النُّبُوءَة الأدبية لفشلنا الثوري

محمد طلعت
2014 / 12 / 11

لا أحد ينكر أن للأدب رؤية ثورية يراهن عليها الأديب في أعماله، ويترك بذورها في رحم الحراك المجتمعي لتنبت على مهل، وإلى أن تنبت ترسم لها هذه الرؤية جملة من العوائق وطرق حلها برمزية تفك شفرتها بمدى وعي الأجيال التي تلقت هذه الرؤية وفجرتها حقيقة ثورية على أرض الواقع..

تتضح هذه الرؤية بشكل جلي في "الثلاثية" عند كاتبنا العظيم "نجيب محفوظ"، و"الأجيال الثلاثة" للكاتب الكبير"يوم سانغ سوب" حكيم الرواية الكورية. يتمتع الكاتبين بأهمية كبرى في تاريخ الأدبين العربي والكوري لما لهما من رؤية ثاقبة لمصير مجتمعهما، وقد تحققت نبوءتهما للحراك الثوري لشعوبهما، فعلى الصعيد الكوري قد تحققت رؤية "سانغ سوب" بتقدم بلاده بعد نشر روايته"الأجيال الثلاثة" في عام 1931م، وقد تحققت أيضا نبوءة محفوظ بابقاء الحال كما هو عليه بعد نشر روايته "الثلاثية" في منتصف الخمسينات، وذلك من خلال رسم الكاتبين الشخصية النضالية انطلاقا من معادلة التقدم والتأخر.

تحاول هذه المقالة الأدبية رصد هذه الرؤية كمقاربة نقدية مقارنة بين المجتمع المصري والكوري خلال حراكهم الثوري لتبيان أيهما تحقق وأيهما تعثر، وذلك من خلال رؤية النص الروائي عند الأديبين ورسائلهما المشفرة لاستنهاض أمتهما كلا حسب ظروف وواقع مجتمعه، فمن المعروف أن الزمن الذي تتحدث عنها الروايتن (وهو للمصادفة نفس التوقيت للزمن الفعلي للأحداث، و تشابه نفس المساحة الزمنية للنص أيضا) يموج بالصراعات الأيديولوجية والتغييرات السياسية والواقع السياسي للبلدين الواقعين تحت الاحتلال الياباني (كوريا) والانجليزي (مصر). فكيف صاغ الأديبين رسالتهما الثورية ونقدهما الاجتماعي ونبوءتهما للتحرر والتقدم وسط هذا التخبط؟

بداية يجب الإشارة إلى ثمة جملة من التشابهات الإجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتنويرية بين المجتمع الكوري والمصري، فعلى مستوى الواقع الفعلي أبان النصف الأول من القرن الماضي فثمة حراك ثوري مقاوم للعادات والتقاليد والصراع بين الماضي والحداثة فضلا على مقاومة المحتل كل هذا بهدف التحرر والاستقلال،لذا لم يكن مصادفة عبثية من هبة الشعبين الثورية بنفس التوقيب الزمني؛ فحركة الأول من مارس (صباح يوم السبت 8 مارس 1919) في المشهد الكوري ، وثورة 1919م (صباح يوم الأحد 9 مارس 1919) في المشهد المصري. ليس هذا فحسب بل تعدى التشابهة أيضا إلى الجنس الأدبي في النوع الروائي وتحديدا رواية الأجيال كقالب فني متشابه في أجيالة الثلاثة، بالأضافة إلى الاشتراك في العديد من التيمات الشعبية في اتباع المرأة لزوجها وعالم المحظيات والعوالم والعربدة، الخ. وتشابهت الروايتين في تسجيل ورصد كافة المتناقضات داخل الشخصية والمجتمع تحت وطأة المحتل، واشتركت أيضا في تبني الحلم التحرري من خلال النقد الثوري للعمل النضالي المتباين بين المجتمعين من خلال رصد تصرفات وانفعالات، ومثالية ونفعية الشخصية النضالية، وجاء نقد الأديبين لهذا الشخصية من خلال نبؤءة كلا منهما لتحقيق معادلة التقدم والتأخر.

بُنيت هذه المعادلة على أساس الجوانب الاقتصادية وممارسة الديمقراطية وانعكاس هذا على طبيعة فهم كلا الشعبين( الكوري/ المصري) لمعاني ممارسة الحرية السياسية والشخصية. ويتضح ذلك أكثر في تناول النص لفكر وسمات الهوية القومية ومفهمومها بين الأجيال. ومن خلال جزئيات الشخصية النضالية وما دار حولها من شخصيات لها أهواء ومشارب توضح لنا جوهر هذه المعادلة التى تتجسد في أزمة الشخصية النضالية، وهي على مستويات متباينة، وبناء عليه فقد تم استنتاج الجوهر الرئيسي لهذه المعادلة، وهو يكمن في صيغة الاختلاف والخلاف: "مختلفة (الشخصية النضالية الكورية) / خلافية (الشخصية النضالية المصرية".

انعكس صدى هذا الاختلاف والخلاف على ديناميكية الشخصية النضالية بين الثلاثية والأجيال الثلاثة، حيث تراجعت الأولى و تقدمت الثانية، وحسبما تفاوت قوة انعكاسات الاختلاف والخلاف. وعليه قد استقر عمل الشخصية النضالية المتنامي في المجتمع الكوري، وتأرجحت الشخصية النضالية في المجتمع المصري.

على الرغم من التعددية في الاختلاف بين الأجيال الواضح في المشهد (الأجيال الثلاثة) الكوري، إلا ثمة ائتلاف عام يربط بين هذه الشخصيات موحدا مفهومها نحو الحرية وممارسة العمل السياسي الهادف للديمقراطية سعيا لتحقيق الحرية بمفهومها الواسع للمجتمع، حيث تلتف هذه الشخصيات وأطياف المجتمع حول الشخصية النضالية وتساعدها وتقوى من عزيمتها دفعا إلى التحرر. ومن ثم التقدم. انطلاقا من الرسالة الضمنية التي بثها النص من خلال هذه الشخصية، بأن لا حكر للعمل الثوري، بل وجب القبول والتعددية تحت مظلة العمل الثوري للجميع مع ضرورة الوفاق بين كل الأطياف من أجل مصلحة الوطن.

وعلى صعيد المشهد (الثلاثية) المصري جاءت هذه الاختلافات لتخلق فجوة الخلاف، حيث تثرثر الشخصيات في الفضاء النصي عن الحرية والاستقلال، والبناء دون جدوى ودون العمل على تحقيق ما يتحدثون عنه. سوى التعجب من سير الأحداث وهم قاعدون. ولعل المشهد النصى الذى رصدته الثلاثية في ثرثرة أصدقاء "السيد أحمد عبد الجواد" حول شراب الخمر:" نحن في عام 1935م، ثماني سنوات مرت على موت سعد، وخمسة عشر عاما على الثورة، ولا يزال الإنجليز في كل مكان، وفي الثكنات والبوليس والجيش وشتى الوزارات، والامتيازات الأجنبية التي تجعل من كل ابن لبؤة سيدا مهابا مازالت قائمة، ينبغي أن تنتهي هذه الحالة المؤسفة.." السكرية ص43، هذا الحديث كفيل بخلق ثورة للتمرد والحراك الاجتماعي، لكنه لم يعد إلا حديثا لضرب العظة والأمثال في تقلب الأحوال، وصعود طبقات الدنيا للشهرة والثراء بسبب الامتيازات الأجنبية، لكن الحدث والحراك الثوري والتغيرات الاجتماعية في وادٍ وهم في وادٍ آخر، حيث ينتقل بهم الحديث في اللامعني والعبثية حول الحديث الماجن عن النساء وشرب الخمر.
لم يختلف الواقع الكوري عن ماضيه في حاضره حول تطبيق المفاهيم الإنسانية والوحدة كأيديولوجيا مهما اختلفت الرؤية وتعددت الآراء. فما زرعته أجيال (الأجيال الثلاثة) من ضرورة الالتفاف حول الهوية والحرية القائمتين على العلم والمال. تلك النبوءة التى توقعها الأديب الكوري(يوم سانغ سوب)، بأنها الأمل والثمار التى سوف تحصد في مستقبل الأجيال الواعدة خيرا يقام للمجتمع شأنا. كانت النبوءة تضخ حيوية في عزيمة الأجيال حول التكاتف والمضي نحو مستقبل أفضل لتنزيل سقف الأحلام والتطلعات على الأرض دون ثرثرة فارغة حول المثل والقيم العليا في المطلق.

قبع واقع المجتمع المصري في صراعه الذي لم ينته حتى الوقت الحاضر منذ تلك الحقبة الزمنية التي دونتها (الثلاثية) بين الأيديولوجيات المختلفة الخلافية غير المستقرة على أرض صلبة تحدد ماهيته ومتطالبته وضروريته الخاصة، ناهيك عن المطالب العامة للشأن العام ومصلحة المجتمع ككل.

تناول النص الروائي ورصد بدقة شخصية الثائر وتتبع تناقضية أحلامه الثورية، وتعارضها في فهم الثورة وطريقة نضالها بين الروايتين، وبالتالي جاء هذا التعارض ليوضح مفهوم فكرة الوطن عند المصريين والكوريين، وبين المصالح والمكاسب العامة أو الشخصية التى قد تأتي من وراء العمل النضالى. ومن ثم بناء الأمة كما توقعها وتنبأ بها الأديبان في مسار سردهما لهذه الشخصية. من خلال تتبع ورصد تصرفات وتحركات ومفاهيم وأحلام وواقعية ونفعية الشخصية النضالية في النص، وانعكاسات هذه التصرفات على الواقع الحالي لكل من التجربتين. يتضح جوهر الاختلاف بين المجتمعين الكوري والمصري.

إن الاختلاف المؤتلف في أهواء وضروب الشخصية الكورية كما سجلها النص كان له التأثير الإيجابي على التقدم الكوري القائم على المنفعة الثورية العامة من أجل كوريا(وكوريا فقط)، دون شعارات كثيرة، ودون تشتت الأحلام بل تركيزها نحو الهدف المحدد والواضح. أدى بها في (الزمن الواقعي بعد الزمن الروائي) في الخمسين عام التالية من النصف الثانى من القرن العشرين إلى التقدم. ثمة نفعية في الشخصية الكورية، كما ورد في ( شخصية المناضل النفعي/ بيونغ هوا)، لكنها نفعية عامة تكتسب، ليكتسب الوطن. تتعلم، ليتقدم الوطن، لا ليتقدم الفرد وحده، لذا تقدمت كوريا واستقرت أوضاعها الحالية وأصبحت قوة اقتصادية هائلة.

أما الشخصية المصرية تكمن أزمتها في شخصية المناضل الثوري الأقرب إلى الحالم المعطاء حتى الموت( شخصية المناضل الحالم/ فهمي) بلا فائدة تعود على الوطن، بل قد تعود إلى زويه بالحزن والألم. ولتبدل المفاهيم وضبابية الرؤية حول الهوية في المجتمع المصري، تعدد شخصيات المناضلين فيه. حيث ظهرت على السطح المصري نوعية مناضلين من نضال آخر ليس ثوريا أكثر منه انقلابا على الأوضاع، مثل شخصية" فؤاد الحمزاوي/ نفعية" برجماتية. ثائرة. نعم ثائرة، لكن ثورتها من أجل مصالحها الخاصة. تكتسب هي أولا وأخيرا، لتعديل وضعها الاجتماعي، والقفز من طبقة إلى طبقة، وليس مهما أن يخسر أو يكتسب الوطن، لذا تأخرت مصر الوطن على كافة الأصعدة بعد النصف الثانى من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر.
ثمة حراك ثوري تم التنبؤ به عبر النص الروائي، الأول(الكوري) قد نجح وحقق مساره على المدى البعيد عبر سنوات من جدية التعلم والعمل بسبب وضوح الهدف منذ البداية. والثاني(المصري) قد تعثر نتيجة لعدم وضوح الرؤية والاتفاق حول مفهوم محدد حول ماهية الحرية والوطن والهوية والقومية.

من تتبع سير الأحداث وصيروة الزمن عبر المكان وتأثيرهما على هوية الإنسان، ومن ثم على المجتمع ككل، يتبين أن النص الروائي عبر فضاء الروايتين استبق الأحداث وأزماتها لتجنب معايشة المأساة مرة أخرى في تحليلية معقدة ليست راصدة الداء فحسب بل مقدمة العلاج. الذى جاء ملضوما بشكل فكري متجانس بين سطور المتن السردي وعلى ألسنة الشخصيات ومعتقداتها سواء السلبية أو الإيجابية.

فقد اعتمد النص الروائي بين الروايتين على المنهج الواقعى في الأدب لكشف وتعرية المجتمع ورصد ما له وما عليه. استخدام نفس القالب الفنى لـ(رواية الأجيال) اعتمادا على نفسها الطويل للمسح الشامل لكافة أركان المجتمع. مع الجنوح الموضوعي لرصد تطورات المجتمع حول مفهوم الهوية والقومية كمدخل لتحرر الوطني. اعتنى النص الروائي بابتكاره عنصرا بين التشويق والمفاجاة في تتبع مسار أحداث الزمن والمكان، وانعاكسه على الشخصية وفقا لدراما النفسية والمنطق العقلى والإيماني الخاص لكل من الشعبين.

ابتكر النص رؤية استبصارية تدور في دائرة المعادلة الثنائية: "الثري / المتعلم = الفقير/ المتعلم"، التي إن اتبعها أفراد المجتمع كُتِبت لهم النجاة والتقدم. هذه الثنائية التى يشترط فيها (الدعامة الأساسية) كالتالي: "الجدية⊂-;- (العـلم والتعـليم)←-;- ثراء الوطن→-;- ثراء المواطن= التقدم"، الجدية في العلم والتعليم اللذان يؤديان إلى ثراء الوطن ومن ثم ثراء المواطن فالتقدم. وبدونها( الدعامة) تنتفي القاعدة النقدية للبناء. وكما تبين في المواقف المتباينة بين (دوك كي/ بيونع هوا – كمال/ فؤاد الحمزاي)؛ حيث اشترط الثراء والعلم.. الثري الذى يدرك موقفه البنَّاء إذ يأخذ ثراءه نحو تحقيق الأهداف السامية لمصلحة مجتمعه أولا. والفقير المتعلم الذي يسعى لتغيير فقره بالعلم ومن ثم تفيد مجتمعه أولا. تلك الثنائية التي نجحت في بناء المجتمع الكوري. وفشلت في بناء المجتمع المصري، لعدة عوامل معقدة.

تبقى الدعوة الصريحة المتشابهة لحد التطابق بين الروايتين وهي القائمة على أحقية النضال أولا: لتحرير الوطن( الأجيال الثلاثة)، ومن ثم سوف يتحرر المواطن. ثانيا: تحرير المواطن (الثلاثية)، ومن ثم سوف يتحرر الوطن.

توقفت عناصر الوضوح الداعية لرصد القيم الإنسانية والمثل العليا بشكلها العام في كلتا الروايتين مقابل الدعوة الصريحة للنضال كحق مشروع رغم خلافيته المدمرة، كما في (الثلاثية)، بينما جاءت هذه الدعوة الزامية بحق النضال بحكمة الاختلاف الداعي للتكامل وليس للتنافر في (الأجيال الثلاثة)؛ حيث رصد الأديب الكوري المأساة الإنسانية للمواطنين. وهي مقاومة رمزية بهدف التحريض غير المباشر للنضال. حيث يتفق الأديبان في رؤيتهما الواحدة حول أهمية النضال كل حسب خلفيته ورؤيته لأشكال هذا النضال، مع اشتراكهما في الرؤية الاستبصارية التي أكد عليها النص المشترك بينهما، على أن لا نضال دون سلاح العلم والمال. تلك الثنائية التى حالفها الحظ في المجتمع الكوري؛ فبُنِيَتْ كوريا المعاصرة على دعائم هذه الثنائية، بينما لم يحالفها الحظ في البيئة المصرية؛ فتراجعت مصر لأسباب عدة منها الاقتصادية والسياسية وأخطرها الاجتماعية، وخاصة في التفاوت الطبقي للمجتمع المصري، وعدم تجانسه في الوفاق حول قاعدة مشتركة.