الاصولية الاسلامية والحضارة

رفعت عوض الله
2014 / 11 / 20


الاصوليون يتوهمون ان ما يتمسكون به ،ويقولونه هو الحق الذي لا حق سواه ، فكل ما عداه باطل تماما . يدفعهم هذا الوهم للجهاد لمحو الباطل أي كل ما هو مختلف عما يرونه
فهم في حرب حتي يتم النصر لهم ،وكيف لا تنتهي المعركة حتي ان طال امدها بغير نصرهم ،وهم من يملكون الحقيقة ويدافعون عما اراده الله ويريده ؟! فهم إلي جانب كونهم ملاك الحقيقة المطلقة مُؤيدون من قبل الله ذاته ، لذا فالنصر هو الغنيمة الكبري التي في أنتظارهم بعد طول كفاح وجهاد
الاصوليون الاسلاميون عبر تاريخهم يرون ان الحكم الامثل ، بل صورة الحكم التي يريدها الله هي الخلافة ، لماذا .....؟
نعود لبدايات الدولة الأسلامية في المدينة بعد حسم الصراع بين قريش والدعوة المحمدية ،وفتح النبي والمسلمون الاولون مكة ،وأستقرار الامر للنبي وصحبه ،واتباعه ... أصبح النبي والمبشر بالدين الجديد حاكما سياسيا يدير ويصرف امور الدولة الوليدة ،ويرعي شؤون الرعية
ولان الأسلام كما جاء بالقرآن دين وشريعة ،والمقصود بالدين هو جملة التصورات التي جاء بها الاسلام عن الله ،ورحمته بالإنسان ،والثواب والعقاب ،ووجوب اداء الفرائض ،والسلوك الاخلاقي ،والجنة والنار التي بانتظار المؤمن السالك وفقا لوصايا الدين ،وغير المؤمن السالك في الحياة دون اعتبار لاحكام الدين
اما الشريعة فهي مجموعة قوانين الهدف منها تنظيم حياة الناس الاجتماعية والأقتصادية بما يتفق مع معطيات الدين
فهي أذن اداة تضمن سير الفرد والمجتمع المسلم سيرا حسنا مضبوطا. الاسلام دين ودولة ، عقيدة وشريعة
هناك معنيان لمصطلح خليفة أُستخدما عبر تاريخ الخلافة الأسلامية : الاول يعني ان الخليفة هو من خلف الرسول اي من تولي ولاية الامر بعد وفاة الرسول ..وهكذا كان أبو بكر الصديق خليفة للرسول ، وعمر خليفة وهكذا
الثاني ظهر عندما تولي امر الخلافة الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور الذي اعتبر نفسه ليس مجرد خليفة للرسول ،ولكنه أيضا خليفة لله في الأرض فقد قال : " أنما انا سلطان الله في ارضه "
ذكرنا ان النبي بعد أستقراره في المدينة ،وتأسيسه للدولة الاسلامية في شبه جزيرة العرب ،أصبح إلي جانب كونه رسولا ومبشرا بالاسلام حاكما سياسيا غايته حفظ الدين وتطبيق الشريعة وإدارة شؤون الناس .. بهذا المعني فإن الخليفة إمام ،وحاكم سياسي دنيوي ، بعبارة آخري سلطان روحي وسلطان زمني .. ولعل هذه الوضعية للخلفاء المسلمين أنعكاس لفهم الأسلام علي انه دين ودولة وعقيدة وشريعة
الأصولية الأسلامية لا تقر ولا تعترف باية نماذج وأشكال آخري للحكم غير الخلافة .... بعد ان ألغي كمال مصطفي أتاتورك الخلافة الأسلامية العثمانية في سنة 1924والأصوليون الأسلاميون يعملون ويجاهدون من اجل عودة الخلافة وعصورها الزاهية
يرون ان سبب القضاء علي الخلافة كامن في المسلمين انفسهم . ضعف المسلمين وتخليهم عن احكام دينهم ،ومسايرتهم للحضارة الحديثة أضعفتهم مما ادي في النهاية إلي القضاء المبرم علي الخلافة متمثلا في قرار مصطفي كمال اتاتورك في سنة 1924
من كل هذا نفهم ان العلاقة بين الاصولية الأسلامية والحضارة الحديثة انما هي علاقة تناقض
علاقة التناقض في المنطق محكومة بقانون " إما .. أو "الذي يعني ان وجود " أ " مثلا يستلزم غياب "ب" بحكم التناقض بينهما ، فهما لا يوجدان معا ولا يغيبان معا ، فوجود الواحد منهما يعني عدم وجود الآخر
من هنا رأت الأصولية الأسلامية في الحضارة الحديثة نقيضا لها فلكي تحيي الخلافة الاسلامية التي هي التجسيد الحي لفكرها وأعتقادها وتوهمها فعليها ان تقضي علي الحضارة الجديثة التي لن تسمح بإحياء الخلافة الاسلامية الماضوية
عرفت الاصولية الأسلامية عبر تاريخها منظرين نظروا لافكارها الأساسية ونشروها بين جمهور المسلمين مثل الغزالي ،وأبن تيمية ،ومحمد بن عبد الوهاب ،وأبو الأعلي المودودي ،وحسن البنا ،وسيد قطب
بعد احداث 11/9 / 2001 التي نتج عنها تدمير مركز التجارة العالمي بنيو يورك ،والتي اودت بحياة الاف الضحايا ،شُكلت لجنة لبحث لماذا حدث ما حدث ؟ ..... جاء في تقرير اللجنة انه في فبراير 1998 سافر أسامة بن لادن برفقة أيمن الظواهري إلي لندن لنشر فتوي في جريدة عربية هناك ، مفادها ان امريكا أعلنت الحرب علي الله ،وعلي رسوله ، لذا فانه من اللازم قتل أي امريكي ،والقتل فريضة علي كل مسلم
وبعد بضعة اشهر علق بن لادن علي فتواه في حوار تليفزيوني قائلا : "قتل المسلمين للامريكان اهم من قتل الكفار "
وجاء أيضا في التقرير ان بن لادن يستند في فتواه إلي تعاليم سيد قطب المنظر الاصولي المنتمي لجماعة الاخوان المسلمين
وعن سؤال الامريكان " لماذا يكرهوننا ؟ " كان جواب أسامة بن لادن : " لقد هاحمت امريكا الأسلام ، وهي مسؤولة عن كل الصراعات الموجهة ضد المسلمين "
وجاء ايضا بالتقرير ان مكتب المخابرات الفيدرالية أكد في 4/3 /2001 انه ليس ثمة تهديد داخلي من تنظيم القاعدة ،ولكن التهديد وارد في اختطاف امريكان من خارج امريكا للمساومة علي الافراج عن الشيخ الاصولي المصري عمر عبد الرحمن ، وذكر التقرير أن بن لادن قررتدمير مركز التجارة العالمي منذ 1997
وبعد تدمير المركز سُئل بن لادن : " ما رأيك في ان امريكا تزعم ان لديها أدلة علي أنخراطك في أحداث نيو يورك وواشنطن الأرهابية ؟ "
اجاب : "ان وصف هذه الاحداث بانها ارهابية وصف باطل اذ ان كل ما فعلناه هو نقل معركتنا ضد امريكا إلي داخلها "
السؤال الذي شغل بال اللجنة وجمهور الامريكان ،بل والعالم كله : لماذا التزم بن لادن منذ البداية بتدمير مركز التجارة العالمي ؟
لكي نجيب علينا كما يقول الفيلسوف مراد وهبه ان نعود لمنظري الاصولية الاسلامية ،وتحديدا لكتابات سيد قطب
ألف سيد قطب كتابين لهما دلالة بالغة في موضوعنا ..... الأول هو " المستقبل لهذا الدين " ..... والثاني هو " الاسلام ومشكلات الحضارة "
فيهما يذهب سيد قطب إلي ان الحضارة الغربية مصابة بمرض عقلي " الفصام النكد " وهو مرض يفصل صاحبه عن الواقع ويدفعه نحو عالم خيالي فيه يعيش
سبب إصابة الغرب بهذا المرض مردود إلي ثلاثة عصور : 1_ عصر الأصلاح الديني الذي حررالعقل من السلطة الدينية
2_ عصر التنوير الذي حرر العقل من كل سلطة خارجية ما عدا سلطة العقل .. 3_ عصر الثورة الصناعية الذي حرر الإنسان من عصر الاقطاع المتحالف مع السلطة الدينية
أنتجت تلك العصور الثلاثة الثورة العلمية والتكنولوجية في القرن العشرين ،وكانت الكوكبية " العولمة " أعلي مراحلها ،والممثل لها مركز التجارة العالمي
وهذا يعني ان تدمير هذا المركز الحضاري يرمز إلي إعادة البشرية إلي ما قبل تلك العصور الحضارية الثلاثة ،والعودة إلي عصر الزراعة حيث يمكن إحياء الخلافة الأسلامية الماضوية . تلك التي نشأت في عصر الرعي البدوي والزراعة وفقا لظروف وشروط ذلك العصر ثقافيا وأحتماعيا وأقتصاديا
وهكذا فإن الاصولية الأسلامية هي ضد الحضارة الإنسانية بل نقيضها ، وتريد جرنا إلي الماضي المظلم اللا إنساني ،إلي عصر ما قبل الحضارة الحديثة فتسود دولة الخلافة وتتحكم في الانسان وحريته وعقله لصالح تطبيق الشريعة
وهكذا يستند ارهاب بن لادن وكل ارهاب علي فكر جماعة الاخوان الأصولي. تلك الجماعة التي هي بحق مفرخة كل ارهاب اسلامي اكتوينا ونكتوي بناره امسا واليوم وغدا
رفعت عوضالله
كاتب وباحث
Refaat.awadalla@live.com