اِشربْ خمْرك عمْداً وامسحْ وجهك حمداً !

ليندا كبرييل
2014 / 11 / 23

كمْ حاولت في الحقيقة أن أصل إلى وجه الاختلاف بين المعتدل والمتطرف .. فلم أوّفق . مجتمع بكل درجاته وفئاته لا يمكنه التملّص من ثقافة تنظر بالريْب والشك لكل مخالف لدينه ( الرسمي ) أو خارج عن مقرراته.
في احتكاكات نقاشية، كان هناك شيء ما يردّ المعتدل إلى حالةٍ تتشابه إلى حدّ بعيد مع المتطرف، مهما كان هذا المعتدل متسامحاً أو مسالماً . وشعرت دوماً أن الفارق بينهما في وضوح الصورة أو غموضها، في درجة لونها الفاتح أو الغامق، في حجمها الكبير أو الصغير.
هل من اختلاف ونقطة الانطلاق واحدة ؟ تحكيم النص الإلهي، المنزّه عن الباطل، المنزّل لخير الإنسان المحكوم بمنظوره، تتغيّر الظروف وتتبدّل العصور ويلد إنسان جديد والنصوص هي هي صالحة لكل زمان ومكان ؟

حاولْ خوْض جدالٍ مع المسلم في قضية تتعلّق بعقيدتك التي ورد ذكرها في القرآن . وعادة يبدأ الجدال من الطرف المسلم الذي وُلِد الميل الغريزي لديه لإصلاح الكون وهو جنين في رحم أمه، وولِد مع المسيحي شعور غريزي بأنه لا جدوى من نقاش عقيم في بيئة مصابة بالتوحّد والتكرار غير المنتِج . عقيدتك التي لم ( ينقذ ) المسلم منها سوى الصدفة التي أوجدتْه في بيئة مسلمة ! لم يعرف آباؤك غيرها، وجاءتهم قبل الإسلام بمئات السنين، ونشأتَ من طفولتك عليها، وربّيت أولادك في رحابها .. سترى ردّ الفعل واحداً في حوار المتعصب العنيف والدرويش المسالم، يختلف فقط في (شدّته أو لينه) . سيبادرانك بعبارة : لا اجتهاد فيما أُنزِل على النبي محمد من عند الله كلّي الكمال والقدرة والحكمة، لمصلحة الإنسان الموصوف بالنقص والضعف والتهوّر والهوى.

لكنها عقيدتنا يا أخي ولا أعرف غيرها .. هل ستنشف مياه الأنهار، أو تهوي النجوم أو تلحقك أذية إن آمنتُ بها بهذا الشكل ؟ كان يمكن أن أتركك في شأنك ودروشتك لو لم تتدخّل في شأني، وتسخيفك للمضحكات في عقيدتي يعطيني الإذن لأحشر أنفي في السخافات التي تملأ عقيدتك أنت أيضاً، فدَعِ الله الذي قرّر مصائرنا يحاسبني، أم على بالك أن تشتغل (الله) علينا ؟ لو أراد ربك لجعلنا أمة واحدة من البداية كما يقول في كتابه الكريم الذي تؤمن بكل حرف فيه، أنا كافرة أنا مشركة وأنا راضية بجهنم تشويني كالفروج مصيراً لي ، وبعد؟ ماذا يهمك من أمرنا ؟ انصرفْ إلى الاختلافات بين أبناء دينك نفسه، حلّ عن سمانا واعتنِ بترتيب بيتك ثم تعال وحاسبْنا .. هل ترى البلاد العلمانية تسوق مواطنيها بالعصا أو بالنار على هدى الإنجيل والتوراة كما في بلادك ؟ أليس القانون المدني فيها يحكم الجميع سواء وبحقوق الإنسان تهتدي ؟ أم أن المسيح عقدتكم الأبدية ؟ هل علينا أن نهدّم المعبد على رؤوس منْ حولنا انسياقاً لرؤيتكم القرآنية ؟

وهل في هذا شك ؟ فأنتم مضحوك عليكم، وعقيدتكم كفر صريح وشرك، الصحيح هو ما جاء في التنزيل المحكم، في كتاب يحوي ما عرفه الإنسان وما سيعرفه، وكل ما لا يوافق هذا اليقين باااطل مزيّف مرفوووض !
طبعاً هذا ردّ المعتدل والمتطرف : بصوت هامس عند الأول وبصوت جهوري عند الثاني، بنظرات مترنِّحة عند الوسطي وعين وقحة عند الداعشي.

كذلك شملتْ قاعدة الدين الصحيح مالك الحقيقة المطلقة الأحاديث النبوية وكل كتب التراث الشارِحة والمفسِّرة .. ولا يهمّ ضعيفها أو صحيحها، مناسِبة للعصر أو مناقِضة، فكلها قيد الاستخدام من الجاهل والمتعلم، ففقدتْ الأحكام الدينية عمقها الإنساني وتركّزتْ في البعد الأسطوري.
وزاد من فداحة الأمر أن أقام رجال الله من أنفسهم حراساً للعقيدة محتكرين تفسير الحقيقة والكلام باسم الله، بل صاروا الله نفسه عندما لحقتهم العصمة، بحيث أصبح كلامهم مقدساً وقانوناً لا يمكن لإنسان نكرانه أو مخالفة النظام الذي فرضوه، فانساق المجتمع بكل أطيافه خلفهم يلهجون بذكرهم أكثر من ذكر الله.

المسلمون مأمورون أن يقفوا صفاً واحداً وقفةً واحدة على مسافة واحدة لا تقترب ولا تبتعد عن جوهر الدين الأزلي، فهل يصحّ استخدام كلمة : معتدل وسطي، أو متطرف سلفي في التصديق دون نقاش على أحكام قرآنية ؟
لا تخدعوا أنفسكم .. الدين لا اعتدال فيه، ولا شدة في التسليم به أو ارتخاء، ولا انتقاء من وش البسطة، فأنت لست في سوق الخضار تختار ما تشاء أو لتفاوض الإله على هذا الحكم أو غيره.
ليس في الإيمان رأي ثالث، فإما التسليم بكل ما جاء في القرآن المكي والمدني والسنة، أو التكذيب .. وعلى المسلم حينذاك أن يتحمّل نتائج إعلان تخلّيه عن قناعاته الدينية.
أو أنك باطنيّ تمارس التقيّة .. فأيهم من الثلاثة أنت ؟؟
لا تصدّقْهم .. إنهم كاذبون حتى لو ردّدوا صباح مساء لكم دينكم ولنا دين !
...........
{ وفي جلسة خمرٍ وسهرة حتى الفجر، عبَبْنا فيها من اللاذع والحلو والمرّ، ذهبتْ عقول البعلات والبعول في خبر كان، ودخل غيابها في خبر إن، ولبس ( الاعتدال ) وجهه الحقيقي !!
صال وجال الجاحظون في السفور عيوناً، المبحلِقون في النساء شبقاً، المطلِقون في العذراء وابنها لساناً، الخائضون في المسيح والموسى تحقيراً والرافعون في المحمّد تعظيماً، المستهزئون بالبوذية تجريحاً، المتنقّصون العلمانية والهارعون إلى عرينها زرافات ووحداناً ..
المعتدلون في دينهم نفاقاً جاءتْ الخمر لتغسل لسانهم من الكذب وتليّنه، وتزيح عن قلوبهم الساتر .. يا ساتر !!
ما أرقّك يا أبتاه .. وما أرحمكِ يا أختاه !
هلمّوا إليّ بورق الكلينكس أمسح العين المدرار من دمع ينسكب، تأثّراً بالمنّة التي أسْبغها خلفاء الأمس علينا : أن أبقونا إلى اليوم على قيد الحياة.
طبعاً .. لا البوذي ولا عابد الحيوان ذُكِرا في التراث .. لو أخلصوا عليكم ، فإلى منْ سيتوجّهون باللعنات المقرَّرة على القردة والخنازير يا أنت ، للحجر ؟
اِفهموا يا بقر يا كفار ! وجود الأغيار دليل على تسامح الأخيار.
حقاً حقاً تقول .. يا مالك طلوع الشمس وظهور القمر.
على مخّنا فضّلْتم والله ، عفْوكَ .. رحماكَ يا سيد البشر ..!!
ما كان أحلاكم يا شطّار ! كنتم حلوين وحبايب ونظرات محتشمة وكلمات ناعمة، تقرعون الكؤوس بسند من أبي حنيفة وتأييده حتى ~ دارت الخمرة في رؤوسكم المرهقة بهذا حلال وهذا حرام وهذا مستحب وهذ مستكره وهذا يجوز وهذا لا يجوز ! فماذا حصل ؟
كنا يا جماعة نلعب الاستغماية وجاء دور الجدّ.
ما أظْرفك أيها الجد وما أروعك في سكرة الخمرة !

إن أردت حضرة القارئ أن تعرف الاعتدال في شخوصهم فاسْقِ السكارى وبشرط .. على طلبهم ! هنا بالذات تتغيّر شروط اللعبة وينكشف المستور ، أليسوا معتدلين في الدين ؟ بلى .. عَين على : قليل من الخمر ينعش النفس، وأخرى على لا تفعلوا وأنتم سكارى . وسترى كيف سيقطعون دابر المدّاحين للخمرة من أوّل (كعبو أبيض) ، فيجودون عليك بمعلقات أراهن على أنك لن تميّز بعدها بين الله والشيطان على لسانهم.
ولمَ لا ؟ ربّك أخي أبو صطيف لم يحرّم الخمر في جنته ، ادعسْ .. قدم واثقة في الجنة الدنيا أيضاً ما دام أبو حنيفة سانداً ظهرك .. سيدي وبلا منيّة أبي حنيفة.. عندك واحدة فقط من أركان دينك كفيلة أن تعيدك طاهراً نقياً ، صلّ ، زكّ .. كاسك خيّي صطّوف !
وتقرع كؤوس المعتدلين يداعبهم الأمل باليوم الذي سيُحَجّ فيه فيعود الإنسان طاهراً كما ولدته أمه ، وحتى ذلك الحين نوافيكم سيداتي سادتي ببعض المشاهد التمثيلية من صلوات يستقبلون بها وجه ربهم بالخشوع والاستغفار ، وبعض اللقطات المسرحية من فزورة رمضان التي فيها تتزاحم علامات الورع والتقوى على قسمات الوجوه ..
وأنا أقول لنفسي : ما له السيد وضّاح يصرّ على إطعامنا في رمضان ؟
ولما أردنا ردّ العزيمة ، رفض بعزيمة وإصرار ، قال : سيذهب نذري هباء.
تاريه يا إخوان عاوز يطلع على أكتافنا عالسما.

والسما زرقا ! ستبقون خير أمة مذيّلة الأمم ما لم تصْفُ نواياكم وتتطهّر قلوبكم من النفاق.
هذا حال الناس في المجتمع الذي لا يريد أن يخسر الدارين، يلقى الله بقلبه ويعمل مع الدنيا بعقله ويضع يد الشيطان في يده ويمشي مع الشيوخ برجله ويعود مع الجن إلى داره.
حرّك التبن قليلاً ليظهر رأس الحية.
البريء منكم من لوثة المودودي الهندي يرفع ( إيدو ).
والسليم من جناية العهدة العمرية يرفع ( راسو).
والمتطهّر من الولاء والبراء يرفع ( عينو).
عسى أن تبرؤوا من هذا التحليل الصبياني يا سادة، وتصرفوا عقولكم إلى المشكلة بجدية.
لا تجادِلوا العجائز المفعول بعقولهم، جادلوا الشباب الفاعل لمستقبله }.

وللحديث عن المعتدلين بقية، إذا أرادتْ الحياة وحتى تفرغ الجعبة.

ملاحظة واعتذار :
شكراً لمنْ اهتمّ بموضوع فتح باب التعليق، ولم يكن عذري في إغلاقه سوى أن الظرف لا يمكّنني من الردّ على المشاركات الكريمة.
باب التعليق مفتوح لمنْ يرغب بإدلاء رأيه وإثراء الموضوع، وأرجو قبول شكري سلفاً واعتذاري عن عدم المشاركة.
مع التقدير والاحترام للآراء المخالِفة والمسانِدة.