خيتي نانا ...

الرفيق طه
2014 / 12 / 10

خيتي نانا ... الشجرة الام

خيتي نانا او لالة نانا، كما يحلو للبعض دعوتها، لا يشك احد في انوثتها ، كما لا يتفق الاثنان في تحديد قامتها او وصف طبيعتها . هناك من يدعي ان قامتها تتجاوز الرجال و اخرون يقولون انها ذات قامة متوسطة جدا ، كما يختلفون في وصف ملامح وجهها و بشرتها .
ليس هناك من يجزم في عدد الازواج الذين مروا في حياتها و كيف اختفوا ، بل ليس هناك من يمكنه اثبات زواجها من فلان او علان .
خيتي نانا تسكن ببيت في الزاوية الشمالية الشرقية للقصبة شرق الزغارية . معلوم انها تسكن فريدة . و ان بيتها لا يدخله رجل مهما كان و مهما اعتبر مقربا منها . اما النساء اللواتي تاتين بابنائهن المرضى فلا تتجاوزن المدخل المعروف ب " العلو .
السيدة تعالج الرضع من امراض متعددة معروفة لدى العامة في المنطقة ب" الخو " و "الطيرة " و " حيط " . كما تعالج الكبار نساء و رجالا من النخسة و الجروح و اخراج اشواك النخيل من الاطراف و اقتلاع الاسنان الموجعة . كما تعتبر اختصاصية في امراض النساء خاصة ما يسمى " الراقد" او ما يتعلق بالعادة الشهرية و غيرها .
ف" الخو" تقول خيتي نانا يعرف بعدم قدرة الرضيع على رفع عينيه للنظر فوقا ، و يتميز بالاسهال المفرط و الخروج بلون اصفر و الارتخاء الزائد للمريض . و تعالجه خيتي نانة بعملية ترويضية برفع الرضيع من رجليه و دلك ما بين السرة و الصدر و جعله يستنشق بقوة . كما تعطيه دواء تصنعه بنفسها و تقدمه للرضيع في المحارة . و عملية تتكرر مرتين في اليوم قبل الشروق و قبل الغروب و طيلة ثلاث ايام متتالية .
كما تعالج الاطفال من الشم ، او الطيرة التي يعتقد ان طائرا اسودا يصدر رائحة تسبب للاطفال امراضا قد تودي بحياتهم . كما يعتقد اخرون ان ما تحمله بعض العجائز من تمائم و ما تستعمله من روائح هي سبب مرض الشم . و خيتي نانا تعرف المصاب بهذا المرض او ذاك بالقياس . عملية تقوم بها خيتي نانا باستعمال خيط ، هي وحدها تعرف طوله و نوعه و حتى شكله ، لتحديد ما ان كان الطفل مصابا بالشم ام لا . و اغلب من عالجتهم خيتي نانا تعافوا بقدرة قادر .
اما الجروح و الاشواك و الاسنان فان خيتي نانا تعد بارعة في علاجها ، فهي المراة الصارمة و التي تفقد اي شفقة بصراخ المصاب او استعطافه . كم من رجل تهينه و تحتقره اذا لم يتحمل و قد تضطر لمساعدة رجال اخرين لاخضاعه .
و النسوة اللواتي يعانين من رقود الجنين في الرحم ، اي انه يتوقف عن الحركة او النمو فان خيتي نانا تؤكد ان سببه خوف يسكن الحامل . لذلك تقوم بطرد هذا الخوف بتنبيهات الكي بالمغرف الساخن ،او بترويض لا يثقنه احد غيرها .
النسوة وحدهن من ينقلن مواصفات بيت خيتي نانا من خلال سرقة النظر اثناء عملية علاج ابنائهن . و منهن تتناقل اوصاف البيت بين المسامع و الالسن حتى اصبح بيتها مثير للريبة و التعجب .
البيت الذي تسكنه امراة فريدة مصمم بشكل مثير للدهشة و مزخرف بشكل انيق و منظم بشكل يشبه القصور و نظافته تثير الاعجاب . هذا كله رغم ان الكل نساء و رجالا يشهدون انه بيت لم يسبق ان دخله بناء و لا صباغ و لا نجار و لا اي حرفي لا ليلا و لا نهارا .
باب البيت دائما نظيف و لم يسبق لاحد ان رائ خيتي نانا تقوم بتنظيفه بذلك . بالباب قدر كبير للماء الشروب ، و لو كان امام بيت غيرها للعب به الاطفال ، لكن الهيبة و الاحترام المنقطع النظير التي تحظى به السيدة وسط الكبار و الصغار لا يقربه الا العطشان . على السطح تسكن طيور الحمام لكنها من الفصيلة البلدية البيضاء فقط .
خيتي نانا سيدة ترتدي جلباب الرجال و تجالسهم بباب القرية . هي الوحيدة من النساء التي تخاطب الرجال عينا في عين ، بل تجلس كما يجلس الرجال جنبا الى جنب او متقابلة معا مخاطبها . و ان كانوا في مجلسهم متكئين فانها تاخذ وضعها على جنبها ككل الرجال .
لم يسبق ان اوكلت خيتي نانا رجلا مكانها في قسمة او معاينة او مهمة . بل ان خيتي نانا كانت لها الكلمة النهائية في قضايا القبيلة ، و اذا ما استنبطت ان احد اعيان القبيلة اراد احتقارها استعملت اساليبها الخبيثة و نبزت له بسر عن زوجته ، او امه ، او اخته . لذلك كان كل الرجال يتجاوزون عيبها و يقبلون بقراراتها .
كل النساء تخص خيتي نانا بالاحترام اللائق بكرامتها ، ليس خوفا من سلاطة لسانها و لكن لانها حامية لحقوقهن من قهر الرجال . انها السيدة الوحيدة التي لا تاكل اللحم او اي لذيذ دون ان تاخذ منه نصيبا للمراة الحامل او المرضعة او المريضة من نساء القرية . لا تخجل ان تدق بيت المحتاجة من النساء في وقت من الليل لتمدها بما امكن تحصيله من طيب الغذاء و الفاكهة .
كم من امراة في القرية لم يكن في علمها ان زوجها على وشك طلاقها و لكن خيتي نانا طردته مذلولا امام العدول في مكتبهم ، دون ان يدري من اخبرها بقراره، ففاجاته و خرج مهرولا و تاركا العدول امام سب و شتم خيتي نانا . بل ان العدول لم يعودوا يكتبون طلاقا لاهل القرية الا بعد حضور خيتي نانا او بموافقتها .
خيتي نانا المراة الوحيدة التي تسافر بلا محرم . بل ان الرجال كانوا يسافرون برفقتها ، كما انها الحاضنة لكل امراة ليس لها رفيق في السفر .
حكاياتها و مغامراتها عن السفر ، عديدة منذ ان كانت تسافر الى الدار البيضاء على الدواب ، الى ان اصبحت الشاحنات و الحافلات وسائل للنقل من درعة صوب كل الاتجاهات .
في جلساتها مع الرجال بمدخل القصبة و اثناء الكلام عن السفر لا حق لاحد في مجادلتها . هي الوحيدة التي تمتلك تجربة كبيرة و طويلة في ذلك .
تقول ان الرحلة على الدواب و الاقدام تعرف محطات عديدة و اولاها بمزكيطة و الثانية بسكورة و الثالثة بتلوات فسيدي عبد الله غيات و مراكش و من هناك الرحامنة و الشاوية .
في كل مرة تؤكد خيتي نانا و بصوت عال ان القايد الكلاوي بتلوات ليس هو الباشا الكلاوي بمراكش . و ان مبيتها في كل الرحلات بتلوات عرفتها عن قرب على الكلاوي كقائد و وقوفها بمراكش عرفتها على الباشا الكلاوي و هما شخصان مختلفان .
كما تقول ان الرحامنة و الشاوية ما كانتا ليختلفان لولا النهر الذي فصلهما .حكاياتها اصبح الاطفال يحفظونها و يرسمونها في مخيلاتهم كما يجسدون حكايات امهاتهم ليلا على ضوء القمر.
خيتي نانا في الدار البيضاء يعرفها كل ابناء المنطقة . فهي تنقل الاخبار و الاسرار الخاصة و العامة . هي التي تبحث عن الذين سافروا و انغمسوا وسط اهوال المدينة و نسوا اسرهم بدون معيل . و كثيرا ما تنزع منهم الاموال لتنقلها لوالديهم او اولادهم . كما تحمل اسرار المتزوجات في البادية لوالديهن في البيضاء ، و العكس كذلك . هي التي ترسم الفرحة على وجوه الامهات و الزوجات و الاخوات حين تمدهم بدريهمات تقول انها من احد اقربهن.
منذ اليوم الاول لوصول خيتي نانا للدار البيضاء و حركة الذين تربطهم بالقصبة علاقة تتغير ، حيث ينتقلون الى البيت الذي تحط فيه الرحال بدرب السلطان من اجل دعوتها ضيفة عندهم خوفا من لومها او نقمة الاهل ، او من اجل الحصول على اخبار او وضع ودائع تؤمنها خيتي نانا للاهل .
استمرت الوضعية على حالها حتى حين اصبح السفر عبر الحافلة التي تسمى انذك البريد او البوسطة ثم توسع لنقل المقاومة و النقل المدني (سيفيل) او حافلة الشلوح ... بقيت خيتي نانا الامين الوحيد في هذه المهمات .
و لكن في السنوات الاخيرة قررت خيتي نانا التوقف عن الرحيل و السفر . استقرت بشكل نهائي و اصبح المقيمون في الدار البيضاء يزورونها في القصبة دون ان يدخلوا بيتها . الذين يزورونها ليسوا فقط ممن يعرفهم اهل القصبة او الذين ينتسبون للمنطقة ، اناس مجهولون و مختلفون في الاوصاف و اللهجات .يقول عنهم الاهالي انهم اناس منضبطون و متخلقون ، سريعون في مشيهم و نظيفوا الخلقة . لباسهم يختلف عن الاهالي و لكنه جد متواضع و منسجم في اللون و الشكل مع اوصافهم . لا يطيلون النظر في الاماكن و الاشياء ، و يزورون خيتي نانا و يختفون كمن يؤدي احدى الشعائر .
في احد الايام شوهدت خيتي نانا تحمل فاسا و معولا و اتجهت جنوبا . هناك من يقول انه راها قبل العصر بقليل ، كما يؤكد اخرون ان ذلك كان قبل الغروب بقليل ، و البعض ادعى انها ظلت طوال اليوم تتجول باطراف القصبة . الا ان شيخا طاعنا في السن اخبر الناس ان خيتي نانا كانت بالمقبرة تحفر ، و قد اكدت هذا نساء كن في زيارة لقبور اقارب لهن .
بعد المغرب و قبل العشاء بقليل قامت خيتي نانا بجولة لكل الاسر في القصبة تودع النساء و الرجال و تخبرهم انها ستموت غدا. و كان رد الجميع لها " بطول عمرك يا خيتي نانا ، لا تقولي هذا فان القصبة خالية بدونك " .
في الصباح وجدت خيتي نانا ميتة ، مكفنة و محنطة بمدخل بيتها . اجتمع الكل من اجل التابين و ذهب رجلان لحفر القبر و فوجئا به محفورا و عادا و اخبرا الحضور بذلك .
اثناء وضع جثمان خيتي نانا بمثواه الاخير شعر الناس بظل بارد و لطيف احدثته اسراب كبيرة و متعددة من الحمام الابيض التي تقي الناس من حر الشمس . كما حضر التابين اناس اغلبهم لا يعرفهم اهل القصبة و لا المنطقة .
عاد الناس من المقبرة و تكلفت مجموعة بالدخول لبيت خيتي نانا الذي لا يعرف احد داخلة . فوجئ الناس بما يحتويه هذا البيت من لوحات فنية ، منها التي رسمت على الخشب و اخرى على الحيطان و اخرى على الثوب . كما ان الزخارف و النقوش جعلت منه متحفا بلا منازع . لكن الاهم هو ما كانت تخطه خيتي نانا عن عملياتها في خلايا المقاومة ضد المستعمر .
كل اسماء المقاومين الذين كانوا تحت امرتها و كل رؤساء الخلايا الذين تعرفت عليهم كتبت اسماءهم بمداد ذهبي . كما انها كتبت اسماء من قتلتهم من المستعمرين و العملاء و الخونة و من سرقوا المقاومة بمداد اسود .

سي محمد طه
10/12/2014