نحو جبهة دول الجنوب

سمير أمين
2014 / 12 / 9



على ضوء ما كتبته فى المقالات السابقة، أطرح هنا ما يبدو لى محور القضية: احتمال تبلور مشروعات وطنية شعبية مستقلة فى عدد من دول الجنوب وروسيا، وشروطه، وبزوغ جبهة موحدة تجمعها فى مواجهة الامبريالية.
1 - يسير مخطط العولمة الإمبريالية القائم على قدمين.
فمن جهة يسير المشروع على قدم اقتصادية باسم الليبرالية المعولمة المعروفة مكوناتها، علما بأن الوصفة يفترض أن تنفذ فورا بنصها على جميع دول الكوكب. ومن جهة أخرى تفعل القدم السياسية فعلها من خلال سياسات دولية منهجية تسعى إلى ضمان خضوع دول الجنوب وروسيا، وبسط الإشراف العسكرى الإمبريالى على الكوكب، أى عسكرة العولمة التى تستهدف تدمير مؤسسات الدولة الوطنية إن لزم الأمر حتى يصبح الشعب المعنى عاجزا فى مواجهة الوصفة الليبرالية الفجة.
ويكمن سر الفعالية الناجحة للمشروع فى وجود هذا التكامل المتين بين الإدارة الاقتصادية والإدارة السياسية والعسكرية. علما بأن هذا الوضع ناتج عن تحول حاسم فى بنية الرأسمالية تجلى فى صعود درجة التمركز فى إدارة رأس المال الاحتكارى (الشركات المتعدية الجنسية) حتى صارت قادرة على إخضاع جميع الأنشطة الإنتاجية - أو يكاد - لتحكمها. فيمثل هذا التحول القاعدة الموضوعية التى أتاحت تنفيذ برنامج الليبرالية الفجة وتكريس المصالح الاجتماعية المستفيدة منها.
كما أنه يمثل الشرط اللازم الذى أدى إلى تبلور تكتل سياسى ثابت سميته الاستعمار الجماعى للثلاثية (الولايات المتحدة، أوروبا، اليابان).
2 - وبالنظر إلى ما سبق ذكره فلا بد أن يسير المشروع الوطنى المستقل البديل هو الآخر على قدمين.
فمن جهة ينبغى أن تتخذ دول الجنوب ضحايا النظام القائم مبادرات جريئة تفتح الطريق للتنمية المستقلة الصحيحة. والمقصود بناء منظومة إنتاجية شاملة متمركزة على الذات وذات المضمون الاجتماعى التقدمى، تطابق المعايير التى أوضحت مكوناتها فى المقال الأول من هذه السلسلة.
علما بأن مثل هذه المبادرات تناقض مبادئ الليبرالية الفجة. وبالتالى فيجب أن تتخذ الدول المعنية إجراءات ملائمة فى المجال السياسى لحماية نفسها.
والمقصود هنا إنعاش مؤسسات الدولة الوطنية الشعبية من جانب والبحث عن تحالفات دولية تنتج تبلور جبهة موحدة للجنوب وروسيا من الجانب الآخر.
3 - أستخلص من عرضى فى المقالات السابقة للأوضاع.
فى هذه الشئون أن المبادرات التى اتخذتها الدول الخمس المذكورة ظلت ناقصة، إلى الآن. فقد لاحظت أن الدفع إلى الأمام قد تجلى بالفعل فى المجال السياسى دون أن يصاحبه تقدم موازٍ فى المجال الاقتصادى.
وأعتقد أن كشف سبب هذا النقص يتطلب النظر فى طبيعة الطبقة القائدة. ولن يفيد كثيرا الاكتفاء بوصفها بأنها بورجوازية تابعة. فللطبقة السائدة أوجه مختلفة. فهى بورجوازية بمعنى أنها تملك بالفعل أموالا متجسدة فى أصول حقيقية (منشآت صناعية، عقارات، محفظة أسهم وسندات).
علما بأن بورجوازية تخوم المنظومة العالمية (الجنوب وروسيا) قد تمت إعادة هيكلتها وإثراؤها فى ظل سيادة الليبرالية المعولمة، حتى تقبل العمل من الباطن لمصلحة الاحتكارات الإمبريالية، وهو الشرط الذى يتيح تواصل إثرائها. وبالتالى تقف هذه البورجوازية عقبة فى سبيل الدفع نحو المشروع الوطنى المستقل.
ليست البورجوازية بهذا المعنى فئة صغيرة منعزلة عن المجتمع. فهناك جيش من الفئات الوسطى العاملة فى خدمة إدارة مصالحها، تتكون من موظفى التنفيذ executives والتكنوقراط وصانعى الخطاب الأيديولوجى الملائم. وتعى هذه الفئات تماما أنها تشارك البورجوازية فى مصالحها، إذ يتيح هذا النمط من التنمية مجالا واسعا لازدهارها. ولعل هذه الفئات الوسطى تطالب بالاشتراك فى الحكم من خلال ممارسة درجة من الديمقراطية الانتخابية دون إضفاء مضمون اجتماعى تقدمى لميولها الديمقراطية، فتقف عقبة فى سبيل إنجاز الإصلاحات الاجتماعية المطلوبة.
ولكن للطبقة القائدة وجه آخر وهو انفرادها بالتحكم فى الأمور السياسية. ومن ثم انتشر مصطلح الطبقة السياسية للإشارة إلى هذا الوجه للمشكلة.
قطعاً لا يوجد نظام حكم دون قاعدة اجتماعية يقوم فى خدمتها. وبالتالي يظل صحيحا بشكل عام القول إن النظم المعنية تمثل مصالح البورجوازية التابعة. ولكن هذا القول لا يكفى: فالفئة الحاكمة تسعى أيضا إلى ضمان استمرار استحواذها على زمام الحكم. وقد تنجز ذلك بممارسة أساليب دكتاتورية بحتة. وقد يحدث فى إطار ممارسة ديمقراطية مبتورة إن فرضت مطالب الفئات الوسطى ذلك. وقد تضطر الطبقة الحاكمة أن تقبل تنازلات لمصلحة الجماهير الشعبية تتعارض مع مصالح البورجوازية التابعة. بيد أن مثل هذا الوضع لن يحدث إلا إذا استمر نضال الطبقات الشعبية فى الصعود. فتتمتع إذن الطبقة السياسية القائدة بهامش من التحرك، الأمر الذى يلقى الضوء على المفارقة والنقص المذكورين.
يسود هذا الوضع فى جميع دول الجنوب وروسيا، وإن مثلت الصين استثناءً إلى حد ما.
4 - ولقد اتخذت دول البريكس BRICS الخمس المذكورة، إزاء العديد من الأزمات السياسية الدولية والاقليمية الجارية، مواقف جريئة تطعن فى تحكم مبادرات التكتل الامبريالى السياسية والعسكرية. ولقت هذه المواقف أصداءً إيجابية لدى العديد من دول الجنوب الأخرى.
أصبح الجميع، أو كادوا، يعلنون إرادتهم فى إعادة هيكلة العولمة، كى يتحقق تعدد للأقطاب قائم على احترام السيادة الوطنية على خيار شكل التنظيم السياسى والاجتماعى للوطن. حتى أخذ بعض المحللين فى الغرب يقولون إن العالم قد دخل بالفعل فى مسيرة جديدة وأن العولمة متعددة القطبية فى سبيل الإنجاز. وفى إطار هذا التطلع تكونت مجموعة العشرين G20 بدعوة من مجموعة السبعة G7. واستهدفت هذه المبادرة - فى رأيى - تصفية ما تبقى من عصر باندونج من روح تضامن شعوب القارات الثلاث. فاختير بعض الدول البازغة المزعومة وبُذل المجهود لإقناعها بأن مشاركتها مع الثلاثية فى تعاملها مع دول الجنوب الأخرى هو فى مصلحتها، وأنها تمثل الوسيلة لتسريع عملية لحاقها بالدول المتقدمة. ويلقى هذا الخطاب صدىً لدى الفئات الوسطى خفيفة الوعى السياسى والراضية بالأمر الواقع الذى أتى بثماره بالنسبة إليهم إن لم يكن بالنسبة لشعبها. كما يمكن أيضا أن يروى انتهازية الطبقة السياسية القائدة.
ولكن لم تحقق الدول الامبريالية هدفها، بالرغم من كل ذلك. فتحولت مجموعة العشرين إلى ميدان تعارضت فى اجتماعاته قرارات الثلاثية السياسية والعسكرية من جانب ورؤى جميع دول الجنوب وروسيا (باستثناء السعودية طبعاً) من الجانب الآخر.
لن أقوم بسرد الأمثلة الدالة على أن عددا متزايدا من دول الجنوب قد أدرك تصاعد التضاد بين مصالحها ومصالح الكتلة الإمبريالية.
أضرب هنا ببعض الأمثلة الحديثة. ففى اجتماع مجموعة العشرين فى بترسبورج (روسيا) عام 2013 أدان جميع المشتركين من الجنوب وروسيا (عدا السعودية) مؤامرات الحلف الأطلسى فى روسيا. ثم تكررت هذه الإدانة فى اجتماع دول عدم الانحياز الذى انعقد فى الجزائر من أجل إنعاش روح باندونج. وساندتها دول آسيوية وأمريكية اللاتينية عديدة، بينما لم يجرؤ الآخرون على مقاومة الاقتراح فظلوا صامتين.
هناك مجالات عديدة ظهرت فيها الإرادة المستقلة لبعض دول الجنوب، وهمومها بأن تستعد نفسها فى مواجهة مؤامرات الإمبريالية. ومنها: دعم وجود القوات العسكرية البحرية الصينية فى المحيط الهادى والمحيط الهندى، وتأسس اتحاد دول القارة الأمريكية عام 2011 بعد استبعاد الولايات المتحدة وكندا (وهو بمثابة قرار تاريخى لأنه يتصادم مع مبدأ مونرو القائم على سيادة وشنطن على القارة). كما أن تفاقم الصراع بين روسيا والدول الإمبريالية حول مستقبل أوكرانيا يقدم دليلا على انتهاء أوهام موسكو بحسن نيات الدول الغربية.
يمثل التحدى العسكرى حاليا أخطر وجه للقضية. فقد أدرك التكتل الإمبريالى أنه لن يستطيع ضمان استمرار سيادته دون سيطرته العسكرية على الكوكب. وقد أخذ المشروع فى التنفيذ عبر سلسلة من الحروب الاستباقية. فهل حققت الولايات المتحدة انتصارا ملحوظا فى هذا المجال أم تعرضت لعواقب متصاعدة أفشلت المشروع؟
كسبت واشنطن الحروب المذكورة عسكريًا. ولكنها فشلت فى إقامة نظم محلية تتمتع بدرجة من الشرعية تتيح لها ضمان نوع من الاستقرار. فقد تفككت البلدان المذكورة دون أن تخرج من سيادة الفوضى. وعلى الرغم من هذا الفشل للمشروع لم تغير واشنطن نظرتها العدوانية الحاملة لمزيد من الإجرام يوما بعد يوم. أعتقد إذن أن إلحاق الهزيمة بخطة السيطرة العسكرية الأمريكية على الكوكب يمثل حاليا هدفا محوريا لفرض التراجع فى المجالات الأخرى الاقتصادية والسياسية. وآن الأوان للاستعداد لمشروع تجديد روح باندونج، وفتح الطريق نحو تقارب دول الجنوب فى مجالات السياسة الدولية، لاسيّما العسكرية. ولعل مجموعة عدم الانحياز التى لا يزال لها وجود فى الساحة، ولو رمزيا حاليا، تقوم بمبادرة فى هذا المجال.
5 - ليست الأمور فى مجال الإدارة الاقتصادية للعولمة بمثل هذا الوضوح. فيظل خطاب مجموعة الخمس فى هذه الشئون ملتبسا وضبابيا.
وقد رأينا من المقالات السابقة أن دول الجنوب (عدا الصين الى حد ما) لم تخرج بعد عن إطار تنفيذ مبادئ الليبرالية فى سياساتها الاقتصادية الوطنية. فلن نستغرب إذن أن مجموعة البريكس (BRICS) لم تتخذ مواقف عامة تناقض صراحةً نمط العولمة الليبرالية. بل فى بعض الأحيان ذهبت إلى الاستغاثة بالنظام المتأزم عبر مشاركتها فى تمويل صندوق النقد الدولى لإنقاذ البنوك الغربية الكبرى المفلسة.
ولكن على الجانب الآخر هناك مبادرات تشير إلى إرادة الانعتاق من العولمة المالية. أقول العولمة المالية ولا أقول العولمة بجميع أوجهها (التجارة العالمية على سبيل المثال) لعله لأن الوجه المالى للعولمة القائمة يمثل كعب أخيل (الحلقة الضعيفة) فى المنظومة.
وفى هذا الإطار ألفت النظر إلى: (1) قضية كون الدولار لا يزال يمثل العملة الوحيدة، أو يكاد، المقبولة عالمياً، وذلك على الرغم من العجز المتصاعد فى ميزان مدفوعات الولايات المتحدة. فما مستقبل الدولار فى هذه الظروف؟ الإفلاس أم استمرار الأوضاع على ماهى عليه؟ (2) القضية الخاصة بالتحويلية الشاملة لليوان الصينى والروبل الروسى والروبية الهندية. وكذلك احتمال الخروج من التحويلية لبعض العملات الأخرى (البرازيل، جنوب إفريقيا. إلخ).
هناك إجراءات اتخذت بالفعل على المستويات الإقليمية تساند فرضيتى ومنها مبادرات مجموعة شنجهاى (الصين وروسيا وبلدان آسيا الوسطى وبلدان جنوب شرق اسيا)، وإنشاء بنك الجنوب فى أمريكا اللاتينية، ومشروع التعاون باسم ألبا: ALBA ومشروع ايجاد عملة مشتركة لبعض دول أمريكا الجنوبية (السوكر) ومشروع بنك البريكس BRICS، بيد أن جميع هذه المبادرات - السليمة من حيث أهدافها - لا تزال متأخرة فى التنفيذ فلم تصل إلى نقطة الإعلاء الصحيح.
ما هو الأمر بالنسبة إلى الدول الأخرى غير القارية: هل يمكن تصور مشروع مستقل فى هذه الظروف؟ ما الهوامش التى يمكن استخدامها؟ ما أشكال التعاون الإقليمى والجنوب - الجنوب القادرة على تيسير التطور المطلوب؟
حذاري! لقد أخذ البنك الدولى يوزع شهادات مجاملة لدول ليست صاعدة، على سبيل المثال: تركيا وماليزيا وتايلاند وكولومبيا التى تقوم صناعاتها بالأساس على العمل من الباطن للشركات العملاقة متعدية الجنسية.
يقال عادة إن الدول التى لا تتمتع بحجم قارى لا تستطيع أن تسير منعزلة فى سبيل المشروع المستقل. وبالتالى فإن الأولوية تقتضى ايجاد إطار إقليمى مناسب. حذاري مرة أخرى: لن يتحقق تبلور التكتلات الإقليمية المطلوبة نتيجة معجزة أو بفعل سحر الدعوة إليها. فلابد أن تفتح الطريق دولة ما. علما بأن مصر لها ذلك الوزن الإقليمى الذى يتيح لها اتخاذ المبادرة فى المنطقة. ولكن الدفع فى هذا الاتجاه يقتضى: أولا: تخلص النظام المصرى من تحكم رأسمالية المحاسيب، وثانيا: تجديد التحالفات الخارجية. فليست الولايات المتحدة والخليج وإسرائيل أطرافا من المحتمل أن تسهم فى نهضة مصر! علينا إذن أن نتحرر من هذا الأسر وأن نبحث عن تحالفات بديلة صحيحة مع دول الجنوب وروسيا. فالصين، على سبيل المثال، قادرة على أن تساند مشروع بناء منظومات صناعية مستقلة وفاعلة فى دول الجنوب التى تنوى السير فى هذا السبيل.
ملاحظة ختامية. أسمع صوت هؤلاء الذين يزعمون أن القرار بالمشروع المستقل خيالى الطابع وأن دول الجنوب (ومصر منها) فى حاجة إلى اللجوء للأموال الخارجية لتحقيق تنميتها، وأن توفيرها يشترط قبول مبادئ الليبرالية.
بينما يثبت التاريخ الحديث عكس ذلك تماما. فالدول التى فتحت أبوابها دون قيد أو شرط لم تجذب أموالا عدا تلك التى تأتى لغزو مواردها الطبيعية أو لغزو مدخرات مواطنيها (ما حدث فى المكسيك وفى الأرجنتين) فتظل هذه الدول غارقة، ثم تأتى الأموال الخارجية للإغاثة حتى تضمن بقاء رأسها فوق سطح الماء دون احتمال أفضل.
هذا بخلاف وضع الصين التى تتدفق إليها الأموال للمشاركة فى استثمارات إنتاجية حقيقية. فكون الصين تتقدم فى بناء منظومتها الإنتاجية الشاملة والمستقلة يفتح مجالات لمساهمة الأموال الأجنبية للاستفادة من ثمرات التنمية، كما أنه يسمح للصين بفرض شروطها على مشاركيها.