حتى تسكت الكلاب النابحة

محمد طلعت
2014 / 10 / 6

نصر السادس من أكتوبر تلك المحلمة الوطنية التى تربينا عليها صغارا. وفي مثل هذه الأيام لم يفلت طالب في المدارس المصرية وإلا رسمها بألوانه الزاهية في كراريس الرسم، وكم كنا صغارا مبهورين بالفيلم أو الفيلمين عن هذا البريق في سهوكة محمود يس والحماس المفتعل لحسين فهمي ونحنحة نجلاء فتحي وماجدة وعوجة لسان نجوى إبراهيم.. وعندما كبرنا بُهت الإبهار وانتحرت الدهشة، حينما عرفنا أن ثمن الأقلام الملونة والكراريس كلفت أباءنا الكثير، وعرفنا كم السذاجة في الفيلمين عن نصر يقال إنه نصر عظيم.. ما بقى منه إلا إرث السهوكة والنحنحة والحماس المفتعل يؤديه ممثل عاطفي على خشبة زعامة النصر والثورة..!

فعندما شاهدنا أفلاما عن حروب الدول الأخرى، عرفنا كم كنا صغارا ولم نوثِّق أعظم ما قمنا به، وعندما كبارنا وقرأنا وقارنَّا فلم نجد كتابا قيما عن أكتوبر. بل وجدنا أحداثا وحكايات منها الباطل ومنها السم المدسوس في العسل، وفي أغلب الحكايات أوهام وأساطير وخرافات وأناشيد، وكراريس رسم ملونة عن جندي هزيل رافع العلم ودمه يسيل فوق خط بارليف، برغم ضآلة الرسمة إلا أنها كانت الأصدق والأكثر تعبيرا.!

الجيش المصري المفترى عليه العائش في الغيبوبة بتناحة الواقع والماضي الذي يجهله الجميع. جهل عن عمد وبتقصير من قادة الجيش أنفسهم، فمن نصدق مذكرات السادات أم الشاذلي؟!.. هل نصدق أنه أعظم انتصار أم كما يروج عنه ليل نهار بأنه أكبر أكذوبة، وأن مصر باعت القضية وقامت بدور الممثل الرديء على مسرح الحرب؟!

أين وثائق حروب الجيش ابن مصر الحديثة الذي أسسه محمد على، وخاض به المعارك وانتصر، وختم على قفا كل مرتزقة المنطقة بما فيهم العثمانيين، أين وثائق الفخر والنصر لجنود مصر في حرب القرم والمورة والحجاز والمكسيك، وغيرهم الكثير.

أين حكايات الجنود المصريين المغتربين في الجزائر واليمن، وفي كل بلد عربي في عهد الناصرية، ما دور الجيش في العراق.. ما هو الدور العربي في نصر أكتوبر الذي يكذبونه ويقللون من قيمته، ما هي الامتدادات العربية وعدد المقاتلين من الجيوش العربية في أكتوبر، وما هو دورهم ومشاركتهم بالضبط. فهل نملك الأدلة لإظهار الحق وإسكات باطل النعرة الاستعلائية في خطابهم عنا وعن نصرنا..؟

أين ملفات الفساد والتي ثار من أجلها جنود مصر.. أعيدوا الوثائق للشعب ليعرف هل خان الجيش ملكه.. هل ما فعله الجيش منذ الماضي وحتى الآن هوجة (عرابي) أم انقلاب (ناصر) أم ثورة (يونيو)؟؟!!.. الحقائق مختلطة ومفتعلة ملعب يرتع فيه كل سيء نية، صائد في الماء العكر، فمتى نصكر عليهم الطريق ونردم هذه البِرْكة..؟

أفرجوا عن الوثائق والحقائق، وافضحوا الكذابين والمنافقين في هذا الحقد والكره(من بعض الحمقى) لمصر الممتد من المحيط إلى الخليج . أخرسوا الكلاب النابحة الهابشة في لحم ذاكرتنا التي مسختموها بصمتكم وحرسكم البغيض.. احكوا عن أبى الفلاح المجند الذي قاتل في كل هذه الحروب وعن بطولاته هناك، فلقد سئمت من بطولاته المعلقة على جدار البيت القديم المتهدل.

جيش مصر هو جدي وأبي وعمي وخالي وأخي وأنا وابني... فكيف أقبل الإهانة لنفسي ولكل ناسي، وكيف أسكت عن تطاول خرف العجائز على مصاطب مرضهم وخللهم، وبغضهم لحرب كل ما أعرفه عنها إنها صورة شهيد أو صورة فخر على جدران الروح المصرية. فالحقيقة وحدها هي التى تسكت الكلاب النابحة، وبالحقيقة وحدها يعود الضي لصور ذكرياتنا المعلقة على الجدران.