رواية -طشّاري-..حنين السرد الى وطن يضيع

عامر هشام الصفّار
2014 / 12 / 24

أصدرت الروائية والصحفية العراقية إنعام كجه جي والمقيمة في باريس روايتها الجديدة "طشّاري" وذلك عن دار الجديد في طبعتين كانت أولاهما في صيف عام 2013 وأما الطبعة الثانية فكانت في ربيع عام 2014. وقد جاءت الرواية على ما يقرب من 250 صفحة من القطع المتوسط ومهداة الى ماهي شمّاس (لا أعرف عن ماهيته/ها شيئا، وشّماس أسم يعود لجذور سريانية) لتكون رواية الشتات العراقي. وقد أستهلّتها المؤلفة الواثقة من حبكتها وبنائها بمقطع من قصيدة بدر السيّاب والتي يقول فيها: لو جئتِ في البلد الغريب اليَّ ما كَمُلَ اللقاء .
الملتقى بكِ والعراق على يديّ هو اللقاء
وتُسرَد الحكاية على لسان طبيبة عراقية مسيحية من مدينة الموصل، تخرجت من كلية طب جامعة بغداد لتواصل خدمتها الطبية لأبناء مدينة الديوانية بل قل لبناتها وسيداتها حيث كانت تعمل في مجال طب النسائية والتوليد. والروائية أنعام كجه جي صحفية في مهنتها التي عملت فيها لسنين طوال وما زالت، فما كان من قلمها وخيالها الاّ أن يتأثرا بواقع الصحافة والكتابة الصحفية من تحرير خبر أو كتابة تحقيق صحفي يستجوب أشخاصا ويبحث عن مستور مخفي.
وقد قسّمت الروايةُ فتطشرّت الى 40 فصلا تبادلت فيها الراوية العليمة القص خارج حدود الوطن هجرةً والبقاء داخله معاناة ما بعدها معاناة. فقد راحت فصول الرواية جميعها تتناقل الماضي والحاضر للطبيبة وعائلتها من والديها وزوجها وبنتها وولدها وما له علاقة بعلاقاتهم الأجتماعية التي تفرضها ظروف الحياة التي تختلف بين شخص وآخر. وهكذا تتاح الفرصة للكاتبة أن تستعرض زمنا يمتد على ما يقرب من 80 عاما هو عمر الشخصية الرئيسة الدكتورة وردية أسكندر في الرواية وعمر نشوء الدولة العراقية ذاتها. فكأن الوردية (الطبيبة) هي كناية عن وطن، فيصبح الحديث عن شتات وردية وعائلتها دلالة ومعادلا موضوعيا عن تشتت الوطن نفسه وأنقسامه على بعضه. ولعمري فأن أحداث السياسة المتسارعة على الأرض تظل سابقة على ما يكتبه الكتّاب والروائيون. فإذا كانت الشخصية الرئيسة في رواية طشّاري من الموصل الحدباء فأن هذه المدينة غيرها اليوم، وقس على ذلك مما تتناوله الرواية من أحداث بغدادية أو ديوانية (نسبة الى مدينتي بغداد والديوانية).
ولعل مما يلفت الأنتباه حقا هو أن الكاتبة وهي تقص للقاريء حكاية وردية مستخدمة ضمير الغائب في أكثر الفصول وعلى لسان راوٍ عليم أنما تركز على حياة شخصيات الرواية في الداخل العراقي رغم تواجد هذه الشخصيات في الخارج هجرة ولجوءا بعد سقوط بغداد وأحتلالها عام 2003. وهي بذلك لا تخرج الى المرحلة الثانية من مهمات السرد العراقي بخصوصيته والتي نتوقع أن تتناول حياة الأجيال العراقية المهاجرة الى دول العالم المختلفة. فقد فصلّت الرواية عن حياة وردية وعملها الطبي في مدينة جنوبية عراقية لها تقاليدها العشائرية التي تجعل لسيدة من المدينة مثل العلوية شذرة تأثيرها الذي لا ينازع فيه على مجريات الأمور دون أن نغفل ما يعتمل في الواقع السياسي والأجتماعي لتلك المدينة التي لا تختلف جذريا عن مدن العراق الأخرى. فلم يعرف العراق الاّ تعايشا سلميا بين أفراد المجتمع وفسيفسائه المعروفة والتي كانت مضرب الأمثال في التعايش والتفاهم والمودة.
وهكذا راحت كجه جي تستعرض حياة وردية العراقية بتفصيل فيه من الدقة العلمية مما يعطي الأنطباع بأنها قد بحثت في شؤون الطب والصحة عراقيا وعالميا. وهو الأمر الواضح بعد ان يستزيد قاريء الرواية سردا عن حياة هندة أبنة وردية وهي تكمل مسيرة دراساتها العليا في الطب بكندا حيث نظامها الأمتحاني الخاص وطبيعة العمل الطبي الخاصة.
مقبرة للعراقيين أفتراضية:
وكان لابد من ضربة صحفية في رواية كجه جي " طشّاري"، حيث يسعى أسكندر الأبن الذي له خبرته في الحاسوب الى تصميم مقبرة للأموات والأحياء العراقيين أفتراضية على الشبكة العنكبوتية حيث يخصّصها للحالات غير الأعتيادية، كناية عن ما تعرضت له الشخصية من معاناة وعذابات في الحياة حتى يضمن لها مكانا في مقبرته الأفتراضية هذه. وفي الفصول الأخيرة من الرواية سعت الراوية لأن تضمّن كل ما قد يمر بخاطر الأنسان العراقي من شواهد وطنية سواء كانت على الجانب الفني أو السياسي أو الأجتماعي العام العراقي كمعنى ودلالة على حنين الرواية للوطن الذي تطشرّت ناسه رافعة بذلك من المستوى العاطفي في لغة السرد التي تميزت بسهولتها وعذوبتها وشفافيتها وقربها من لغة الصحافة دون أسهاب ممل أو أطناب غير مرغوب فيه أو لا طائل من ورائه.
ففي أنزياحها اللغوي تذكر بلاد ألف ويلة وويلة بدلا عن ما هو معروف عن بغداد المدينة التي نصفها بأرض ألف ليلة وليلة. ثم أنها تشير في ص 240 الى النشطاء الألكترونيين العراقيين المذهلين كما تصفهم وهم يتجولون أفتراضيا في وطن تظهر صوره على شاشات الحاسوب لا غير. فتأتي النساء المحجبات والسافرات ولابسات العباءة، ويطلع على الشاشة المعمَّمون والرهبان والصوفيون وضاربو الدرباشة وباعة الشلغم والسميط وشربت الرمان والضباط المتقاعدين، حملة نياشين الحروب....ولعل في تساؤل الرواية في سطرها الأخير: أمَ يشبعون من الدم؟ المغزى، حيث السعي لكي تجعل من قارئها باحثا معها عن جواب أضنى الحكماء والعقلاء.
ان رواية "طشّاري" بتعدد فضاءاتها وتبئير سردها حول شخصياتها المحددة والمأزومة بشكل أو بآخر ، وبأشاراتها المتعددة الى مدلولات شعبية أجتماعية محببة لا تغفلها عين القاريء الفاحصة، أنما تعتبر أضافة نوعية مهمة للسرد الروائي العراقي في سنوات ما بعد 2003 والتي تتناول حقيقة التفتّت الأجتماعي الذي أصاب لحمة المجتمع العراقي من خلال هجرة أجبارية لخيرة أبناء وطن عانى ما عانى عبر حقب تاريخه السياسي المضطرب، دون أن تتشعب فتضيف أبعادا أخرى لحكاياتها بأن تذكر مثلا أغتيالات الأطباء في العراق وعمليات خطفهم والتي جرت وسجلت ضد مجهول. ولا أنسى إشارة الرواية هنا في ص249 الى أنه " يولد العراقيون فرادى ويموتون جماعات". وعودة لغلاف الرواية فقد كان التصميم قائما على صورة لطبيبة جرّاحة لا علاقة لها بالصفة الطشّارية للرواية، سوى الإشارة على الغلاف الداخلي من أن الصورة هي من أرشيف المؤلفة الشخصي، وكأنها تريد أن تقول أنها ستسرد ذاتها في رواية حصلت على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون ونجحت في الوصول الى القائمة الصغيرة الأخيرة لجائزة الرواية العربية أو البوكر لعام 2014. وعندي أن عتبة الرواية في عنوانها الدال عليها قد أعطتها صفة غامضة أضطرتها لتفصيل المعنى في متن السرد، رغم أستخدامها لأسم مشتق من فعل له جذوره في اللغة العامية العراقية.
ان المسؤولية التاريخية للأدباء والمثقفين العراقيين انما تلقي على كاهلهم مهمة سبر أغوار واقع مريض لا يعبر عن حقيقة الوطن وصولا لرسم ملامح مستقبل أفضل ولو عن طريق الرواية التي تمزج واقعها بالخيال.