وغربتْ الشمْسان في عيْنٍ حمِئةٍ

ليندا كبرييل
2014 / 11 / 15

أما الشمس الأولى فهي الكرة الفضائية التي يراها كل البشر، تخمّر لنا حياةً واحدة كل ليلة ثم تخبزها مع كل شروق دون تدخل منا، لنتفاعل بفضلها في يوم أرضيّ فيتزيّن وجه الأحياء بالحياة .
وأما الشمس الثانية فهي الكرة العقلية التي تقع بين الكتفين، وهذه نحن منْ يجعلها تخبز عشرات الحيوات يومياً، سيدوم فضلها لأيام ضوئية مستقبلية فيتزيّن وجه الحياة بنا .
لك الحق طبعاً أن تختار ما تشاء، فالشمسان بين يديك، أسطِعْهما إن شئت أغِبْهما إن أردت، كله بيدك.
ومنذ أن أغرق العقل اليقيني الشمس الأولى في عين حمئة، انطفأ الضوء المنير، وغرق العقل هو الآخر في بئر من طين، ووقف الإنسان العربي يدافع بقوة مدهشة عن الخمول الفكري والخدر التراثي، متسلّحاً بقدرة لسان (العنعناتيين والعنعناتيات) الذين ينقلون لنا أحاديث وقصصاً على أنها حقائق غير قابلة للنقض، لا على أنها تراث جاد به عقل قديم لم يكن مهيأ علمياً لتفسير الظواهر الطبيعية.
مأزق إنساني حضاري هذا الغرق دون شك، يحتاج إلى إعمال التفكير.. والتفكير غائب تماماً . مرّت بهذه المرحلة أممٌ ثم غادرتها إلى غير رجعة بعد أن تحررت من سلطة الاستبداد والاستلاب، فوصلتْ في اجتهاداتها إلى ذروة عالية من الخلق والإبداع نعيش نحن العرب عالة عليها، وُضِعْنا جانباً للتجريب علينا آخر ما توصّل له عقلها المبدع .
ولا قيمة للقول المحفوظ إن الدين يأمرنا بالتفكر والتبصّر إذا لم يقترن فعل التفكير بالتغيير، وكيف يتمّ هذا إلا بالانعتاق من قمع الأنا العليا التي تعمل جاهدة على منع العقل من النمو الطبيعي، وإقعاده في قوقعة العزلة والخواء ؟ فأخلتْ حياتنا من الاتجاهات المعرفية، وأفْقدَتْنا ذاتية القرار في البحث عن طرق الخلاص من هذه الورطة الحضارية، التي تنعكس علينا نحن العرب بالسلب وكذلك على الأمم التي تستنسخ ببغائياً ثقافتنا.

ليس أبشع من إلحاق التجريف بالإنسانية، حين يتقصد المجتمع تجميدنا في قوالب جاهزة وإيديولوجيات منغلقة تفتقر تماماً إلى سلطة العقل . في مثل هذه الأجواء القاتمة هل تكون كلمة ( اعتدال ) إلا طرفة مثيرة للابتسام ؟
المواطن العربي يعيش في تعديل لا اعتدال . فقد ( اسْتعدلَه ) الاستلاب والخنوع والتذويب والتهديد والخوف... أما أن يقال إنه معتدل لمجرد أنه كادح منصرف عن تفاصيل المذاهب المتناحرة إلى هموم الحياة، طيب مسالم يتقبّل نصيبه برضا وقناعة، ويتعامل مع الناس بالجميل ؟ فأنتم لم تدخلوا إلى قلبه لتعرفوا ما وراء الحجب !
للعقل خاصية سيطرته على المشاعر واللسان لعقْله عند المواقف الحرجة، لكن ليس للقلب مثل هذه الخاصية.. فسرعان ما نقرأ ردود الفعل في تقاسيم الوجه، وما إن يدير العقل رأسه حتى يتمدد القلب منبسطاً وهو منفرد بنفسه معبراً برحْرحة عما يدور في أعماقه.

كتبوا عن هؤلاء الوسطيين، فقال أحدهم إن اعتدالهم الديني سلوك شخصي، وأشار رأي آخر إلى أنه ليس من العدل تعييرهم بضحالة معرفتهم بدقائق الدين أو بعزوفهم عن الميل إلى الجانب العنفي من العقيدة، ورأي ثالث غريب يقول : أليست العلمانية التي نؤمن بها تدعو إلى اعتبار الدين علاقة شخصية بين المؤمن وربه ؟
هكذا فهموا حرية العقيدة التي تكفلها العلمانية .. فلنتركْ هؤلاء البسطاء وشأنهم !
ثم دعوا إلى عدم وضع المعتدلين مع المتطرفين في سلة واحدة.
بل هم من نبع واحد يغترفون !!
أمَا من محايد أمين يرفع الستار عن قلوب المعتدلين الوسطيين ؟

ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها مثل هذه الآراء، ومع ازدياد أعمال داعش قباحة كثر تداول عبارتَي : اعتدال المتديّنين .. وسطيّة الدين، وإن عبّرتْ عن شيء فإنما تعبّر عن موقف عاطفي غير متوازن وغير صحي، وحالهم كحال منْ يمشي جنب الحائط ويطلب السترة، وبالتأكيد يكشفون مرة بعد أخرى أنه من المستحيل على المسلم أن يكون علمانياً.

البسيط المسالم يستحق الاحترام دون شك، وأكثر من شعور الاحترام : الشفقة.
ومن السخف حقاً السخرية من انصرافه عن الإحاطة بكافة شؤون الدين في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية وانشغاله بسعيه الشريف في الحياة . وما تعلّقه بالعبادات إلا لأنها تخلق له التوازن النفسي المساعد على احتمال حالة الانسحاق، التي يعيشها في مجتمعٍ يضيّق على أنفاسه من كل جهة، مع أن الدين لا يقدّم الحلول لمشكلاته الحقيقية، فيبعده عن واقعه الأرضي الجهنمي ويقوده إلى عوالم خيالية مثالية فردوسية.
لكن السلوك الديني للإنسان مرتبط بمجتمعنا ارتباطاً راسخاً وليس أمراً شخصياً أو اختياراً ذاتياً أبداً . فهو يتنفّس هواء يلفّه الاحتقان والعصبية والكراهية، ويتلقّى شتى عصارات التخلف التي تصبّ في عقله مباشرة عن طريق أجهزة الإعلام، وثقافة أولاده التعليمية والتربوية نتاج بيئة مشوَّهة بالتكرار والتلقين المريض، مصابة بتهوّر الإنسانية وتدهور القيم، وفي ظل أميّته وانعدام الوعي في تمحيص المعطيات فإن التعبير عن الهواجس يكاد يتلاشى لديه، فيُنظَر إلى استلابه أو خنوعه على أنه اعتدال !
لا يمكن لأي إنسان في مجتمعنا الانفكاك من أوامر الأنا العليا ولو أراد.
فواجب المشاركة في صلاة الجماعة لا غنى عنه، وصيام رمضان العلني لا تملّص منه، ورفض الزواج المدني لأولاده لا جدال حوله . والمصريّ لا يقدر على تحمّل تبعات الامتناع عن منح بناته ( شرف ) الختان، في مجتمع ثقافته تعتبر الختان أمراً دينياً ملزِماً ليس من جهة رسمية تتجاسر على تجريم هذا الفعل الهمجي المخزي الذي يراق على جوانبه الدم، والمرأة لا تستطيع الاعتراض على مهانة الزواج الثاني وإلا كان اعتراضها على حكم الله، أو على ابتذال وفحش الزواجات السوقيّة الخليجية وإلا كان اعتراضاً على حكم رجل الله، والضغوط عليها للتلحّف بالحجاب أو النقاب واضحة جداً بدعوى الحفاظ على أخلاقها ولتسهيل أمر زواجها.
ليس هذا فحسب، بل إن هذا الإنسان البسيط المسالم يعيش في الوقت نفسه بين شخصيتين متناقضتين، يفصل بينهما عتبة البيت !

نعم عتبة البيت هي الفيصل.
ما أن يجتاز العتبة منْ عرفناه المتسامح الكريم الودود خارج منزله، حتى يتحوّل إلى طاغٍ باغٍ داخل بيته . فهو لا يتردد في تطبيق مفهومه العنيف للشرف والعار والأخلاق الذي ورثه من آبائه، أو في تنفيذ الحكم الظالم في حق امرأته فيضربها إن نشزت أو يذكّرها ( بالملائكة اللّاعنة !) أو حتى يطلقها، أو في ظلم بناته فلذات كبده في الميراث، فإن تقدّم وضعه المادي سارع إلى تجديد شبابه بزواج ثانٍ ورابع رادّاً الصاع صاعَين لماضي الذل والحرمان . أما المرأة المسحوقة شرعياً واجتماعياً والتي قضت حياتها حبيسة البيت والنقاب وطغيان الرجل، فإن قلبها يطفح مرارة وغيظاً من التي تتمتّع بالحرية والحياة، فتعمل جهدها على صون تقاليد العبودية التي عاشتها والدفاع عنها بحرارة داخل بيتها وخارجه مع منْ حولها من إناث، ليس غيرةً منها على الآداب الدينية بقدر رغبتها في رؤية أختها الأنثى عبدة مسحوقة مُهانة مثلها.
ليس من قانون سديد يضرب بيد من حديد إذا ما انفلتت نزوات الطيّب البسيط. قانون بلادنا فاجرٌ لا أخلاق له .. يعفو عن المغتصِب فيزوّجه من ضحيته وهو يتلو الفاتحة، ويبرّئ المجرم من جريمة الشرف بدعوى الانحراف عن الخلق الديني فيرفع يديه شكراً لله أن ظهر الحق وزهق الباطل، ويذبح المخالف وهو يتلو الشهادتين ثم يسجد لربه، ويغضّ النظر عن تجاوزات الشيوخ الأخلاقية، لكنه قانون عادل يرجو وجه الله عندما يَقطع يد فقير سرق رغيف خبز وهم يسرقون آبار بترول بحالها، أو يرجم زانية وهم يزنون متعةً في المسيار والمطيار والمحجاج والفرند وإلى آخر الليستة....
المسالم يطمر رغباته الحقيقية المتشوّقة للانطلاق إذا ما سُنِحت لها الفرصة !

الدين ليس أمراً شخصياً في مجتمعنا. معتدِلاً كان أم متطرّفاً، بسيطاً كان أم متعلماً، لا يستطيع إنسان واحد الخروج عن التقاليد التي رسّخوها في نفوسنا على أنها ( غايات عظيمة ) ترضي الله لا بدّ من الإذعان لها والأجر يوم الحساب، يشرف القائمون عليها بحزم وتسلّط تحت مسمى الهوية والخصوصية الثقافية لأنها في صالح أهدافهم، فيبقى هذا السلاح مسلطاً على رؤوس مغيَّبي العقول، وإلا.. كان التكفير والإقصاء.
وأكثر ما يخشاه المعتدل أن تشمل هذه العقوبة أفراد عائلته، فتؤدي إلى التفريق بينه وبين زوجته، أو رفض الصلاة على روحه بعد الموت، وقد يساهم تمرّده على القوالب الفقهية المتحجّرة بتعطيل أسباب رزقه أو نصيب بناته في الزواج أو اضطراب العلاقات الأسريّة ...
الأهمّ من ذلك، أن الفرد في مجتمعنا اللاعلماني على الإطلاق، يقدّم عقله طوعاً ومجاناً لدولةٍ الكلمة العليا فيها ليست لإرادة الشعب، بل للإرادة الدينية التي تتدخّل بأدقّ شؤون حياتنا . تلك العقول التي فقدت الحياء عندما أوصلت الدين حتى إلى المراحيض !
يا للخجل !

المعتدل بانجرافه مع تيار الجهالة والتخلف ولو من بعيد يرتكب جريمتين بآن واحد عن قصد أو بدونه : فهو ليس فقط ينكر على نفسه حقّه الإنساني في التفكير والتدبّر كما أمره الله، بل يعتدي أيضاً على حياة الوطن عندما يمكّن للظلمة من الانتشار، ليتمدّد الآخرون فساداً وهم يستظلّون بغيبوبة شمس عقله.
إن هؤلاء الوسطيين مسالمون حقاً، لكنهم يساهمون ( بإرادة مغيّبة ) في ترسيخ مشكلاتنا الاجتماعية، بعدم شجبها أو طرح السؤال أو حتى الدهشة، فتتعمّق القباحة والجمود . تلك المشكلات التي تقف كالصخور في مجرى نهر الحياة، وهم كالمرساة الثقيلة التي تشدّ مجتمعنا العربي أكثر فأكثر إلى قاع التخلف فتعيقه عن التوثب والانطلاق.
ولشدّة ما امتهنوها أصبحت ( إرادة غبية ) تُساق بالتهديد والتخويف . ألا تراهم كيف استطابوا أغلالهم وتعايشوا مع قيودهم واعتادوا على بشاعة الطروحات حتى أصبحوا يرونها بديهية ومن صلب خصوصيتنا الثقافية !؟
ونِعْم الثقافة !
رضاع الكبير ، ومفاخذة الرضيعة ، والتبرّك بالفضلات، و......
ليتنا رضينا للبعير بمقام أعلى من مقام الإنسان !! فقد داهمنا زمن القحط التام الذي أصبح فيه بول البعير أعلى مقاماً من مكانة الإنسان المُهان في بلاد العرب !
لا في العير ولا في النفير، رقم بشري مسطّح الكرة العقلية كما تسطّحتْ الكرة الأرضية وغرقت الشمسان في بئر طينية !

المسالم مساهم في إطفاء أنوار الوطن، فهو ينشئ أولاده على مثاله . إنه يعيد ويكرر إنتاج الموجود، في مناخ ثقافته الإذعانية تسلب العقل حرية التعبير فلا يضيف شيئاً للإنسانية.
قيمة الإنسان بما يضيفه من جديد للحياة، لا بتكبيله باجتهادات فقهية متقوقعة، ولا بالعودة للقديم أو المراوحة فيه، ففي هذا تيبّس لمفاصل الزمن وإماتة معنوية للإنسان.
الزمن يتجمّد فوق رؤوس الموتى فحسب.
إنه أحد شخصين :
إما أنه ركَنَ إلى الكسل الذهني، وهذا سيؤدي إلى الضمور العقلي، الذي سينتقل إلى ( الأجيال القادمة ) لأنه لا ينتج إلا نفسه ولا يجود إلا من الموجود، وسيصبح عاجزاً عن مواكبة البشرية والحياة ونحن معه بالتالي، لأن انحطاطه سينعكس على المجتمع.
أو أنه منافق متظاهر بالتدين، وبالعربي الفصيح : كاذب، يمارس التقية توسّلاً نفعياً لعطايا الله وخوفاً من المجتمع.. والنار.
هذا يسمى المُستَدْيِن المتأسْلِم وليس المتديّن المسلم .

في مثل هذا النظام الديني هل للإنسان الحرية في اعتناق ما يشاء من معتقدات دون قيود خارجية متحكّمة بقراراته كما في البلاد العلمانية ؟ هل مطلب العلمانية باحترام العقائد وصونها ينطبق على الواقع في بلادنا ؟
إذا صدّقنا الإنسان البسيط المسالم أنه قانع غير طامع بتغيير الواقع، بما يجعله أفضل حالاً وأكثر انطلاقاً لأولاده رجال المستقبل، فما أفقر الحياة بهذا النموذج البشري ! المستلَب العقل، القابع بإرادته في أحلام المدينة الفاضلة في العالم الآخر التي ستوفّر له السعادة والعدالة والخلود.
أنتم واهمون ومخدوعون باعتدال الوسطي في مجتمع سينمائي منافق كمجتمعنا العربي . فهو نتاج بيئة تتبنّى الكرباجَ لغةً، والاستحقار ذهنيةً، والنبذ سلوكاً، والردّةَ تعبيراً.
في هذه الأجواء يعيش المعتدل الوسطي، في مناخ تخيّم عليه ثقافة الاستبداد والاستعباد، فتراه ينجرف مع قطيع سلبوه الإنسانية، وأبقوا على حضوره الذي يكمّل تعداداً بشرياً يفاخرون به وهو ليس أكثر من كومة لحم مصيرها مصير الخرفان.. إلى المفرمة.

والشمسَيْن ! إذا غرَبتا فلا قيامة لنا.

وسيأتيكم الحديث القادم عن هؤلاء المعتدلين، إذا أرادتْ الحياة وحتى تفرغ الجعبة.