رؤية المجتمع المدني تجاه الاعمار

محسن ابو رمضان
2014 / 11 / 6



بعد الحصار الذي فرض على قطاع غزة وبصورة مشددة في منتصف حزيران / 2007 والذي تبعه ثلاثة عمليات عسكرية وعدوانية واسعة عليه 2008 – 2009 ، 2012 ، 2014 أصبح وضع القطاع مأساوياً وقد تم اعتباره أثناء العدوان الأخير بأنه منطقة منكوبة أو " كارثة إنسانية " .
تؤشر الأرقام إلى الحالة الاقتصادية والاجتماعية المأساوية التي يحياها القطاع ، حيث وصلت نسبة الفقر العام حوالي 80% والفقر الشديد 29% ، أما بالنسبة للبطالة فقد وصلت إلى 55% من حجم القوى العاملة ، كما وصلت نسبة انعدام الامن الغذائي حوالي 67%، الأمر الذي أدى إلى تحويل قطاع غزة إلى حالة انسانية ، علماً بأن حوالي 80% من المواطنين اصبحوا يعتمدوا على المعونة الغذائية من قبل الاونروا وغيرها من وكالات وهيئات الاغاثة الدولية والمحلية ، علماً بأن هذه المؤشرات تتم في ظل تقويض دعائم الاقتصاد المحلي حيث تراجعت القطاعات الاقتصادية وخاصة قطاعي الصناعة والزراعة، وكذلك مشاريع البنية التحتية والمنشآت والخدمات والسياحية والتجارة .
إن أية عملية لاعادة اعمار قطاع غزة من منظور المجتمع المدني يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ، الحالة الكارثية التي يعيشها ابناء القطاع منذ أكثر من سبعة سنوات ، الأمر الذي يتطلب صياغة رؤية تربط ما بين دوائر الاغاثة واعادة التأهيل وإعادة الاعمار والتنمية .
وذلك عبر ضرورة نقل الفئات الاجتماعية المهمشة والضعيفة من الاغاثة إلى اعادة التأهيل والتنمية ، حيث من غير اللائق تحويل المجتمع الفلسطيني لمجتمع اغاثي انساني اتكالي يعتمد على السلة الغذائية والكوبونة وإن لا يشارك المواطنين بالنشاط الانتاجي والتنموي ، الأمر الذي يستلزم صياغة الخطط والبرامج التي تضمن تمكين الفئات الاجتماعية وزيادة قدراتها لتطوير عملية الانتاج والتنمية ، هذا يأتي عبر دعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر ، وايجاد آلية تربط ما بين مخرجات التعليم ومدخلات التنمية ، الأمر الذي يتطلب العمل على تقوية وتمكين منظمات المجتمع المدني إلا أنه من الملاحظ أن المنظمات الدولية غير الحكومية ومؤسسات الأمم المتحدة يعمل معظمها بصورة مباشرة وهي تقدم الخدمات للجمهور المستفيد وبالاستناد لبرامج إغاثية بصورة عامة دون التنسيق والشراكة مع منظمات العمل الاهلي الأمر الذي يؤدي إلى اضعافها وتعزيز سياسة " الاستبدال والاحلال " ، ويؤدي إلى الهيمنة على المجتمع الفلسطيني ضمن تحديد أجندة لا تنسجم بالضرورة مع الأولويات والاحتياجات المحلية .
إننا نخشى من تكرار سيناريو مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد تحت عنوان " إعادة اعمار قطاع غزة " في مارس /2009 ، حيث لم يصل من الاموال الموعودة والمحددة ب5.4 مليار-$- إلا النذر اليسير، في ظل اجواء شجعتهم على عدم تنفيذ وعودهم والمحددين باستمرار الحصار والانقسام .
علماً بأن التجربة الطويلة مع المانحين أبرزت أن هناك فرق مابين التعهد " الوعد " و" الالتزام والتنفيذ "
علماً بأن الأموال الذي جرى التعهد بها وهي 5.4 مليار وذلك في مؤتمر القاهرة هو المبلغ الذي تطابق مع مؤتمر شرم الشيخ و سيخصص نصفها فقط لاعمار قطاع غزة والنصف الاخر سيخصص لسد العجز في موازنة السلطة الفلسطينية ودعمها للثلاث سنوات القادمة أي من عام 2015 – عام 2017 .
وعليه فسيبقى للقطاع مبلغ 2.7 مليار -$- موزعة كالتالي :-
- 701 مليون " للاغاثة والقطاع الاجتماعي " .
- 1235 مليون للقطاع الاقتصادي .
- 764 مليون -$- لاعادة الاعمار ، يخصم منهم 350 مراقب دولي بتكلفة تقدر 100 مليون -$- اضافة إلى 183 مليون -$- لتشغيل مؤسسات الحكومة والبلديات وبالتالي فالمبلغ المتبقى للاعمار لن يتجاوز 481 مليون -$- بما يشمل مشاريع الاسكان وازالة الركام والانقاض .
من هنا فإن المدخل الضروري لتنفيذ عملية اعادة الاعمار يكمن بانهاء الحصار الذي يشكل عقاباً جماعياً على شعبنا بتعريف القانون الدولي وخلق التواصل ما بين قطاع غزة والضفة عبر الممر الآمن وكذلك تأسيس ميناء ومطار ، من اجل خلق بيئة تنموية واقتصادية واستثمارية وتجارية منشطة للحالة الاقتصادية السيئة التي يعيشها اقتصاد القطاع .
واضح أن هناك تشابك بالمصالح ما بين حكومة الوفاق الوطني وبين بعض أوساط من القطاع الخاص علماً بأن وزير الاقتصاد د. محمد مصطفى هو يرأس في نفس الوقت صندوق الاستثمار الفلسطيني والذي تعتبر شركة سند احد ادواته وهي الشركة المشرفة على عملية توزيع اكياس الاسمنت ، بما يعكس تضارب المصالح ، كما ان العديد من الوزراء هم من ذوي العلاقة مع القطاع الخاص مما كانوا يقومون بأعمال اقتصادية أو أعضاء في مجالس إدارة العديد من مؤسسات القطاع الخاص .
إن هذا التداخل بالمصالح عبر التحالف بين المال والسياسة وعبر دور مقرر للمجتمع الدولي أدى إلى تهميش وأقصاء متعمد لمنظمات المجتمع المدني ، حيث لم يتم التشاور معه بالنسبة لخطة الاعمار كما لم يتم عقد اجتماعه مع ممثلية عندما اتت حكومة د. رامي الحمد لله إلى غزة ، كما لم يدع اياً من شخصيات المجتمع المدني للمشاركة في مؤتمر إعادة الاعمار الذي نظم بالقاهرة بتاريخ 12/10/2014.
لقد اعترضت شبكة المنظمات الأهلية وغيرها من منظمات المجتمع المدني منذ البداية على آلية الرقابة على عملية الاعمار والتي عرفت باسم آلية " روبرت سيري " لأنها تعمل على مأسسة وترسيخ وتشريع الحصار وكما تعمل على اطالة عملية الاعمار لتصل إلى حوالي 50 عام حسب تقديرات مؤسسة اوكسفام إلى جانب ان جزء من أموال الاعمال سيخصص للمراقبين والمنسقين الدوليين .
علماً بأن الآلية ستعتمد على ادخال مواد البناء من الشركات الاسرائيلية " مثل "شركة نيشر" للأسمنت بنسبة كبيرة ، حيث سيساهم ذلك في تسديد ضربة لحملة المقاطعة التي تتنامى بالضفة وفي بلدان العالم وسيجعل الاحتلال يكافئ مرتين ، مرة لأنه لم يحاسب أثناء العدوان ،ومرة ثانية لأنه سيتربح على حساب قطاع غزة الذي قام بتدميره .
من الهام العمل على رفض آلية الرقابة بصورة واضحة بما لا يقبل التأويل وكذلك قيام الامم المتحدة بالتراجع عنها حتى لا تصبح شريكة في الحصار، كما ندعو لتشكيل هيئة وطنية للرقابة على عملية الاعمار بما يضمن حقوق المتضررين من الاسر المشردة ، وأسر الضحايا والشهداء والجرحى إلى جانب المتضررين بالقطاعات الزراعية والصناعية والانشائية والخدمية .
أن المرحلة التي نمر بها تتطلب المزج ما بين الاغاثة والانعاش المبكر من جهة وبين التنمية من جهة ثانية على قاعدة منهجية " التنمية من اجل الصمود" Resilience
وهذا يتطلب تعزيز هذه الرؤية في خطط حكومة الوفاق الوطني وفي الخطط القطاعية التي نرى أهمية دمج منظمات العمل الاهلي بها تعزيزاً للشراكة التي تساهم بالتمكين والتعاون وتعزيز صمود والمواطنين وفئاتهم المهمشة والضعيفة .
لقد آن الأوان لفتح ورش عمل قطاعية ما بين المنظمات الأهلية والوزارات المتخصصة بهدف الزام المانحين بالعمل على قاعدتها وكذلك عبر دعوة المانحين للشراكة مع منظمات العمل الاهلي التي تماثلها أو تشابهها بالتخصص ، حتى لا نصل إلى مرحلة يتم بها تجفيف موارد المجتمع المدني ومنظماته الأهلية تعزيزاً لحالة الانكشاف والتبعية التي تؤدي إلى تحكم المسار التنموي بالكامل من قبل المانحين ومنظماتهم الدولية في ظل استمرارية قيود الاحتلال عبر الحصار مما يجعل الاحتلال وسيلة رابحة لبعض المتكسبين من تلك المنظمات الدولية في عقلية من " البيزنس " بدلاً من أن يكون دورها اسنادياً وداعماً ومؤازراً لشعبنا وكفاحه عبر أدوات تنموية بناءة وعبر آليات من الضغط والتأثير لرفع الحصار وخلق بيئة ممكنة للمجتمع المدني للتنمية .