اِفتحْ يا زمزم !

ليندا كبرييل
2014 / 12 / 5

كل مقال من المقالات الأربعة السابقة وحدة مستقلة بذاتها، ولكن خيطاً واحداً يجمعها . أناقش فيها بقدر ما تتيح لي معرفتي عبارة ( الاعتدال في الدين ) ناقدةً ومفنّدة أفكار منْ يميل إلى معسكر المعتدلين والشعاراتيين ، فأنا أرفض تماماً تناول صلب الدين بالاعتدال والتهاون.
وكان رأيي أن المؤمنين مأمورون بالوقوف صفاً واحداً وقفةً واحدة على مسافة واحدة لا تقترب ولا تبتعد عن جوهر الدين، فلا اعتدال فيه، ولا شدة في التسليم به أو ارتخاء، ولا انتقاء ولا مفاوضة الله على هذا الحكم أو غيره.
والفارق كبير بين : حكم الله وحكم رجال الله.
رجال الله الذين يستندون عبثاً إلى أحكام لم تعد تصمد أمام منطق العقل والحياة، هؤلاء باءت جهودهم بالفشل الذريع وهم يدافعون باستماتة لا جدوى منها عن التناقض المذهل والحوَل الفكري في كل العقائد الدينية، فوقف المؤمن أمام جبروتهم وتسلطهم موقف الحيرة والاضطراب والخوف وكان الانسحاب الذي تدّعون أنه اعتدال.
المواطن العربي يعيش سياسياً ودينياً في تعديل لا اعتدال . فقد ( اسْتعْدلَه ) الاستلاب والخنوع والتذويب والتهديد والتخويف...
والرجاء من القارئ الكريم أن يتفضّل بقراءة المقالات الأربعة السابقة ( وما سيأتي ) الدائرة حول هذه الفكرة من وجهة نظري.
ومعكم اليوم في مشهد جديد من العقل الغريزي الذي مع كل ريح يميل.

جلس البسطاء ( المعتدلون في دينهم ) في حلقة يتحدثون عن كراماتٍ أقرب إلى المعجزة الإلهية لوليّ من أولياء الله، بل هي المعجزة بعينها، ملخّصها دون أن أثقل عليك حضرة القارئ :
أن الشيخ علي وهو من بلد يقال عنه إنه منْ أهْدى الإنسانية الحضارة البشرية الأولى، أخذت رجله على الحج السنوي بعد أن انفتحتْ له أبواب السماء وراجت تجارته الدينية . ذلك أنه حمل معه ذات حجّ رملاً من الأرض المقدسة، ادّعى أمام الجمهور أنه رمْل يجلب الشفاء لأي مرض كان حتى لو كان السرطان الخبيث ! فكان يأخذ حفنة صغيرة من هذا الرمل ويعجنها أمام عيني المريض ببصاقه ( لا تقرفْ) وهو يتمتم بآيات قرآنية معينة، ثم يضعها في كيس من الشاش يربطه فوق مكان الألم بعد أن يشرب المريض جرعة صغيرة من ماء زمزم المقدسة ( وقد يكون شيئاً آخر ؟) فيشفى في غضون أيام أو أسابيع حسب درجة المرض !
طيب ، وإذا لم يشفَ المريض ؟
إرادة الله ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه .. هل في هذا شك ؟
وقد أقسم المتحدث السيد أبو الفوز باليمين الغليظة أن أخاه تماثل للشفاء من مرض الصرع ! على يدي الحاج علي وأصبح يعيش حياة طبيعية، ودعم قسمه السيد خالد، ولم يقصّر السيد مصطفى وكذلك تفانتْ زوجته في تأكيد شواهد أخرى، رواها لهما منْ نال بركة الشفاء على يد الشيخ المبارك الذي اشتهر أمره، فقصده الناس من المدن والنجوع والقرى ومرضى من البلاد العربية أيضاً !
لكنه مؤخراً – أي الدكتور علي - لم يعد ينتظر أن تأتي الخرفان المسالِمة بنفسها، بل نقل غرفة العمليات إلى قلب المعركة وإلى خطّ الهجوم الأول، حيث افتتح عيادات شعبية في بعض البلاد المجاورة . ويقال إنه يتمتّع بثقة وحماية رئيس الشرطة في بلد عربي الذي حملت زوجته ( بفضل الشيخ ) وأنجبت له ولي العهد.
يعني قولوا إن الشيخ ماشي في البلاد سواح .. وعايز يعرف بس طريق حبيبو منين، والحاج رومانتيكي الميول بعكس ما نظنّه عن الشيوخ عادة، حيث أنه يريد رؤية سكة الحبايب ويرسى عاللي غايب على ضوء القمر !

عمل الشيخ علي معجزة مدهشة في عصر مايو كلينيك الأميريكية وأبحاثها المتطورة في علم الخلايا الجذعية، وأمر هائل يُذكر بكل إعجاب وفخر لأمة عربية ينقصها الفخر والإنجاز، أو قلْ لأمّة لم يُعرف عنها إلا التقاتل والتحارب والترهيب الديني والسياسي . وإنه لعمل عظيم لمنْ فقدتْ الأمل من الإنجاب وتخشى مصيبة الزوجة الثانية التي ستحلّ على رأسها ولو بمقتضى الشرع الديني، فما بالك إذا جاءها الأمل في الإنجاب والحل على يد وبصاق شيخ جليل، في أمة تقوم ركائز دفاعها الوجودي على تهديد الغرب الكافر بالزيادة البشرية ؟
إنها مقدرة لا بدّ أن نعظّمها ما دام الله قد اختار بعنايته منْ تجري على يديه هذه المعجزات، في زمن ترصد الدول المتقدمة صاروخياً ملايين الدولارات من أجل أبحاث معقّدة نشكّ نحن العرب بأمرها إنسانياً وأخلاقياً، لا تأتي نتائجها الهزيلة مقارنة بمعجزة الولي علي إلا بعد سنوات طوال من تجارب على الحيوان والبشر، ونشر البحوث في المجلات العلمية العالمية.
عمل الشيخ علي مثير للإعجاب والتقدير، وما علينا إلا أن نصدقه ونمنحه الفرصة ليبزّ بمعجزته الكبيرة دكاترة أمضوا زهرة عمرهم وذاب نظرهم في أبحاث وكتب معقدة . ومنْ يدري ؟ لعله بعمله الجليل هذا يشقّ لنا الطريق نحو نوبل التي تتخطانا وتذهب للملاعين اليهود . إن تشكيكنا في الحدث يؤكد ما قاله أحد هؤلاء البسطاء المسالمين : فعلاً .. لا كرامة لنبي في وطنه ، لو كان الشيخ علي في بلاد الغرب لوضعوه على رأسهم.
هيا ~ كونوا أمناء وأجيبوا : منْ منكم لن يفقد عقله في اللحظة الأخيرة ويلجأ إلى الله أو إلى خزعبلات الشيخ علي فراراً من عزرائيل ؟ نعم .. هكذا .. كنْ مثلي شجاعاً وقلْ إن منطق الحياة هو الأقوى، وأنك مستعد أن تتحالف مع الجن الأزرق والعفاريت لتحصل على رمق الحياة.
كان من المفروض يا جماعة أن نخرج مظاهرات نغني فيها : باحب عيادة الشيخ علي وباكره مايو كلينيك .. بالروح بالدم نفديك يا علي .. ثم نهتف مندّدين بالإمبريالية التي ألْهتْ حكام أنظمتنا العربية عن كرامات الشيخ.
علامَ المكابرة يا إخوان ؟ وقد فتح لنا الولي علي بابا مغارة الكنوز العلمية.
طوبى للحاج ( علي بابا ) الذي بحفنة من الرمل وشيء من البصاق و اِفتحْ يا زمزم ، استطاع أن يحقق أملاً لليائسين، وطوبة على رأس علماء الدنيا وأبحاثهم المضنية المستنزِفة للأموال المهلكة للبشر والنبات والحيوان، وتوبة إذا تشكّكنا في معجزات منْ اختارته العناية الربانية.
ألا يشفع للشيخ وبصاقه المبارك أنه لن يكلّفنا قرشاً باختراعه هذا ؟
فإن كانت الحلول تأتي بهذا اليسر، فلِمَ نضيّع عمر أولادنا في طلب العلم ولو في الصين ؟ خطفة رِجْل إلى الصحراء المباركة مع تشغيل العقل وسترى نفسك أمام الحلول السحرية . فلْنواصلْ الدعاء تلو الدعاء صباح مساء ليزيد الله من رمال الصحراء ، وما على الشيخ علي إلا أن يُكثِر من أكل الليمون ليزيد معدل إفراز بصاقه الكريم ، ذلك أن ناقل الخبر أكّد أن طالبي اللجوء إلى عيادة الشيخ علي يقفون طابوراً من هنااااااا ~ إلى هنااااااك .. عشرة داخلين وعشرة طالعين !!
فلْيشربْ المعترضون ماء البحر ، ولْتخبطْ إسرائيل ورئيس مركزها العلمي العالمي للأبحاث الطبية المتقدمة رأسَيْهما بأقرب حائط !!
آه يا وطن ، يا أصل إنسان الكذب !

هذه عيّنة تتكرر بصورة أو بأخرى في المجتمع المؤجّر عقله، ليس في أوساط أنصاف المتعلمين فحسب، بل حتى بين المتعلمين، يساهمون ( بإرادة مغيّبة ) في ترسيخ الجهالة والجمود، بعدم شجبها أو طرح السؤال حولها أو حتى الدهشة.
هؤلاء منْ اصطلحوا على تسميتهم بالمعتدلين المسالمين، اللامبالين بحقهم الإنساني في الشك عندما كبّلتْ عقولهم الثقافة الإذعانية باجتهادات متقوقعة، مجتمع ( العنعناتيين والعنعناتيّات )، يتناقل فيه البسطاء والمتعلّمون عن بعضهم بالتصديق الساذج، روايات اخترعتها مخيلة سارحة في فضاء عقلي متصحّر لا حدود له، تستطيع ملايين الخلايا المخّية التي تشكّله أن تنتج من الخرافات ما تصبح أعمال الجن والعفاريت وقدراتها العجائبية منزوية أمامها . إنها قدرة هائلة دون شك .. لكنها قدرة الأشرار على تهديم الإنسان والوطن والحياة.
المعتدل بانجرافه نفسياً مع تيار التعْمية والتخلف ولو لم ينخرط فيه، يرتكب جريمتين في آن واحد : فهو ليس فقط ينكر على نفسه حقّه الإنساني في التفكير والتدبّر، بل يعتدي أيضاً على حياة الوطن عندما يمكّن للظلمة من الانتشار، ليتمدّد الآخرون فساداً في ظلمة شمس عقله.
وأنا هنا لا أتحدث عن المغيّبين، فهؤلاء في حالة موت دماغي، إنهم يتنفّسون وقلبهم ينبض لكنهم فاقدو الوعي.

من الواهم الذي يقول إننا نختلف على الأنبياء ونتنازع عليهم ؟
الحقيقة أن الطمِعين الأنبياء يتنازعون على الأغبياء، ولم يجدوا في العالم كله أشد غباء من الإنسان العربي، فأنزلوا أثقالهم وأحمالهم في بلادنا الموبوءة بالجهل وتسطّح تلافيف مخّ أصبح عاجزاً عن الشك، فاكتفى بالصوم والصلاة والتطلّع المحموم إلى الحياة الفردوسية.
بلادنا لا ينقصها المصلحون المتنوّرون، لكنهم عاجزون عن تقديم خدمة للإنسان المكبّل بالخوف، المنْجرف بدروشة مدهشة مع تيار يغذّيه بالخرافة ساكنو المغارات المعتمة ، الحرامية سارقو العقل .. أكبر جوهرة ألماسية في الوجود.
هذه دروشة لا تساعد جهود المفكرين على قطع المسافات الهائلة التي تفصلنا عن المدنية والحداثة، والموقف من القضايا المصيرية يرفض الاعتدال.

للمرضى المسلمين وصفة الطين المخلوط بالبصاق وماء زمزم المقدس، وللمرضى المسيحيين مسحة المرضى من قطن مغموس بالزيت المقدس، وللشيوخ والقساوسة مشفى مايو كلينيك المقدس.
ملاحظة : الحاجة التي تباع لا تردّ ولا تبدل.

للجهل قدرة مخيفة على الخلْق.
خلق كائن غاية في القبح ، يا محلى مسخ فرانكشتاين أمامه !

للمراجعة :
اليهود حزب الله المختار
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=439505
اليهود : اختارهم الله لكنهم اختاروا الحياة !
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=439797
وغربتْ الشمْسان في عيْنٍ حمِئةٍ
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=441604
اشربْ خمْرك عمْداً وامسحْ وجهك حمداً !
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=442817