اليهود حزب الله المختار

ليندا كبرييل
2014 / 10 / 31

كان حفل التعارف الذي يُقام مع بدء العام الدراسي الجامعي . القاعة الصاخبة تختلط فيها لغات ووجوه من مختلف أنحاء العالم.
كنت أقرأ برنامج الحفل عندما تناهى إلى سمعي صوت الأستاذ المصري، أستاذ التاريخ الإسلامي . التفتُّ لأراه يتوسّط حلقة من المدعوين يتحدث إليهم باللغة العربية وإلى جانبه يقف زميله الأستاذ يترجم قوله إلى الإنكليزية.
شدّتني العبارة الأخيرة من كلامه : " داعش لا تمثّل الإسلام "، فبدا لي أن الحوار يتعلق بواحدة من أعظم المشكلات الراهنة : داعش وصدام الإسلام مع العالم.
الأمر لا يستحق أن أفوّت الحفل الموسيقي الذي سيحييه عازف تشيلو، لكني قررت أن أمنح الحديث بعض الوقت، وانضممت إلى الحاضرين مستمعة.
أخذ أستاذنا المصري يجود بالحديث عن تاريخ عظيم أحيتْه الحضارة الإسلامية التي ترافقَ فيها المسلمون والمسيحيون جناحا الأمة في مساهمات علمية، كانت السبب الرئيس في نهضة أوروبا من عصورها المظلمة . فقد كان المسيحيون مترجمين ووزراء وأهل الثقة والمشورة للخلفاء.
{ أين طيّرتَ اليهود يا أستاذ ! }
وأهل الدينَيْن يشكّلان معاً نسيج الوطن كاللُّحمة والسدى منذ القدم، وما زالا يتشاركان في الأعياد والمناسبات، في النضال ضد الاحتلال والاستعمار، والتاريخ يسجّل أن الأقباط استنجدوا بالمسلمين من جور الرومان، وعاش اليهود بأمان في ظلّ الخلافة الإسلامية.
{ عاشوا بأمان .. هل يشعر العرب بتأنيب ضمير فيغطّون على الحقيقة بخداع أنفسهم بكلام تدحضه كتب التراث؟ }
وأكّد الأستاذ أن علاقة الصفاء والود بين أهل الديانتين التي ميّزتهم دوماً { ؟؟ } لا تنال منها الحوادث الشاذة بين حين وآخر، يقوم بها ضعاف عقول تحرّكهم أصابع غريبة دنيئة هدفها ضرب الاستقرار ووحدة الوطن، ويساهم الإعلام في تضخيم هذه الأخبار مما يوحي أن ظاهرة الإرهاب متأصّلة في مجتمعنا.
تأمّل الأستاذ العيون الشاخصة باهتمام وتابع : لا يخلو مجتمع من هؤلاء الموتورين، هل أذكّركم بأمثلة من النرويج، من اليابان، من أميركا ؟
{ عجيب ! لا يمرّ يوم إلا ونسمع تفجير سيارة. انتحاري. كنيسة. مسجد. تماثيل. هل البلاد العربية تحوي هذه الأعداد الكبيرة من ضعاف العقول ؟ ألستم خير أمة ؟ }
علا صوت الأستاذ وهو يقول : وعلى المستوى الوطني فإن المسيحيين يساهمون بكل فعالية في نهضة اقتصادنا.
ربّت الأستاذ على كتفه اليسرى بيده وقال مبتسماً : لحم أكتافنا من خيرهم.
{ كنْ منصفاً أستاذنا ! لماذا تغمط اليهود حقّهم في مساهماتهم الاقتصادية ؟ لِمَ هاجروا يا ترى؟ }
نحن إخوة في الوطن وداعش منظمة إرهابية مجرمة لا تمثّل إلا نفسها . نستنكر ما تفعله باسم الله ورسوله، هؤلاء غاياتهم السياسية معروفة.
{ ؟؟ ولكن داعش لم تعلن أي برنامج سياسي ! كل ما عرفناه أنها قتلت وهجّرت كل منْ يخالفها حتى إخوان الدين }
رفعتْ زميلتي يدها تستأذنه بالسؤال : لماذا لم تؤسّس داعش خلافتها الإسلامية حيث وُلد الإسلام ونشأ في السعودية ؟
سمعتُ خلفي صوتاً هامساً يقول بالعربية : السعودية أكبر داعش ليست بحاجة لصغار يلعبون في ديار البترول.
فردّ المصري بحماس مجيباً الزميلة : اِسألي الغرب، الغرب يهمّه أن تنأى السعودية عن منهج لا يناسب سياساته نظراً للمصالح التي يجنيها هناك، ولو فكرتْ داعش بتأسيس خلافتها في الخليج لرأيتِ الغرب يخرج عن بكرة أبيه ليستأصل شأفتها بدون مؤتمرات، ثم .. إن السعودية لا توافق من الأساس على اتجاهات داعش الهمجية، لأنها لا تمثّل الإسلام دين الرحمة والسلام.
فسأله طالب : إذاً .. منْ يمثل الإسلام ؟ وهابية السعودية ؟ إخوان مصر ؟ شيعة إيران ؟ أي إسلام تقصدونه ؟
أجاب الأستاذ : الإسلام الذي أنزله الله وكما جاء في القرآن وسنة نبيه.
قال آخر : لكنكم تولون أهمية لسنن الراشدين والصحابة أيضاً، والإسلام الذي أنزله الله تفرّق وتشعّب فأصبح إسلامات، والفقهاء اختلفوا، وكل مذهب يتبنّى أحاديث لا تعترف بها المذاهب الأخرى ..
قاطعه زميله : بل قلْ إن لكل مذهب ودين أنبياء ومقدَّسين تراهم المذاهب المخالِفة مجرمين سفاحين زناة قطاع طرق، والمصيبة أنهم جميعاً مذكورون في القرآن، فإن اعتبرتم داعش متطرفة، فأيّ من هذه الإسلامات هو المعتدل ؟ أليست كل الأجنحة المتضاربة والمتوازية بما قال الله ورسوله تعمل ؟
وخرج صوت رفيع من الخلف : أين المعتدلون رافضو التطرف والإجرام ؟ لماذا لم يخرجوا في مظاهرات احتجاج تدين أعمال داعش كالمظاهرات التي عمّتْ العالم أيام الرسوم الكاريكاتورية التي مهما قبُحتْ فإنها لا تهزّ الإسلام ؟ أرسوم تذْكرها اليوم وتنساها غداً أخطر على البشرية أم اليد الباطشة الذابحة لكل قيمة إنسانية ؟
كان الأستاذ يستقبل احتجاجات الحاضرين بصدر رحب، ولما التفت إلى جهتي وقعتْ عينه في عيني فقلت بدوري : رفْضكم لهمجية داعش لا يقدّم ولا يؤخّر ويُحسب لكم شخصياً، لم نسمع استنكاراً رسمياً من السلطات الدينية العليا لنصطفّ معها، وإذا احتجّتْ كان صوتاً متأخراً وخجولاً.
توجّه الأستاذ إلى أكثر الطلاب شغباً وقال : جوهر الإسلام واحد، معتدل وسطي، ولكل جناح طريقته في فهم الدين الذي يهدف إلى السلام والتسامح مع المخالف .. مؤيّداً أقواله من القرآن المكّي والأحاديث النبوية.
وعاد آخر يعارضه مؤيداً حججه من القرآن المدني والأحاديث النبوية.
وتفانى أستاذنا بتفنيد أقوال المعترِض والتأكيد على أنها أحاديث ضعيفة أو موضوعة.
لكن الطالب ما فتئ يستنجد بتفاسير الفقهاء.
كان الشاب الهولندي يحاول أن يتدخل في النقاش فتقاطعُه أصوات الحاضرين حتى استطاع أن يقتنص فرصة وقال :
أين الاعتدال في موقف ماليزيا عندما تفرض على المسيحيين ألا يستعملوا كلمة الله ؟ منْ هي ماليزيا ؟ ماليزيا دولةً وديناً ولغةً وُلدتْ أمس . ألا تعلم ماليزيا أن لفظة الله عبرية وآرامية الأصل ؟ الحضارات التي سبقت تاريخ بدء الإسلام تعجّ مصادرها اليهودية والسريانية بهذه اللفظة، حتى الأدب الجاهلي، هذا اعتداء ساذج على ثقافة الآخرين واجتهاد في غير مكانه، ثم نسأل كيف يلد التطرف ؟
أجابه المصري : هذا تطرّف برأيي، نحن ننحو إلى الاعتدال، هل رأيت مسيحياً واحداً يلتزم بهذه الفتوى ؟ كلمة الله بالرغم من ذلك تصدح في كل الكنائس، إنها مجرد فرقعة من أناس مهووسين.
ردّ الهولندي : هذا قولك أنت، الفتوى رسمية والفرقعة إذا سمعها البسطاء ظنّوا أن ما يقوله هؤلاء الكبار هو الإسلام، دون أن يدركوا حقيقة الأمر أو خطورته، هل وقفتكم وقفة استنكار صريح رافض ؟ أبداً .. نحن لا يهمنا ما جاء في كتبكم المقدسة ..
قاطعه الأستاذ المترجم : كتاب واحد مقدس هو القرآن.
فبادره الهولندي : بل كتب، حتى الصحاح مقدسة، وشروح الصحاح وتفاسيرها أيضاً، فأنتم لا تستطيعون تغيير حرف واحد منها ! نحن لا يهمنا ما جاء فيها، لأننا نعتبره فكر ذلك الزمان، يهمّنا الإسلام الحاضر : كيف يتصرف ويفكر المسلمون بعد أكثر من ألف عام على ميلاد دينهم، هل قوّمهم ؟ وهل يتعالقون مع مستجدات الواقع بشكل صحي يؤدي إلى تعمير الحياة ؟ أم أنهم يريدون جذب البشرية إلى زمن الأساطير واللامعقول ؟

وجدتُ أن إضاعة الوقت في كلام غير مُجْدٍ خسارة، فتركتُهم ودخلت إلى الحفل الموسيقي في منتصفه للأسف.
رُبّ دمعةٍ نفرتْ من العين وأنا أستمع إلى موسيقى العبقري رحمانينوف، رقّقتْ الإحساس فحلّقتُ إلى قرب الرحمن أشاهد معه من علٍ ذرى جبال، ارتمى على جنباتها بشَر يحتضر ويموت جوعاً وعطشاً وخوفاً.
في طريق العودة إلى بيتي، استعدتُ في مخيلتي كلمة الأستاذ الأردني الذي كنت أقف بالقرب منه . قال لي : عندما أتأمّل واقعنا العربي أترحّم على الخالد نزار قباني فقد قال :
" لا علاقة للعرب بعصرهم الذي يعيشون فيه مطلقاً . إنهم فئة جديدة من أهل الكهف لا تشعر بحركة التاريخ ولا بإيقاع الحياة ".
فأجبتُه : أخبرنا داروين، أنه في اللحظة التي ينقطع تفاعل الإنسان مع مستجدات الحياة، تتخلّف ثغرة سيملؤها شخص آخر ذو زخم حضوري ليحلّ محله، فالأقوى هو الأبقى.
فردّ الأردني بأسف : كم من الثغرات عندنا إذاً ستملؤها أقوام أخرى !! لا بدّ أن نستيقظ من هذا الحلم أننا الملائكة والآخر هو الشيطان.
كنت سعيدة أن ألمس الروح الإيجابية في كلام أستاذ التاريخ، المصري . لكني لم أستطِع أن أمرّ ببرود على عبارته الإنشائية :
( الإسلام والمسيحية جناحا الوطن وبهما معاً سينهض ويرتفع ).
ما هذه العبارة العاطفية السمجة التي يرددونها كلما أخذتهم الحمية .. صدّقني سيكون تحليق الدجاج ! نعم تحليق دجاج ومهما قوي جناحا هذا الطائر !
تحليق الوطن يحتاج إلى أجنحة، وطيور مختلفة يضمّها خافقاه، لا إلى جناحَيْ طائر ( واحد ) يتيم . كان أجدادنا نسوراً ينشرون أجنحتهم فيحجبون الشمس، فمنْ كسر تلك الأجنحة ؟ نسر واحد لا يكفي ليغطّي الشمس ويملك الفضاء.
السماء عطاء، فما أشدّ بؤس سماءٍ لا تقبّل جبهتَها الطيور ولا يقتسم نورَها النسور !
أو تلك العبارة التقريرية الاستعراضية الأخرى :
( الدينان الإسلامي والمسيحي كاللُّحمة والسدى ).
أين ذهبتم بالدين اليهودي واليهود يا إخوة يوسف ؟! متى ينصف العربُ اليهود ؟
أنسيج بلا صانع ؟ لُحمة وسدى ويد الصانع أيضاً ولو كرهتم.
يوحانين وحسنين وقبل الاثنين كوهين .. والثلاثة ( معاً ) شكّلوا النسيج الأصلي لهذه البقعة الجغرافية شئتم أم أبيتم !

إنه مرض العرب ووجعهم : الأول. الواحد. الأعظم. الأفضل. الأب القائد. الزعيم الخالد. الرئيس إلى الأبد أو نهدّم المعبد أو نحرق البلد !
ستعجز كل نظريات الطب النفسي عن تفسير هذا المرض العصي . ابحثْ في نفس كل عربي من أكبر رأس إلى أصغر مرؤوس، ستجِد فيها تركيبة عجيبة من سوبرمان ممزوج بكلاي ومطعّم على شمشون الجبار مع رشة بهار من قداسة، ومع ذلك سَعْيهم في الحياة كدبيب السلحفاة !
العربي إله صغير على الأرض، بحطّة وعقال وشوارب، أو بعمامة بيضاء أو سوداء ولحية، أو بثوب الرهبان أو الشيوخ وكرش، وحديثاً اقتحم هذه الأزياء الحجاب والنقاب بنظارات لم تعرفها أمّنا السيدة خديجة.
وانظرْ إلى اليهودي، ستراه ( بشراً ) صغيراً على الأرض ( إنساناً ) عظيماً في الكون.

إذا كنت أيها القارئ الكريم إنساناً تملك قوة التفكير، منتمياً إلى ضميرك، ولست من مؤجّري عقولهم لمنظمة غير نزيهة، حيّدتْك إنسانياً وأخمدتْ الوعي في داخلك، فضعْ عينك إذاً في عين الإعصار ! وإذا كنت ترنو إلى يقظة من أوهام سامّة زرعوها بداخلك، فأنبتَتْ قاتاً أضعفَ قدرتك على التمحّص في هذا العالم الغرائبي الذي تعيشه ولا تفهم سرّ جنونه، فلا تستضِئْ بنار الفتاوى التي تؤجج حرباً تأكل أباك وأمك وولدك، واسألْ نفسك لماذا ترجُمُ الشيطان من عشرات القرون، وإلى عشرات أخرى قادمة من العصور، وتدعو إلى الله صباح مساء طالباً العون والخلاص، ومع ذلك لم يضع الله سرّه وقوته إلا في قلة قليلة من الناس : اليهود ؟؟
اسمعْ مني أيها المغيَّب : لا تدْعُ عليهم .. لا تدعُ دعوةً سوداء ، بالترمّل، بالتيتّم، بتسليط الطير الأبابيل، بتجميد دماء القردة والخنازير، فيصطبغ قلبك حقداً وضغينة . هذه ليست لغة الله، الدعوة على الآخر تخرج من قلبك المكلوم فتدور مع الأرض ثم تنزل عليك.. من حيث خرجتْ . ألا ترى ؟ كيف كان نصيبهم النسور الأبابيل ونصيبنا طائرات عزازيل وموت ويُتْم ودمار ؟
ادْعُ لهم، لا عليهم .. أن يتمّ الله نعمته على عقولهم لتشملنا ببركاتها.

اليهود حزب الله المختار ؟؟
وألف نعم .. وإلا ؟ لِمَ لم يخترنا لنتقدّم العالم كما تقدّمناه قبل ألف سنة ؟
أووف ~ أما زلنا نذكر قصصاً من سنة جدّ جدّ جدّ جدي ..
أبشِروا يا يهود ! جند الكرامة لن يعود ..
أما زلتم حاملين سلاحكم ؟
وفّرووه !
أما زلتم منتعلين الحذاء العسكري ؟
اِخلعووه !
اُطلبوا الأمان . انتهى عصر – البيان رقم1 – وابتدأ عصر الفتوى رقم1- .
تربّعوا على رمال الصحراء وشاهدوا مهرجان ذوي الظاهرة الصوتية كيف يحلّقون ؟ لا لا ~ ليس إلى عالم الفضاء ، وإنما إلى عالم الجن والعفاريت والأدخنة الزرقاء.
ما لكم سادتنا ؟ اضحكوا ~ طيب سايرونا وابتسموا.
سراب ؟ آه حقاً .. نسيتُ أنكم في صحراء.
ولكن .. أنعموا النظر .. أليس من خيال عنتر يخزّن القات، أو عبلة تدخن الشيشة ويغنيان :
رقّصني يا جدع .. آه يا ليل آه يا عين ؟
آه يا ليل وطن النفاق !!

يتبع