عايدة ... الظلم ارث

الرفيق طه
2014 / 11 / 9


السيدة عايدة لا ينسبها احد الى حومة او عائلة في مدينة الدار البيضاء ، اغلب الذين تعرفت عليهم و عرفوها لهم صلة بالحي الراقي الذي تعيش فيه العائلة التي تستخدمها .
منذ طفولتها و هي بين اركان فيلا بالمعاريف و خادمة فيها . لا تعرف احدا من جيران اسرتها الذين كانت امها و ابيها يقاسمونهم الشقة التي يكتريان فيها غرفة بحي كرلوطي .
علمت ان اباها اتى الى الدار البيضاء في ثلاثينات القرن العشرين من الجنوب . و لم تكن له هناك تركة تذكر ، و لا عائلة . علمت انه من العبيد الذين اشتروا رقبتهم او فك رقبته من كان يملكه لما اصبح عالة عليه لقلة الاشغال و الحيف الذي سببته سنوات الجفاف . يقول انه عبر جبال الاطلس الكبير من وادي درعة الى منطقة بني مسكين و منها الى مرسى الدار البيضاء التي استقر بها . عمل حارسا باحد المعامل .
لم يكن بحاجة لبيت او مسكن لانه يعمل بوابا و اشياء اخرى ليل نهار . لم يكن لتحديد ساعات العمل معنى ، كان الاهم ان يجده الباطرون عند الطلب .
لما بلغ الاربعين تزوج من خادمة لدى الباطرون . كانت الخادمة تاتيه بما تبقى من الطعام . مع توالي الايام تكونت الفة بينهما تولد عنها حمل الخادمة بعد الزواج بشهور قليلة .
ولدت الطفلة في غرفة اكتراها الاب بعشرة دراهم شهريا . اصيب الاب بمرض الزمه الفراش و اضطرت الام ملازمته في البيت . و لم يكن لديهم سبيل للعيش غير ان يقدموا طفلتهم الوحيدة خادمة .
لم تعرف عايدة طريقا للمدرسة و لا للنادي . منذ طفولتها الاولى و هي خادمة . من السخرة الى التنظيف فالطبخ الى ان اصبحت تثقن كل شيء يهم خدمة الاسرة .
لم يعد لعايدة رابط بدرب كرلوطي سوى امها التي تعد الايام المرة بالغرفة التي يشم بها الزائر كل اشكال القهر و الظلم و الفقر و الصبر ، خاصة بعد رحيل الاب الى متواه الاخير .لم يكن لديهاطموح غير ان تجد زوجا يملا الفراغ في حياتها الحميمية . لكنها لا ترى في نفسها اية مؤهلات ليقبل عنها اي رجل .
السيدة عايدة ترى ان سواد بشرتها و قصر قامتها و عينيها الحمراوتان وسط السواد اسباب كافية لان لا تثير اهتمام اي رجل . كما تقنع نفسها ان تقلل من طموحها لان الفقراء لا يقبلون النساء اللواتي يحملن صفاتها في الشكل الا اذا كن غنيات ليعوضن نواقصهم . لذلك اشترت عايدة بيتا عشوائيا بضواحي الدار البيضاء . بيت لا يتوفر لا على ماء و لا كهرباء . و كانت تنقل اليه كل الاواني و الافرشة و حتى الملابس التي تخلصت منها الاسرة التي تعمل لديها .
لاحظت عايدة احد المتشردين يتردد على مكان القمامة . كان شخصا يتميز عن المتشردين الاخرين بتحاشيه لكل من اقترب منه . كان يهرب من الناس . ينتظر حتى يفرغ الشخص من المكان ليبحث عن البقايا لياكلها . يحاول الا يزعج الاخرين . تكرر تصرفه مع عايدة لمرات عديدة و لمدة طويلة . اصبحت تهتم به و بتصرفاته و تراقبه من النوافذ . لم يسبق ان راته يعاكس احدا امراة او رجلا و لا طفلا . حتى بحثه في القمامة كان بهدوء حتى لا يزعج احدا ، بل كان يخلي المكان ان راى احدا اتى بقمامته للمكان .اصبحت تترك له نصيبه من الاكل و تضعه في اوان نظيفة .
مع توالي الايام ، اصبح الاثنان يعرفان مواعيد لقائهما . و اذا تاخر الواحد منهما انتظره الاخر .
اصبح المتشرد مع الايام يسيطر على تفكير عايدة و على احلامها . كانت تقول لنفسها انه لو لم يكن عاقلا ما تصرف باسلوبه ذاك . ربما ظروفه جعلته متسكعا و متشردا .
عن قصد و اصرار وضعت القمامة و اخذت ما كانت تخصه به من اكل معها . و ما ان وصل المكان طلبت منه الانتظار . جلس ارضا و انحنى على وجهه هائما و صامتا . يرتجف من الخوف ككلب مبلل بالمطر في البرد القارس .
سالته عايدة ان كان بامكانه السكن في بيت و الاستقرار به . اجابها بكلام لا ينم عن فاقد للعقل او مدمن على المخدرات ، بل كان جواب عاقل كامل الاهلية .
قالت له انها وفرت له السكن و اللباس و ما عليه الا ان يتخلى عن حياة التشرد . وافق على اقتراحها .
بعد يومين ، رتبت كل شيء . اتفقت مع شخص يعمل بالحمام القريب ( كسال ) ان يهتم به و ينظفه . ذهبت معه عند حلاق و البسته ثيابا جميلة . ركبت معه حافلة و اتجهت به الى بيتها بالضاحية . قالت له هذا بيتك و ما لك الا ان تثبت رجولتك و ان تعود الى جادة الصواب .
اشترت ماكولات ، طعاما و فواكه، وعلبة سجائر . حكت له عن وضعها و حياتها ، سمعت شيئا من حياته . اقترحت عليه الزواج منها ان رضي بهذا الواقع . ابان عن سعادته و فرحته بذلك .
قامت بكل الاجراءات اللازمة و الممكنة للحصول على امضاء عقد قرانهما . امضى معها كل ما طلب منه . اجتمعا تحت سقف واحد . لم تشاركهم في بيت الضاحية غير امها العجوز .
تخرج عايدة من الفجر و لا تعود الا ليلا . حافظت على عملها لدى الاسرة التي تربت لديها خادمة . اما الزوج فقد كان يحتل بيت النوم حتى جزء مهم من النهار ليخرج للبحر و لا يعود الا حين يجوع او ينتظر الزوجة تعود ليحصل منها على علبة السجائر .
لمدة فاقت العشر سنوات و السيدة عايدة تتلذذ بوجوده ببيتها زوجا . كانت تفتخر بنفسها سيدة متزوجة رغم انها لم تنجب من يؤنس وحدتهما و ان زوجها لم يكن الرجل الذي يبحث عن شغل او يشتغل اي شيء يلهيه عن التسكع . الى ان تبين انه اصبح يرافق بعضا من عمال المرسى و يذهب معهم للمدينة . كان لا يعود الا بعد ايام للمنزل . يعود و بيده سمك و قليل من المال .
فرحت عايدة بالتطور الحاصل في حياة زوجها رغم غيابه عن البيت ، و يسرها القليل الذي اصبح ياتي به . لم يكن يهمها مدخوله و لكن يهمها ان يدق بابها كزوج يوفر الطمئنينة و الامان .
من اجل ان تخفف عنه اعباء التنقل اليومي للعودة للبيت ، سلمته مفاتيح الغرفة التي تركها ابوها و احتفظت عليها تؤدي ثمن كريتها شهريا .
بعد مدة لم يعد يزور بيتها في الضاحية . خوفا عليه من اي باس ذهبت للاطمئنان عليه في درب كرلوطي بدرب السلطان ، هناك وجدته متزوجا من اخرى حديثا .
عادت عايدة ادراجها و ندمت على اليوم الذي اخرجته فيه من القمامة و الاوساخ و نظفته ليعود لانسانيته ...
سي محمد طه
الدار البيضاء 9/11/2014