حادة ...و اخواتها

الرفيق طه
2014 / 11 / 25


حادة ... و اخواتها


بالمدخل الصغير للمعمل منعها ابا هشوم من الولوج لاستئناف العمل . " حادة ،الشاف قويدر امر بتوقيفك عن العمل الى ان يعود " ، هكذا خرجت تلك الكلمات يابسة متحجرة من فم البواب ابا هشوم ، وجبينه يتصبب عرقا رغم البرودة الشديدة لهذه الصبيحة من الايام الاولى ليناير . ابا هشوم ليس حارسا للمعمل فقط بل كان للعاملات بمتابة الاب الحنون و كان المرجع اذا اشكل عليهن شيىء او اعترضتهن عقبات ، كان لحادة خزان الاسرار . مرات عديدة كا ن اباهشوم يدفع ثمن هذا التعاطف من قوت عياله . و كان امر التوقيف كالصاعقة عليه خاصة في حق حادة اقدم العاملات .
حادة لم تصدق الامر في البداية ، لانها تعرف ان باهشوم يهزل كثيرا مع العاملات اثناء الدخول او الخروج حين يفتشهن . مهمة التفتيش هذه يرفض تاديتها لكنه الفها كما الفتها العاملات و لم تعد عقدة لديهن ان يفتحن صدورهن او نزع جزء من ملابسهن امامه . حادة تغيرت حين اكد لها باهشوم امر التوقيف و بنبرة الجدية لا المزاح . استبدلت ابتسامتها التي نفخت وجنتيها بدمعتين حاميتين على خدين احمرا ببرودة صقيع الصباح .
سالت باهشوم عن السبب و لم يعرها اهتماما و انغمس في عملية تفتيش زميلاتها بتلمس الجيوب و الاماكن المنتفخة من اجسادهن .
اصيبت بصدمة لجهلها بسبب التوقيف عن العمل . غيابها اليومين الماضيين كان بترخيص من الشاف قويدر ، و المبرر حضورها امام القاضي بمحكمة الاسرة بمعية زوجها للطلاق الذي لا يقبل نيابة احد .
بكلمات ملعثمة تتدحرج من حلق مكلوم يابس حاول باهشوم مواساتها و هي تبكي بصمت على حائط المدخل " هذه اوامر الشاف اقويدر وانا عبد مامور" .
الامر جدي زميلاتها العاملات يلجن باب المعمل .المنع يطال حادة وحدها .صحيح ان باهشوم كثيرا مايمزح لكن مزاحه غالبا ما يكون موجها لاستعادة الابتسامة المفقودة على الشفاه و الوجوه . انهارت الشابة رغم تماسكها وسقط كيس بلاستيكي رمادي من يدها اليسرى ،زادها اليومي لرحلة العذاب في دهاليز البحث عن لقمة العيش . انهمرت الدموع حارة مؤلمة كالجمر على خدين مصفرين بتقاسيم بدا زحف الزمان عليها ، رغم انها في منتصف عقدها الثالث .
زميلاتها لازلن يتدفقن كالسيل على الباب . بعضهن يلقي التحية على حادة قبل الوصول الى يدي باهشوم للتفتيش . وبعضهن يتفادى النظر اليها اما شفقة او خوفا . الخوف يتملك الجميع في المعمل . والويل لمن يتجرا على مخالفة اهواء الشاف . من اغضب اقويدر اغضب الكل ، لان من صادق عدو الشاف قويدر جلب الانتقام ضده . كلمة الشاف قويدر هي العليا ولا راد لحكمه ، فمجرد التحية على مغضوب عليه كحادة يعني تطاولا وتمردا على الذات الشافية .
الشاف اقويدر لم يكن بهذه القسوة مع العاملات ، فقد كان في بداية عهده كرئيس يشفق ويتعاطف معهن. و لكن مع مرور الوقت اصبح كوحش كاسر يعاند شراسة الباطرون و ابنه و حتى زوجته . و كان الباطرون يقول دائما لقويدر الذي تربطه به علاقة ما ،" هؤلاء قاع المجتمع وحثالة الكون ، اياك ان تتعاطف مع احد ، كل طيبوبة يفهمونها ضعفا ، هؤلاء ذئاب في جلد نعاج ، اياك ان تنخدع... " .
انتهى توقيت الدخول ،و انقشع ضوء النهار و بدات انارة الازقة تنطفئ . لم يبق احد خارج المعمل غير حادة . منزوية بالقرب من الباب تبكي حظها التعس . حتى الذين يدقون الباب لاغراض اخرى يجيبهم باهشوم من خلف الشباك الحديدي للباب . اجوبة باهشوم شحيحة و متشابهة على اغراضهم التي لا تختلف في اغلب الاحيان مما يوفر على باهشوم عسر وشح الاجوبة .
حالة حادة تلوكها السن زميلاتها داخل قبو يسمى مستودع الملابس . حالة هلع تعم الجهة التي الفت حادة . فقد اختلفت تقديرات زميلاتها لعملية توقيفها المفاجئ.
فقد اكدت المزابية انها لم تتفاجا بطرد حادة لان غياباتها تكررت، كما ان مزاجيتها وعنادها كان وراء هذا الطرد. في ما اكدت حليمة بنت عوينتي ان العلاقة السيئة بينها وبين الشاف قويدر هي السبب ، وان سخونة الراس لاتجلب الا المشاكل . وقالت فاطمة بنت القرشي ، وهي تشد وشاحها ، لاحق لنا في مخالفة اولياء الامور. وبخبث اكدت عائشة المعروفة بالميسخة " الله سبحانه امرنا بالطاعة ولا يصح ان نغضب اولياء الامور" . وبقهقهة عريضة و موجعة اردفت غضيفة "الله اصاوب نحن في الاخير وليات لا احد يسمع صوتنا".
بمجرد اقتراب ليلى تعطلت لغة الكلام واصبح الهمس مرفوقا بالهمز واللمز والكنايات .تعودت العاملات على دخول ليلى يتلوه دخول الشاف قويدر الذي يتعمد مباغثة بعضهن شبه عاريات .
" الي عندها شي اشغل تمشي ليه "، هكذا جاء صوت الشاف قويدر قويا يهز الاركان داخل المستودع . بسرعة دخل و صرخ و بعثر ما صادف امامه من اشياء و حتى اجساد و غادر المكان .
ما ان غاب عن انظارهن ، عادت زميلات حادة لحديثهن ، عبرت احداهن عن سخطها لطرد زميلتها حادة التي افنت عمرها في خدمة الشركة . و قالت اخرى كان عليها ان تغير اسلوبها و تعاطيها مع الرئيس و هي صاحبة تجربة بلغت اثنى عشر سنة من العمل هنا . في ما قالت اخرى ان ما فيه حادة هو نتيجة موضوعية لتكبرها و عدم وضع راسها امام قطاع الرؤوس . كيف لها ان ترفض طلب الشاف قويدر، و قد لبت رغبته حتى العازبات من الزميلات . كلنا نفتح المجاري لتسهيل سيلان المياه ، خاصة و انها امراة و لن تفقد شيئا معه . اجابتها اخرى "الحقيقة اننا جئنا هنا للقمة حلال من عرق جبيننا و ليس من اجسادنا ، لكن حتى هذا الحلال يقف بيننا و اياه الشاف قويدر" . لكن اخرى عبرت على انها لا تختلف عن حادة في شيء ، ترفض العبث بكرامتها و جسدها حرمة مقدسة عندها لكن ظروفها جعلتها تستسلم لواقعها ، لكن بنت رحيمو ( رحيمو تعمل منظفة بادارة المعمل ) ختمت حديث العاملات بقولها ان الشاف قويدر يتميز عن المحاسب بوفائه لوعده الذي يقطعه على نفسه . الشهر الذي يعاشرك فيه مرة لا يقتطع شيئا من اجرتك . لكن المحاسب فلا يتنته طلباته و لا يفوت فرصة تجمعه بعاملة و لو بقبلات في مكتبه .
انتشرت العاملات داخل المعمل يعملن و حناجرهن شبه مبحوحة من كثرة الهتافات المطالبة بكرامتهن . اتفاق ضمني ،تواطؤ جماعي على الاحتجاج الداخلي ،غير المسموع ،الكل يلعن ويسب ، البعض اختار الصراخ كاحتجاج ، و البعض اختار البكاء كطريقة للرفض.
انه بكاء سري وغضب سري واحتجاج مكتوم و سب لا يسمعه احد ، و لكنه يرتسم على وجوههن و على تفاعلهن مع الشعاع الذي ينقشع نورا من الجهة اليسرى للمعمل .
الشاف قويدر يصرخ ويسب ويلعن والعاملات يعملن ويواصلن الاحتجاج ، بتواطئ مكشوف يواجهن الظلم باضعف الايمان .
اما حادة فلم تفارق الباب ، بل كانت تكلم نفسها وتخاطب الشاف اقويدر باي ذنب طردت . غابة من الاسئلة الدامية الموجعة ، وصحراء من الاجوبة القاسية .
انفتح الباب و اتى الشاف قويدر مبتسما و مرحبا . استقبلته في حضنها و قبلت يداه ،و راسه. بدموع باردة شكرته على رحمته لضعفها و عاهدته باخلاصها لاوامره . حادة تجلس و تقوم ، تمشي قليلا و تتوقف ، في غيبوبة تامة تطاردها اسئلة بدون عناوين .
استيقظت حادة من غفوتها على الصوت المبحوح لباهشوم ، و عادت تواجه الواقع المر بعناده . باب المعمل موصد ، و الشاف قويدر لا اثر له ، و الامل تبخر ، و الشمس توسطت في السماء ، وقت الظهيرة قد حان . وضعت حقيبتها على كتفها المرتخي ، و سارت تعد الخطى بين دروب و ازقة الحي الصناعي التي خلت من المارة ، و لا يمزق الصمت فيها الا صوت سيارات و شاحنات و بعض الباحثين عن شغل .
تشعر بقساوة طعنة الغدر كجرح غائر في قلبها . عاندت حيوانية الشاف قويدر لسنوات ، لكنها استسلمت لساديته في الشهور الاخيرة . لم تتوقع منه طردها من العمل بعد ان لبت رغبته في التهام كرامتها ، و النيل من همتها . وحش غادر لم يطردها حين كانت تعاند رغبته و امام كل زميلاتها و تفتخر بقوتها لكن اليوم قفز بعد ان سرق حريتها و رزقها .
تذكرته حين كان ينهش جسدها و رائحته النتنة تزكم انفها . تشعر بوجع الاسنان حين تعيد لحظات وقوعه عليها و هو يلهث ككلب في حرارة الصيف و لعابه على عنقها كلعاب بغل ملجم .
تسير على الطريق تحت شمس الظهيرة مضطربة لهول مصابها و لظلمة المستقبل امامها . و مازاد الجرح عمقا الغثيان و وجع الراس الذي تشعر به . فلا هي ترضى بحمل من الشاف قويدر و لا بامكانها انتسابه لزوجها السابق الذي لم تعاشره لاكثر من اربعة شهور .
ما ان همت على فتح باب مسكنها القصديري حتى سمعت صراخ ابنها الصغير يبكي و الجارة ،شريكتها في الكراء ، تخبز و تصيح لاخته ، ذات الثلاث سنوات ، اهتمي باخيك .
دفعت حادة الباب و حملت ابنها في حضنها الذي اخذ يعتصر ثديها .
سي محمد طه
الدار البيضاء 24/11/2014