رواية - على أبواب بغداد- رهبة الحَدَث وغرائبية السرد

عامر هشام الصفّار
2014 / 11 / 26

رواية " على أبواب بغداد"
رهبة الحَدَث وغرائبية السرد
تحسن مجلة "دبي الثقافية" عملاً وهي تصدر مع عددها الشهري كتابا لقرّاء المجلة، فها هي في العدد الصادر في أيلول/ سبتمبر 2014 قد أصدرت رواية الكاتب والسينمائي والمسرحي العراقي قاسم حول لتكون بعتبة نص " على أبواب بغداد" وبتعريف مختصر تحت العنوان الرئيس يقول أنها " رواية عن الحرب على العراق تدور أحداثها في نيسان/ أبريل 2003". وقد أهدى المؤلفُ روايته الى المصوّر المبدع ماجد كامل.
وقاسم حول مخرج سينمائي أديب مسرحي، له في القصة القصيرة مجاميع صادرة قبل زمن، ولكننا لم نقرأ له رواية من قبل، وعلى ذلك فهي روايته الأولى التي مهّد لها تعريفا وتوطئة بصفحة واحدة عن أبواب بغداد في التاريخ، فأشار الى الباب الشرقي، وباب المعظم، وباب الدروازة وأبواب أخرى.
ومن حق المؤلف العراقي أن يكتب عن حرب مرّ بها وطنه وما زال. وقل هي حروب وليست حربا واحدة، فإذا كان الروائي الفرنسي الفائز بنوبل الآداب لهذا العام باتريك موديانو ما يزال يكتب رواية الحرب متأثرا بالحرب العالمية الثانية وما جرّته على مدينته باريس، فما بالك بالكُتَّاب العراقيين وهم عاشوا ويعيشون أزمات حرب تشكلّت وتنوّعت وعانت منها مدنهم ما عانت؟.

على أبواب بغداد والسرد بلغة السينما:
وكل روائي لابد له من أن يتأثر بواقعه ومعايشته ومعاناته، وقاسم حول سينمائي يتعامل مع كاميرا وممثلين وسيناريو ومونتاج، وهكذا أختار الشخصية الرئيسة في الرواية لتكون شخصية عبد الله ( والكل هم عُباد الله) مصورا سينمائيا محترفا، عاشقا لكاميرته كأنها بعض معيته. وهو عندي مثل المصور الحربي سيسيل بيتون والذي أنطق الصورة لوحات معبرة عن الحرب العالمية الثانية من الجبهة البريطانية. ثم أن عبد الله العراقي الشخصية في رواية قاسم حول لا يكون إلاّ الأبن الوحيد لعائلته حيث توفي الوالد بدواء مغشوش في فترة الحصار على العراق في التسعينيات من القرن الماضي، وفُقِد أخوه في حرب ضروس بين العراق وإيران في الثمانينيّات.
ويعرف القاريء أن أم عبد الله تريد أن يتزوج أبنها ولكنها معاناته الشخصية وشحة راتبه مما يمنعه من ذلك فيبقى وحيدا. ولكنه مع كاميرته التي راح يركب المخاطر ممسكاً بها وهو يرى في جبهة جنوب العراق تقدّم قوات التحالف لغزو بلده وأحتلاله، فيشمّر عن ساعديه مصّورا بكاميرا الفيديو ما يعتقد أنه مما يمكن بثّه عبر قناة تلفزيون وطني لم تعد موجودة عبر الأثير... "صعدوا في سيارة البيكاب وتوجهوا نحو معسكر عبر الزبير. حمل عبد الله كاميرته وأصرّ على الذهاب معهم".. فأذن يبقى عبد الله الشخصية المحورية في الرواية والمعادل الموضوعي الدلالي للشعب النقي الذي لا يمكن أن يخون نفسه.. " لم يفكر عبد الله يوما في الموت .. لم يخن الحياة يوما.. لم يخن الوطن يوما.. لم يخن نفسه يوما في قيمها وصفائها.. شخصية رومانسية وحالمة.. وقد خسر الكثير على المستوى الشخصي بسبب أحلامه ونقائه"..
وتتناوب شخصيات قليلة أدوارها في الرواية ضمن الفضاء الذي يشمل ساحة الوطن العراق كله، ليكون الملازم سهيل صديق عبد الله صوت ميدان المعركة حين يشتّد سعيرها ولظاها، ومثله العريف عبد القادر. وليكن جيمي وفرقة الماء الأسود أو البلاكووتر وبندقية الأم سكستين منفذ الراوي لمحاكمة الآخر الغازي، وليكن الصبي بائع البنزين بطل لقطة سريعة داخل الرواية يذكّر القاريء من خلالها بأن " كل العراقيين يموتون بدواء مغشوش ويستشهدون في حروب مجانية؟!.." ومثله ذاك الصديق الصيدلي الذي يثير من خلاله الراوي موضوعة الحرب والبيئة وإنتشار الأمراض الغريبة في الوطن. ولتكن شخصية منيرة تلك الفتاة التي أراد يوما أن يرتبط بها، فإذا هي الحلم الذي لم يتحقق حيث تذكر في حكمها عليه " لو أردت الأرتباط بك كزوجة فعليك أن لا تكون مصوّرا على الجبهات.. لقد صورّت كثيرا على الجبهات، فقاتل على جبهة القلب يا عبد الله".
رواية الحرب العراقية:
وهكذا يسرع السردُ وتأخذ فصول رواية " على أبواب بغداد" أرقاما تساير رحلة زمن تنمحي المسافات فيه وتضيع في خضم رائحة البارود والموت القادم، فتضيع من عبد الله الكاميرا وتصادر، الاّه ذاك الشريط الوثائقي الذي تمكن من أخفائه عن العيون حتى اذا ما أراد بثه وجد نفسه في بناية الأذاعة والتلفزيون وهي خالية إلاّ من موظف أرشيف ظَنّه أنه سينقذ أشرطة المذيعين والمطربين والمبدعين العراقيين من مكان سيقصف بعد قليل ويضيع كل شيء حيث بقي عبد الله مذهولا في مكانه وكأنه في يوم القيامة. وها هي شخصية الأم.. أم عبد الله التي تبقى محور الرواية وهدف السارد منذ البداية حيث يفتقد الأم وهو البعيد في جبهات قتال.. وتفتقده هي.. وحيدة تصارع رهبة القصف الجوي حتى يبتدع الروائي تقنية الحلم بناءا وتعدد المصائر والنهايات أسلوبا (وهو المخرج السينمائي) فيلّف نهاية الرواية غموض هو مقصود بحد ذاته، إيحاءا بغموض وغرائبية مستقبل بغداد وبواباتها. فهل فارقت أم عبد الله الحياة ؟ أم أنها أصبحت أيقونة بغداد وأصبح بيتها مزارا يبحث فيه الناس عن بركات أفتقدوها؟.. وبذلك تتيح تقنية مزج الضمائر (ضمير المتكلم والغائب والمخاطب ) للراوي العليم، الحكي المفتوح على التفصيل والتفسير الموجز لما صار عليه الوطن ولما سيصير عليه أسبابا ونتائجا.
ورواية " على أبواب بغداد" بعد ذلك تعتبر رواية حرب عراقية تناولت ظرف غزو العراق من خلال عيون مصوّر تلفزيوني عاش الحرب بكاميرته وأثار أسئلة عن أسبابها ومآسيها. فهي ليست رواية حرب تقليدية يخوض شخوصها المعارك بأسلحة معروفة. كما أنها -أي الرواية-،تعرض لما جرى في نيسان 2003 وبشيء من التقريرية والتسجيل والتوثيق أحداثا، فكانت اللغة سريعة واضحة بسيطة لا يعتريها الغموض ولا تصعب معانيها وتعبيراتها على القرّاء.
ولقد أحسن مصمَّم الغلاف بأن وضع صورة فوتغرافية نشرتها وكالات الأنباء العالمية حينها عن قصف قوات التحالف الغازية العاصمة بغداد، حيث طغى على الصورة لونا أحمرا ودخانا كثيفا، ملأ الجانب الأيمن منها ليأتي العنوان صارخا..."على أبواب بغداد".