الاوضاع الانسانية في قطاع غزة ومدى الاستجابة لها

محسن ابو رمضان
2014 / 12 / 18


يعاني قطاع غزة من ظروف انسانية صعبة، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن حصار مديد مستمر منذ أكثر من سبعة سنوات مصحوباً بثلاثة عمليات عسكرية عدوانية واسعة عليه في الاعوام 2008 - 2009، 2012، 2014 .
لعله من المفيد التركيز على أن تدهور الأوضاع الانسانية ناتج أساساً عن الاحتلال والعدوان والحصار وناتج عن ظروف الانقسام أيضاً وتداعياته على الحالة الاقتصادية والاجتماعية.
تشير الاحصائيات خاصة بعد العدوان الاخير الذي استمر 51 يوماً إلى مستوى هذا التدهور من خلال الاشارة إلى التالي :-
- نسبة الفقر تصل إلى 70% والفقر الشديد 35% .
- نسبة البطالة تصل إلى 55 % من حجم القوى العاملة .
- نسبة انعدام الأمن الغذائي تصل إلى 67% .
- يعتمد نسبة 75% من المواطنين على المساعدات الاغاثية والانسانية المقدمة من الأونروا وغيرها من وكالات الاغاثة الدولية والمحلية .
إن المؤشرات الاقتصادية هي نتاجاً لحالة التراجع في القطاعات الانتاجية وخاصة قطاعي الزراعة والصناعة، وتوقف مشاريع البنية التحتية والمنشآت والمباني عن العمل جراء عدم ادخال مواد البناء، وكذلك المواد الخام اللازمة لعمليات الانتاج .
كان يعمل بالقطاع الزراعي حوالي 80 الف مواطن يعتمدوا على الزراعة في عملهم الاساسي والآن النسبة لا تتجاوز ال 40 ألف مواطن ، علماً بأن مساهمة الزراعة بالناتج المحلي الاجمالي لم تصل أكثر من 5% على أحسن الاحوال خاصة إذا أدركنا حجم الدمار الذي الحقه العدوان الأخير والذي قدر بمبلغ 500 مليون-$- 300 مليون خسائر مباشرة و200 مليون خسائر غير مباشرة ، كل ذلك في اطار استمرارية الحصار ومنع عمليات التصدير إلا بصورة موسمية ، للاستخدام الاعلامي وبما يخدم مصالح شركة التصدير الاسرائيلية .
تراجعت أيضاً مساهمة الصناعة بالناتج المحلي الاجمالي بحيث أصبحت لا تصل في أحسن التقديرات إلى 10% بعد ما كانت تصل إلى 15% ، حيث تم تدمير العديد من المصانع والورش، إضافة إلى منع ادخال المواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع التي تعمل بطاقة انتاجية محدودة بسبب انقطاع التيار الكهربائي، علماً بأن عدد العاملين في هذا المجال قد تراجع من 50 الف إلى أقل من 20 ألف خاصة بعد العدوان الأخير الذي أدى إلى تدمير أكثر من 450 مصنع وورشة .
ويذكر أن قطاع البناء والانشاءات كان قد توقف هو الآخر باستثناء فترة ازدهار تجارة الانفاق ما بين 2010 – منتصف عام 2013 ،مصحوباً بتنفيذ بعض المشاريع الممولة من البلدان العربية والخاصة بانشاء بعض المدارس والعيادات وكذلك بعض الابراج السكنية ، إلى جانب المنحة القطرية بمبلغ 450 مليون -$- والخاصة باعادة تعبيد الشوارع الرئيسية في قطاع غزة .

العدوان الأخير والكارثة الانسانية :-
لقد اعلن الرئيس محمود عباس قطاع غزة في منتصف العدوان كمنطقة " كارثة انسانية " وذلك بناءً على طلب منظمات المجتمع المدني ، وذلك بسبب حجم الدمار الهائل الذي أحدثته آلة العدوان الاسرائيلية البربرية من حيث استشهاد أكثر من 2200 شهيد وجرح أكثر من 12 ألف جريح اضافة إلى تدمير البنية التحتية والشوارع والطرقات والمنتزهات وبعض الابراج السكنية ، والمنازل ، وآبار المياه ، ومحطة الكهرباء الوحيدة ودور العبادة ، وحوالي 90 ألف منزل منهم 20 ألف بصورة كاملة والباقي بصورة جزئية الأمر الذي ادى إلى تشريد أكثر من 450 الف مواطن خارج منازلهم وأحيائهم خاصة القاطنين على الحدود الشرقية والشمالية من قطاع غزة " الشجاعية ، خزاعة ، بيت حانون ، بيت لاهيا " والذين تم استيعاب نسبة كبيرة منهم في مدارس الإيواء والتابعة للأونروا والقسم الآخر بين أقاربهم وذويهم .
إن إعلان قطاع غزة منطقة منكوبة أو كارثة انسانية كان يستوجب التحرك على محورين :-
أ‌. المجتمع الدولي من خلال توفير ممرات انسانية آمنة ، ومستشفيات متحركة مصحوبة بأطقم طبية لاخلاء الجرحى ، ومعالجتهم إلى جانب إعلان مناطق أو أماكن ومؤسسات ومبان بوصفهم مناطق محمية بفعل القانون الدولي .
ب‌. قيام السلطة الفلسطينية باجراءات من شأنها أن تضع قطاع غزة على سلم الأولويات وبهدف تخفيف الاعباء عن المواطنين مثل ألغاء الضرائب وتقليص فواتير الكهرباء والماء وتوجيه التمويل الدولي لتنفيذ مشاريع الاغاثة والايواء إلى المتضررين بصورة مباشرة.
لم نلمس أن أياً من هذين المحورين قد تم تنفيذه ، وقد ترك قطاع غزة بالمتضررين والمنكوبين إلى مصيرهم الذاتي ، الأمر الذي ابقى درجة الاستجابة محدودة وقاصرة .




المنظمات الأهلية ودرجة الاستجابة :-
رغم انتشار العديد من المؤسسات الدولية غير الحكومية وتلك التابعة للأمم المتحدة إلا أن الاستجابة الأوضح كانت من منظمات العمل الاهلي ذات التاريخ العريق والطويل والتي انبثقت من فكرة العمل التطوعي ، وقد مارسته بابداع وبسالة وبروح من التضحية والايثار أثناء العدوان في ظروف صعبة واستثنائية ومعقدة واثناء القصف البربري الاسرائيلي والذي كان لا يميز ويضع الجميع في دائرة الاستهداف .
فقد انتشرت الفرق التطوعية ، وتم وبصورة دينامية ومبادرة استئجار المخازن لاستقبال المواد من الضفة الغربية التي انبرت ايضاً وعبر مؤسسات العمل الأهلي بالحصول على العديد من المواد الاغاثية وارسالها إلى قطاع غزة .
لقد أثبتت التجربة استمرار تمسك القائمين على العمل الأهلي بفكرة العمل الطوعي وبقيم التضامن والتكافل الاجتماعي وبأن المنظمات تستطيع التكيف والانتقال ببرامجها من الطابع التنموي إلى الطابع الاغاثي والإنساني في ظروف الكوارث الناتجة عن الاحتلال والعدوان .
ورغم القدرة على التكيف التي تحلت بها المنظمات الاهلية إلا أنها بحاجة إلى مراجعة التجربة والعمل على صياغة خطة طوارئ تكون جاهزة عند حدوث الأزمة أو الكارثة سواءً كانت ناتجة عن الاحتلال والعدوان أو نتيجة لمسببات طبيعية ، كما من الهام أن يتم صياغة هذه الخطط على اسس قطاعية لكي يتم تضافر جهود المنظمات الأهلية العاملة بنفس القطاع لكي يتم تعظيم الاثر ومنع الازدواجية وخلق التكامل لايصال المعونة لأكبر عدد ممكن من المتضررين.
لقد كان لا بد من تحرك المنظمات الأهلية بالسرعة والدينامية المعهودة ليس فقط نتيجة تبني تلك القيم لدى العاملين في هذه المنظمات ولكن بسبب اخفاق حكومة الوفاق عن أداء واجباتها ، حيث لم تشمل لجنة الطوارئ التي تشكلت بالضفة الغربية عبر وزارة الشؤون الاجتماعية اياً من المنظمات الأهلية العاملة بالقطاع ، علماً بأن حضور هذه اللجنة لتمارس اعمالها في غزة كان مطلباً دائماً من مطالب منظمات العمل الاهلي .
استطاعت المنظمات الأهلية تذليل بعض العقبات التي اعترضت عملها والناتجة عن استمرار حالة الانقسام رغم تشكيل حكومة الوفاق ، حيث قامت وزارة الشؤون الاجتماعية بمحاولة السيطرة على العديد من الشاحنات التي أتت عبر معبر كرم ابو سالم لصالح بعض المنظمات الاهلية ضمن مبرر منع الازدواجية وضمان ايصال المعونة للجميع، ولكن تدخل شبكة المنظمات الأهلية عبر الحوار مع وكيل الوزارة والطاقم الإداري ،استطاع تجاوز هذه العقبة وعبر الاتفاق على آلية تضمن ايصال الشاحنات والمساعدات للجمعيات المعنية التي تقوم وعبر التنسيق مع الوزارة بالتوزيع وفق معاييرها وبالاسترشاد بقاعدة البيانات لدى الوزارة .
وإذا كان هناك قصور في عمل حكومة الوفاق وكذلك بعض الصعوبات التي نتجت من وزارات غزة فإن المنظمات الدولية غير الحكومية ايضاً عانت من الارباك باستثناء تلك التي لها علاقات من الشراكة مع منظمات العمل الأهلي والتي لديها خبرة بالنشاط الاغاثي وآليات التدخل الطارئ عند حدوث الكوارث .
أما المنظمات التابعة للأمم المتحدة فلعبت دوراً مهماً عبر تحديد الاحتياجات الخاصة بال Clusters ، "العنقوديات " والتي كانت تجتمع يومياً لتقدير الخسائر وبحث سبل التدخل إلا أن حجم الكارثة كان أكبر من تلك الاجتماعات باستثناء الاونروا التي كان لها دوراً فعالاً أثناء العدوان عبر ايواء المشردين وتقديم لهم المساعدات الاغاثية السريعة .
باستثناءات قليلة فقد تركز خطاب المنظمات الدولية على تداعيات الكارثة أي على الحالة الانسانية مثل التركيز على الصدمات التي ألمت بالأطفال أو حجم الخسائر بالمنازل ، والمؤسسات ، أو انعدام الأمن الغذائي ،أو التحديات الخاصة بالمياه والصحة والحماية ... ألخ، إلا أن هذه الخطابات والتصريحات لم تشر إلى اسباب الكارثة الناتجة عن عدوان شرس مارست به اسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وخلقت بموجبها تداعيات انسانية حادة .
كانت هناك بعض التصريحات من مفوض عام الأونروا الذي أكد على ضرورة عدم اعادة غزة إلى مربع الحصار القديم وضرورة توفير ضمانات لانهاؤه وعدم قيام اسرائيل بتدمير ما سيتم اعماره بعد انتهاء العدوان ، إلا أن هذه التصريحات لم تتكرر ولم تنسحب ايضاً على القائمين على المؤسسات الدولية والتابعة للأمم المتحدة .
لقد كان خطابنا بالمجتمع المدني للمؤسسات الدولية يكمن في أهمية وضرورة التركيز على تدهور الاوضاع الانسانية التي تكمن بالعدوان والحصار عبر اتباع آليات من الضغط والتأثير وليس التركيز على الأوضاع الانسانية بصورة مجردة فقط .

آليات التدخل الانساني :-
قامت منظمات الأمم المتحدة ببلورة آليات العنقوديات أو القطاعات " Clusters "، وذلك بعد عدوان 2008 -2009 ، وترأست واحدة من المنظمات حسب التخصص احدى هذه القطاعات والتي يشارك باجتماعاتها كل من المؤسسات الدولية غير الحكومية العاملة بالقطاع المعين وكذلك بعض المنظمات الأهلية والقطاعات مثل " الحماية ، المياه، البيئة ، الزراعة ،سبل العيش ، الصحة ، الأمن الغذائي ...إلخ".
إن ترأس المنظمات التابعة للأمم المتحدة لهذه القطاعات وبمشاركة رمزية من المنظمات الأهلية يعنى تحديد الأجندة منها وبالغالب فهي أجندة إغاثية من أجل الوصول إلى مرحلة الانعاش المبكر وبعد ذلك الانخراط بالعملية الاعمارية والتنموية .
تكرر المشهد الآن بالنسبة لهذه الآلية التي لم تخرج عن دائرة الانعاش المبكر حتى الآن ، الأمر الذي يعكس إرادة المجتمع الدولي بالإبقاء على قطاع غزة كحالة إغاثية إنسانية تعتمد على المساعدات التي تقدمها بعض المنظمات الدولية، دون أن تتمكن بسبب استمرار الحصار من الانتقال إلى دائرة الاعمار والتنمية ، علماً بأن مرحلة الانعاش المبكر دائماً ما تكون مؤقتة وانتقالية و لفترة زمنية قصيرة لا تتجاوز اشهر محددة فقط.
لقد بات مطلوباً ممارسة مزيداً من الضغط والتأثير على القائمين على آلية القطاعات " العنقوديات" لكي يتم الاستجابة إلى أولويات واحتياجات ومطالب المنظمات الأهلية، والتي هي يجب أن تحدد أجندتها وفق احتياجاتها وأولوياتها الوطنية والتنموية.
كما بات مطلوباً إجراء مزيد من المشاورات مع تجمع المؤسسات الدولية غير الحكومية "Aida "، لتحديد آليات من الشراكة بعيداً عن التجاوز والتهميش وسياسة الاحلال والاستبدال ، وذلك بهدف تمكين وتقوية منظمات المجتمع المدني بدلاً من اقصائها واضعافها .
لقد لمست عملية الاقصاء في عدم اشراك منظمات العمل الأهلي في خطة الاعمار المقدمة من وزارة الاقتصاد إلى مؤتمر المانحين الذي عقد بالقاهرة في 12/10/2014 ، ولمسنا ذلك أيضاً من خلال آلية العنقوديات وكذلك من المؤسسات الدولية غير الحكومية .
إن اضعاف المجتمع المدني يعنى اضعاف شبكة الأمان والحماية التي تقدمها المنظمات الأهلية سواءً أثناء العدوان والكوارث أو بعد ذلك بهدف تمكين وتقوية الفئات الاجتماعية لتعزيز صمودها " Resilience ".
في هذا الشهر توجد العديد من المناسبات التي يجب ان تستمر المنظمات الأهلية بالسير على هديها والاسترشاد بمبادئها ومنها يوم العمل الطوعي بالعالم والموافق 4/12 من كل عام ، وكذلك يوم التضامن الانساني الموافق 20/12 من كل عام .
الأمر الذي يستلزم الاستفادة من هذه الاعلانات العالمية لبلورة مزيد من الآليات الابداعية التي تضمن توفير شبكة الامان والحماية للمتضررين وتمكينهم وتقويتهم لاحقاً بهدف انخراطهم بالعملية التنموية .
رغم العديد من الاعلانات والمواثيق إلا أننا لم نلمس أن هناك مسؤولية جادة من قبل المنظمات الدولية تجاه قطاع غزة سواءً فيما يتعلق بالحالة الانسانية أو الاعمارية وليس أدل على ذلك من بطئ الاستجابة وآلية الرقابة على عملية البناء ، الأمر الذي يفترض زيادة المطالب الرامية لتدخل المنظمات الدولية وبالشراكة مع المؤسسات الأهلية للتدخل الفوري للقيام بواجباتها الانسانية المناطة بها على طريق انهاء مسببات الأزمة والذي يكمن باستمرار الاحتلال والعدوان والحصار .