سلوى النعيمي ونموذج المصادرة والنقض ما بين الأدب والسياسية-1

محمد طلعت
2014 / 9 / 21

الجدلية العقيمة التي غالبا ما تصاحب أي عمل أدبي خارج عن المألوف على مستوى اللغة والمعالجة الإنسانية والطرح الفكري المتضمن في اللوحة السردية الروائية. أمر ينم على انحدار وتدني منظومة القيم والحرية في تناول النص سواء على مستوى الفكر أو الإبداع الفني من قبل أنصاف النقاد والمعترضين على النص وعلى المبدع نفسه، ويتوج هذا الهجوم بمصادرة العمل الفني ومحاصرته بـ"التابو المقدس"، ولعل أقوى نموذج للرواية المصادرة رواية" برهان العسل" لـ "سلوى النعيمي"، التي أزعجت الرب في سمائه والأخلاقيين في أخلاقياتهم وكأنها حرضت على المساس بالأمن الاجتماعي، لتناولها موضعين غاية في الخطورة من وجهة نظرهم " خرق تابو اللغة العربية" و" خرق تابو المجتمع الجنسي" حيث تناولت النعيمي في شخصيتها الرئيسية بنصها الروائي "برهان العسل" بعض المفردات الحيوية المهجورة من اللغة الرسمية تلك اللغة المتبرقعة بالحجاب والنقاب، وكأن هذه المفردات عورة لغوية لا يصح استخدامها في إطارها الفصيح المعترف به في القواميس والمعاجم العربية. فضلا عن إنطاق النعيمي ما لا ينطق في نصها على لسان البطلة التى تسرد بعض مشاعرها الجنسية كامرأة عربية مكبوتة بعالم له قيوده الظاهرية وحريته في الخفاء. فأزمة البطلة هنا تعكس أزمة اللغة، وبالتالي تعكس أزمة المفردات المحرمة التى تعكس أيضا أزمة بوح مشاعر الأنثى العربية.

إن الازدوجية المجتمعية التي فضحتها اللغة في "برهان العسل" والتى تؤكد عوار الحالتين التي يعيشها العربي في استخدامه للغة بين ما يقال في العلن وأمام حفل من الناس وما يقال في الخفاء، وبين زمرة من الندماء والخلان. بين ما يقال في أدب واستحياء وبين ما يقال في فجور. ولعل المفردات الجنسية التى وصمت بعار الشهوة وحصارها في قوالب وحالات معينة تقال فيها سواء بقصد الإثارة أو بقصد السب. هنا أعطت تقاليد عوار المجتمع مع لغته في تدرجها بين المستويات الفصحى والعامية واللهجات حالة من السلطة والتجبر التى تتسم بالازدوجية في استخدام نفس المفردة في العلن أو الخاص، فضلا عن الفعل وممارسته ما بين النور والعتمة. كل هذا جعل قيم وأخلاق الشخصية العربية متناقضة ومتفاوتة التفسيرات لممارسة الفعل وفقا للمقام سواء في العلن أو الخفاء واستغفال الأخرين، فتقول الساردة" ما كنت أمشي معه في الشارع العام، وما كان يمشي إلى جانبي، من دون أن يضع يده على مؤخرتي، يتحسسها من فوق الثياب أو على اللحم مباشرة. أصرخ مبتعدة عنه: مجنون، نحن في الشارع العام. قد يرانا الناس! كنت جبانة، وحريتي الجنسية العملية لا تعبر عن نفسها إلا بعيدا عن عيون الآخرين. كان يقول: تلفتين نظر الناس عندما تبتعدين عني. إنهم لا يَرَوْن شيئا. لا أحد ينظر إلينا لو تابعتِ السير بهدوء. يرد عليَّ وعلى استهجاني، وهو يعيد يده إليَّ، إلى مؤخرتي، وأنا أشهق رغما عني، والتصق به، وأنسى العيون الغريبة. صار يبحث عن باب أول عمارة نمر قربها كي يجذبني إلى داخلها، ويقبل شفتي، ويمص لساني، ويتحسس صدري. بداية كنت مضطربة، وبمرور الوقت تعودت، وصرت أمشي إلى جانبه، وعيناي تبحثان معه عن أي مكان يمكنني فيه أن أقبّله وأمص لسانه وأتحسس جسده" ص 34. هذا الفعل الذي استهجنته البطلة ( في البداية) ابنة مورثات تشويه الأخلاق والقيم وعدم ممارسته في جمالياته على أرض الواقع.

توتر ممارسة القيم والأخلاق واختلاف مفاهيمها حسب تعاطيها تحت الشمس أو في الغرف المغلقة أمر معقد في الشخصية العربية في فعلها ولغتها، وهذا يفضحه النص "برهان العسل" من رفض تام لهذا الختان الفكري واللغوي، فجاءت "برهان العسل" بمفرداتها بشكل عفوي وتلقائي، وكما هو معبر عنه بالحياة، وما يجري به على اللسان، فتقول الساردة موضحة المعنى الكامن وراء مسمى برهان العسل : " كنت أصل إليه مبلّلة، وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقيَّ، يتفقد العسل كما كان يسميه، يذوقه ويقبّلني" ص 30، لتؤكد المعنى مرة أخرى من تحوله من السعار الجنسي إلى تذوق جمالي شهود للقلب مالك كل الجسد والروح "... ترمينى لاهثة مضرجة بالعسل والمنى ، أحتضن لذتى النابضة قلباً بين ساقيَّ "، ص 91، ليبقى العسل هو سر الجمال والكمال الناقل من عتبات الجسد إلى الروح من عتبات الروح إلى الملكوت السر الحافظ لمحبة يصعب على الكثير فهمها واحتوائها والحفاظ على توهجها وديمومتها مهما مرت الأيام والفراق سيبقى عسل البرهان، وهذا ماتؤكدة الساردة في :" كنت واثقة من أن المفكر سيطلع أمامي ذات يوم... ليسألني عن عسلي ... وأرد أن عليه أن يجد الجواب بنفسه ، أن عليه أن يمد يده بين ساقىّ ليتذوقه . برهان حلاوة العسل . هو العسل نفسه ، يقول ابن عربى "، ص 149 .

تهبط معارج برهان العسل إلى حضيض مستويات العفن المجتمعية بتوصيفه للفعل وللمفردة المصاحبة لها في اللغة من الاحتقار المتدني والمبتذل للمشتقات اللغوية ما بين الفصحى والعامية "شرموطة / سايبة/ فلتانة" ودلالتها الثقافية في الشارع العربي، فحين يتم توصيف الفعل وصاحبه بـ" عندنا يُسمونها شرموطة . بلعت الكلمة . اكتفيتُ : فلتانة . سايبة . نفس الشئ تقريبا " ص 76، فهذا يمثل ختان فج ونمط متسيد سلطوي استعلائي بجلد الذات مرة وجلد الأخر مرة بهدف احكام القبضة على المجتمع.

إن تنوع الساردة بوحها باستعمال المفردات المسكوت عنها لهو أمر كاشف عن عوار الختان اللغوي والفكري في تباين استعمال اللغة والفعل وتفاوت القبول والرفض لهمها، فتقول:" الشيخ المغربى الذى يعلم الطالبات نواقض الوضوء ، يعددها واحداً واحداً إلى أن يصل إلى مس الذكر، وستسأله واحدة من الصبايا ، يا شيخى ، بالسين أو بالصاد ؟ " ص 106، لتسأل بسذاجة المرأة الشبقة التعسة المصابة بخلل الرؤية التى هي نتاج لتناقضية المجتمع حول التصريح بـ " أنا أنيك إذن أنا موجود. لماذا لايمكنني أن أقولها أو أكتبها بالعربية؟" ص 116، وتضع النعيمي هنا الرد الصادم للثقافة العربية المزدوجة في مفرداتها التي تشكل طابعها اللغوي المحصور ما بين الحلال والحرام بمفاهيمه الخاطئة التي تتبعد تماما عن مفهوم الشرع نفسه لنوعية هذا العلاقة ، لذلك"بالعربية، النيك، لفظا وفعلا، ممنوع من العلنية في أيامنا هذه. النيك معصية حتى ولو كان شرعيا.."ص116.

كل هذا الختان الفكري واللغوي وقع تحت سطوة العيب، وليس الأخلاق، حيث تم النظر لهذا النص باعتباره نصا جنسيا فجا، وتم تصنيفه تحت الكتابات الإيروتيكية، بل والطعن في شرف المبدعة في أسفاف نقضي، والنظر إليه بنظرة الاستحياء القبيح لأنه يخوض حالة بوح لمرأة تسرد مغامراتها الجنسية ورغبتها مع ذاتها ومع الكتب ومع صديقها المفكر على اعتبار، هذا الفضح في المقام الأول ما هو إلا فضحا لغويا صادما، تعامل معه الجميع على أنه سعار جنسي يجب طمس الساردة وتلجيمها لتختزل لغتها في إطار المفردات المتعارف عليها(الاستحيائية) والمتبعة في مثل هذا البوح والسرد.

العمل الإبداعي في"برهان العسل" لم يكن صدمة روائية، ولم يكن صدمة إبداع منقطع النظير، وإنما صدمة الإتباع لمن أسميهم بـ"الأباء المنفتحين الخالقين/ الآباء الصادقين" والإبحار إلى زمنهم الجرئ الصادق مع النفس ومع اللغة، فـ"سلوى النعيمي" تعلن موقفها بوضوح فى استخدام ألفاظ معينة( الفاظ مرتبطة بالجنس وفعله وبالأعضاء الجنسية) سكتنا عنها دهرا ولم نكتبها، وإن كنا نهمس بها سرا، وكأن قاموس اللغة انقسم على نفسه ما بين كلمات العيب، والذى لا يصح أن يقال وما بين ما هو مباح فى الجهر به علنا، وعلى الرغم من خلق هذا التابو اللغوي المحدث فنجد الثروة التراثية العربية العريقة ثورة في قلب الموازين الاختراعية والابتكارية في التعبير وتشكيل صور واستعارات تصل لحد ألوهي بجمال اللغة الذي يحاكي جمال الطبيعة في وصف الجمال في ثوب الإثارة المفعم بنعيم الشهوة والرغبة بلا حرج. إذن مَن أعطى الحق في فرض الختان اللغوى، مَن مزق صفحات هذا التراث العريق الصادق مع النفس ومع اللغة متسقا مع بيئته ولغته وربطها ما بين الطبيعة والأشياء والتفنن في ربط كل هذا بالمرأة وجسدها، فيقولون في وصف عضوها التناسلي الذي فاز بالسبق دون غيره في عدد الكلمات العربية التى تسميه وتصفه "فغير الكلمات المعروفة مثل المهبل والفرج، نجد كلمات تصف ضيقه ووسعه وجفافه ورطوبته. فنجد مثلاً: الهن، بفتح الهاء، والحر، بكسر الحاء، وكلاهما يعني الفرج. أما الضلفع: فهي المرأة الواسعة الهن (القاموس المحيط ولسان العرب). وكذلك الخجام: المرأة الواسعة الهن. والمرأة الرهوى والرهو: هي المرأة الواسعة الهن.. وكانوا يشتمون بأسماء الفرج، فيقولون إذا أرادوا سب رجلٍ: يا ابن الخجام. والخجام هي المرأة الواسعة الهن"، وأيضا تفننوا في البوح المتفنن في وصف " الممارسة الجنسية التي أعطوها أسماء تختلف من حيوان لآخر. فقالوا مثلاً: نكح الإنسان، وكام الفرس، وباك الحمار، وقاع الجمل، ونزا التيس والسبع، وعاظل الكلب، وسفد الطائر، وقمط الديك (فقه اللغة للثعالبي). أما نكاح المرأة فقد تفننوا في تسميته. فقالوا: باضعها، وذخمها، وخجأها، ووطأها، وناكها، ونكحها، وقيل للتزوج نكاح لأنه سبب الوطء المباح (لسان العرب). ومن شدة غرامهم بالنكاح فقد وصفوا نزول المطر على الأرض به، فقالوا: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينيه. بل قالوا: ناك المطر الأرض وناك النعاس عينيه (لسان العرب). وهناك كلمات مثل (بؤأ الرجل) إذا نكح. والباءة هي النكاح. وقالوا: ضرب الفحل ضراباً إذا نكح. وضربت الناقة: شالت بذنبها فضربت فرجها فمشت، وهي ضارب /القاموس المحيط للفيروزآبادي".

ومن هذا المنطلق نجد النقاد القدامى أكدوا على أن لا عورة في اللغة ولا في فكرها حيث أن اللغة هى ابنه الحاضر ومشاعره المعبرة عنه بلا استحياء ولا عقد، لذلك كان مذهبهم " وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنما المآثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب... فتفهم الأمرين وافرق بين الجنسين.عيون الأخبار / أبو محمد بن قتيبة الدينوري".

لذلك المبدعون القدامى أبدعوا الحكي عن الذات وما يثيرها وما يكدرها وما يسرها، فأبدع الغزل الصريح لحد المجون بل والتعبير عن رغبة المرأة المشتهية للجنس دون مواربة" المرأة عاشقة راغبة لا معشوقة مستجيبة"، كما ابتكر الأباء الصادقون طرق التعبير عن ولعهم بالجنس من خلال وعاء لغتهم المحتوية على (والتي اتسقت بين لفظها ومعناها واتسقت مع نفس ولسان المبدع) أسماء وأوصاف للمعشوقة الأنثى لدرجة وصف عضوها التناسلي، فضلا عن وصف وتدوين العلاقة الحميمة بين العاشق ومعشوقته وتضفير كل هذه الأوصاف مع الطبيعة ومع المرأة ومع اللغة ومع المشاعر، لذلك تكثر الإبداعات في الوصف حول الساحر الذي شغل بال الشخصية الرئيسية في "برهان العسل" في مداعبتها له (الهن) وفي اشتهائها لفعل"النيك" .

إذن من يصادر عملية الإبداع ومن هى العقلية التى تحلل وتحرم العمل الإبداعي بناء على لفته ومفرداته على أساس أنها عورة يجب ختان لغة النص الإبداعي حتى يستقيم ولا يسبب أي هيجان للقاريء؟ وتاريخنا العربي حافل بما هو أقوى وأصرح وأجرىء في تناول لغته ومعالجتها وفقا للحالة المزاجية التى تمر بها شخصية السارد ابن بيئته. ثمة انقسام هجين بلى لقيط لا يعرف له نسب ولا أب قام بهذا الانقسام في قاموس اللغة الذي حوله إلى مهجور ومتروك وغير مستخدم وبين صالح وغير صالح .. من جهض ووأد كلمات وأفعال ومشتقاتها بعينها دون الأخرى.. من الفاعل؟

تتساءل النعيمى نفس السؤال بشكل آخر، فمن منع كلمات وبدلها بالأخرى؟ "حتى كلمة النكاح فى عنوان أحد كتب شيخنا السيوطى هذبت وترجمت من العربية إلى العربية(الإيضاح فى علم النكاح)، صارت(الإيضاح فى علم الجماع) وطز فى السجع." ص 116.

وهنا تعلن النعيمى موقفها عبر نصها متخذة من رأى الجاحظ فى هذا المسألة حجة لها:" وبعض من يظهر النسك والتقشف، إذا ذكر الحر والأير والنيك تقزز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم والنبل والوقار إلا بقدر هذا التصنع.. وإنما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأى إلا يلفظ بها ما كان لأول كونها معنى، ولكان فى التحريم والصون للغة العرب أن ترفع هذه الأسماء والألفاظ منها " ص 115، فلا عجب إذن أن تسير الكاتبة على هذا النهج؛ حيث فتحت باب السطور والجمل على مصرعيه عبر صفحات روايتها لتسخدم فعل"ناك" وجميع مشتقاته ومفرداته لأكثر من مائة مرة حتى تكرر فى باب اللسانيات إلى ما يزيد من عشر مرات.

أما عن المنع والمصادرة والنقض، فثمة علاقة وطيدة شرعية وعلى يد مأذون معمم أو قس، وبشهود سنين وأجيال لا حصر لها. الكل يبارك في صمت أو عن رضا تلك العلاقة الآثمة المتوجة باسم الشرع على سرير الحُكم العربي الشهواني الدامي ببكارة الحرية والحق والعدل، ولأن الكلمة هي نور تكشف ظلام المنافقين وجشع المطبلين فدوما تخصص لها شرائع فقهاء السلطان المنع والترهيب والمصادرة، فكيف لكلمة تفج وتفك عتمة البلاد وتوقظها من رتق عبودية الحاكم بأمر الله؟ إذن يجب العمل بالحيلولة وبالبطش لمنع هذه الكلمة، لكن، كيف؟