الإرهاب السلطوي

محمد طلعت
2014 / 11 / 30

بداية القول يجب الاعتراف بأن الإرهاب صناعة داخلية في الفقه الإسلامي المتشدد، ابتكرته الجماعات المتطرفة كأسلوب ومنهج تعبير عن إيديولوجيتها، التي انتسبت للإسلام طمعا في حكم الدنيا تارة باسم "الخوارج" وفرق التطرف والغلو والبطش وتارة باسم الخلافة الإسلامية، وعلى رأس هذه الفرق المتفرقة والمتشتتة تأتي فرق النظم الحاكمة وحاشيته التي وزنت فتاوي الفقهاء بالذهب تلك الفتاوي التي تنص على تكفير كل فكر ناضج يؤمن بإعمال العقل وحريته بغية التسطيح السياسي للشعوب، لخلق الخمول الثوري الذي نعيش فيه حتى الآن. تبقى مصيبة المصائب إن كل فريق من أؤلئك سواء الرسمي أو غير الرسمي يأتي بأسنايد قرآنية تدعم موقفه الإرهابي.

يتسم الإرهاب الذي غرقت فيه أمة الإسلام بالجهل والعنف لعدم فهم عولمة الإسلام وكتابه ومنهجه في رصد سعادة الإنسان بل في خلق إنسان سوي بلا إرهاب. وإرهاب بعض الجماعات الإسلامية رغم أنه يتمسك بالقرآن كسند شرعي مبررا العنف والقتل لترهيب الناس، فقد نسى قول الحق في آيته الكريمة في أول سورة طه(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، فعندما نتأمل هذه الآية الكريمة نجدها ترسم النهج والمنهاج لحياة سعيدة بلا شقاء للبشرية وخاصة المسلمين المتمسكين بقرآنهم. والسؤال الآن ماذا أصاب المسلمين في دينهم؟ ولماذا ابتعدوا عن آيات الترغيب والنهج السليم في كتابهم الكريم؟ والأخطر، لماذا حُرِّفت آيات قرآنهم وتم تفسيرها حسبما يتفق مزاجهم؟

إن الدين الإسلامي هو أحد السمات الرئيسية التي ميّزت المسلم عن غيره من الناس، تميزا قائما على التعارف والإخاء. تصديقا بالآية الكريمة للحق سبحانه وتعالى( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ). وهذه المحبة في المعرفة والتعارف كانت ومازالت الميزة الإسلامية التى اختص بها الله المسلمين. إذن كيف نلوى حقائق الطبيعة وفطرة المسلم المجلوب على محبة الآخر وإخائه والتعامل معه إلى معرفة وتعارف قائم على الفزع والتفجير والقتل، وذبح الرقاب باسم الدين الإسلامي.؟!

وإني هنا لأتعجب من أنظمة سلطوية مستبدة سواء في زى ملكي أو عسكري ترعى الجماعات المتشددة وتغدق عليهم بالمال والدعم، فضلا عن تفريغ كم هائل من المنغلقين فكريا وفقهيا؛ فعلي الممالك والجمهوريات الإسلامية والعربية أن تكف عن اللعبة السياسية وزج الدين بها، لتفريخ المتطرفين وضعفاء البصر والبصيرة، وتصديرهم للعالم الآخر ثم تبكي باحثة عن سبل النجاة أو تفويضا.

أنا هنا لا أمارس دور المحامي عن الإسلام بل أمارس دوري كإنسان مسلم يعى خطورة إسلامه إن انغلق على ذاته، فأمامه خياران لا ثالث لهما إما أن يكون منعزلا أو إرهابيا وفي الحالتين يكون كارها للبشرية، ومن هنا الخطورة. ومن هنا يأتي دوره كمحامٍ عن الشيطان. شيطان شهواته المتسيدة لجذب رقاب العالم تحت أمره عبيدا وجواري وسبايا في دولة لا يراها غيره.. بهذا الدفاع عن إسلامه المتخيل يأتي التعبير بالتفجيرات وقطع الرقاب وارتكاب كل المحرمات في حق دينه باسم دينه وباسم رب دينه. هذه الشهوة وهذا الدفاع كامنان في جينات العربي المسلم في أسوء فتراته السفاحية الديكتاتورية سواء على مستوى المحكوم أو الحاكم، أو على مستوى الأسرة أو المجتمع. كلنا بشكل ما ترتع بداخلنا جرثومات الإرهاب في بذور شهواتنا والدفاع عنها بمنطق التبرير وسفسطة تحريم الحلال وحل الحرام. هذه الحظيرة من الجرثومات مَن بخ فيروسها في عقولنا وفي أرواحنا؟

إن الممالك والجمهوريات العربية والإسلامية التي رعت الفكر المتأسلم المنغلق ككيان موازٍ للفكر العقلاني والثوري في فترة السبعينيات لتحقيق معادلة التوزان السياسي الداخلي لبلادهم، وهذا لضمان إفراغ الشعب من كل ما هو ديمقراطي، وتشتته بين السلف والحداثة؛ فأكثر المتطرفين خارجين من السعودية والمغرب والأردن ناهيك عن الجمهوريات العسكرية أو الأشبه بالعسكرية التى لعبت نفس لعبة الممالك مثل مصر واليمن وليبيا وسوريا وتونس والجزائر والسودان. فلماذا أبقت هذه الدول على دعمها لهذا الإرهاب؟

إن البحث عن نطاق إجوبة للاستفهامات السابقة بالضرورة يجب أن تتضمن على لواحق إيجابية بقيمة العمل على التغيير وإدخال النظرية في حيز التطبيق. بدعم الأفكار والرؤى وتنفيذها على أرض الواقع.. فالمقترحات والأفكار ستبقى حبيسة الورق إن لم تخرج من نطاقها بدعمها السلطوي من قبل الدولة. شماعة المجتمع باتت علكة مرة ماسخة ماعدت تنطلي على أحد، خاصة وأن الباحث في شئون الشرق الأوسط على وجه التحديد المنطقة العربية يعلم علم اليقين إن طبيعة هذه المجتمعات طبيعة تابعة تتبع الأمر العالي ثم تنفذه، وهي علاقة ذات صلة بالثقافة الدينية برمي الأمر كله على الخالق، والخالق قد تجسد في كثير من المورثات الشعبية والفقهية على صورة الأب"مجتمع أبوي" أو على صورة الحاكم القائد الملهم والزعيم الأوحد الذي يري ما لايراه شعبه. هذه تركيبة لا عيب فيها وعلينا التسليم بها، ومن هنا وجب الانطلاق بناء على أمر "الباب العالي".

ولعل ما حدث أمس من حالة التعاطف مع مبارك وتمجيد السيسي في الوقت الراهن في مصر(!).. وما يحدث في المغرب الآن من غضبة الطبيعة وحمل جثث ضحاياها في عربات الأزبال في حين أن الشعب المغربي يتعاطف ويدعوا بشفاء مليكهم من دور الحرارة التي أصابته(!).. والهتاف البادي من الشعب السوري بذكاء بشار الأسد الذي جلس وحيدا فوق خراب وطنه(!).. كلها نماذج تؤكد طبيعة شعوبنا التى تمجد بصفة وراثية للحاكم أيا كان الاختلاف عليه.. وهنا يبرز دور السلطة الحاكمة في شخص الحاكم إن أراد تطوير شعبه من الفكر الإرهابي ولسوف يفعل.

وهذا إيمانا منا بأن دائما القائد هو المسؤول الأول والأخير وهو الوحيد الذي سوف يخط اسمه بالتاريخ وفي الوجدان بالسلب أو بالإيجاب.