات الرجم وبتر الأطراف والجلد والاعدام بقطع الرأس، علاوة على عقوبة الصلب ( والتي يسمونها حد الحرابة). والمملكة تستند في هذا الى نصوص نقلها ابن تيمية واعمدة الوهابية نهاية القرن التاسع عشر.
وربما يجادل البعض أنّ تنظيم " الدولة الاسلامية" يُجري أحكام الشريعة الإسلامية حاله في ذلك حال المملكة العربية السعودية وبالتالي فإن الاعتراض على احكامهما هو اعتراض على أحكام الله التي نصّ عليها القرآن، وبما أننا لسنا في صدد مناقشة الامر من ناحيته الشرعية، فإن علينا قبل ان ننتقل الى جوهر موضوعنا ان نجيب أنّ الشرع المقصود هنا ، يجري تطبيقه بالفهم الوهابي للشرع، وهو فهم فريد من نوعه تفرّد به اتباع هذه الجماعة ، وساعد على رواجه ووطّد أركانه غنى المملكة العربية السعودية الذي سخّر لها أتباعا ووسائل اعلام ومنابر تذيع معتقداتها.
اعدام علني بقصد الترويع
على موقع الاسلام ( السعودي) ، يقرأ المتابع احكاما تتعلق بالقصاص حسب القراءة الوهابية للشريعة. وقد نشرت مجلة نيوزويك في عددها الصادر في( 14 تشرين أول/ اكتوبر 2014) مقالا شرح فيه الكاتب جانينيه دي جيوفاني، تفاصيل عمليات قطع الرؤوس في السجون السعودية . ويشرح الكاتب كيف يحتشد الناس لمشاهدة عملية قطع رأس المنكود الذي حكم عليه بالإعدام بهذه الطريقة المروعة، مشيرا الى أنّ الجماهير تحتشد لمشاهدة العملية باعتبارها مشهدا للتسلية الجماعية المحرّمة بكل اشكالها في المملكة باستثناء مباريات كرة القدم التي يقتصر جمهورها على الرجال فقط.
في المملكة يتوارث السياف مهنته الرهيبة أبا عن جد، فهو منصب فخري يشبه الى حد كبير الامارة الموروثة. وقد نشرت صحيفة عرب نيوز السعودية عام 2003 مقابلة مع أحد سيافي المملكة واسمه محمد سعد البيشي، وصف فيها مشاعر المساقين الى عملية الاعدام مؤكدا أن كل المحكومين تخور قواهم ولا يعود بإمكانهم حتى الوقوف على ارجلهم بانتظار مصيرهم التعيس. وحين يساقون الى ساحة القتل ( وفي الرياض تسمى ساحة الديرة وقد طليت ارضيتها بلون ارجواني) ، يُجرون جرا ، وتُسحل ارجلهم التي لا تقوى على حملهم خلفهم، وهناك وامام انظار الحشود يجري قطع أعناقهم.
ويعلن البيشي انه ينفذ بعمله صنع الله ، ورغم انه أحيانا يقطع أعناق7 اشخاص في اليوم الواحد، فإنه لا يرى عمله مروعا فضيعا. بل إنه يشير في لقائه الصحفي الى انه يزور اسر المحكوم عليهم بالقتل قبل ان يقطع رؤوس أحبتهم، ويطلب منهم أن يغفروا له ( حاللني وواهبني على حد تعبيره) .
ولي الأمر الوهابي هو من يعين القاضي والحاكم والسياف
ونشر مركز الجزيرة للدراسات في 11 أبريل 2013 دراسة كتبها هشام بن غالب جاء فيها:
" من أهم المفاهيم الرئيسية في الفكر السلفي الوهابي مفهوم طاعة ولي الأمر؛ ولهذا المفهوم دور مركزي في المحافظة على شرعية الحكم في الدولة السعودية. وحسب الإرث الوهابي، لا يجوز الخروج على ولي الأمر، وتحدي سلطته إلا إذا منع الصلاة في المساجد، أي بعد كفره وخروجه من الملة خروجًا بيّنًا. وهذا يعطي ولي الأمر مساحة غير محدودة للتصرف في إدارة الدولة كما يشاء، دون رقابة".
وهذا الفهم يعني أنّ القرار في المملكة بيد شخص واحد، ولا وجود لما تعارف عليه المجتمع المتحضر بتقسيم السلطات الى تشريعية وتنفيذية وقضائية. و لا يُنكر أنّ للمال والنفوذ السياسي السعودي اثرا كبيرا في الاعلام الدولي، بما يجعله يسكت ويغض الطرف عن كلما يجري في المملكة من أعمال هي في حقيقتها خروق فاضحة لحقوق الانسان ولما نصت عليه قوانين القرن العشرين الديمقراطية التي تحمي حقوق الاشخاص ازاء سلطات الدول.
اعدام وسط صرخات جمهور المشاهدين
وإذا عدنا الى وظيفة "سياف المملكة" في مقابلته مع صحيفة عرب نيوز السعودية، والذي يختصر وظيفة فصيل الاعدام في شخص واحد وسيف واحد، فإن البيشي الذي بدأ مهنته عام 1988 ، لا يقوم فقط بفصل الرؤوس عن الاجساد بل يقوم كذلك ببتر الاطراف ، اليد، أو القدم حسب الحكم الصادر بحق المتهم المدان في كل حال. وفيما الغت اغلب دول العالم عقوبة الاعدام، وفيما تسعى دول اخرى - ما زالت تنفذ العقوبة - الى التخفيف من اثرها بتنفيذها بحق المدان بعد حقنه بمخدر قوي، فإنّ العقوبة ما زالت تُنفذ في المملكة العربية السعودية علنا امام أعين المارة وضمنهم القاصرين وصغار السن في الساحات العامة.
لكن مقال مجلة نيوزويك أشار الى أنّ المملكة العربية السعودية باتت تعاني من نقص في الجلادين في السنوات الاخيرة، وهو ما اثار جدلا حول ضرورة انهاء عقوبة قطع الاعناق!
ونقلت نيوزويك عن بيان رسمي صدر عن لجنة مكونة من وزراء الداخلية والعدل والصحة في المملكة : " يبدو أن العدول عن عقوبة قطع الاعناق بات أمرا عمليا لاسيما في ضوء تناقص عدد السيافين، وتباطؤ وصولهم لميادين القتل في بعض الاحيان" . لكن من السابق لأوانه الحديث عن الغاء عقوبة القتل بقطع العنق في المملكة العربية السعودية.
ويكشف مقال نيوزويك تفاصيل مروعة تثير في النفس أسوأ مشاعر، ثم يخلص الى ما قاله سيفاج كشيشيان من منظمة العفو الدولية ( امنستي انترناشيونال ) : " تثير مشاهد قطع الرقاب حشود الجماهير التي اعتادت هذه المشاهد، ما يجعلها تطلق صرخات من يتابع لعبة مثيرة" .
الصلب بعد قطع الاعناق
في بعض الحالات يواجه من تقطع اعناقهم عقوبة الصلب (الحرابة) ايضا والتي تطبق على قطّاع الطرق والمهربين ومن يُتهمون بالإخلال بأمن وسلامة البلد( وهي تهمة توجه الى أغلب المعارضين السياسيين ايضا)، وهذا يعني تعليق جثثهم على اعمدة عالية وتعليق الرؤوس المقطوعة فوقها لمدة قد تصل الى 4 ايام ليكونوا ( عبرة لمن تسول له نفسه القيام بهذه الجريمة) على حد تعبير الامر/ الفرمان القاضي بتنفيذ العقوبة.
ويتساءل كاتب مقال نيوزويك في الختام عن سبب سكوت الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي عن عقوبات الاعدام والصلب العلنية القروسطية المروّعة التي تنفذ بشكل لمنظم في المملكة العربية السعودية على مدار العام.
مقال نيوزويك على الرابط
http://www.newsweek.com/2014/10/24/when-it-comes-beheadings-isis-has-nothing-over-saudi-arabia-277385.html

مقال مركز الجزيرة للدراسات على الرابط
http://studies.aljazeera.net/reports/2013/04/20134794152127903.htm