قراءة في كتاب - أصول الديمقراطية في الفكر السياسي الحديث

عامر هشام الصفّار
2014 / 9 / 14


أهتم العديد من أهل الفكر والسياسة بدراسة الديمقراطية وفلسفتها في إدارة الدولة وتسيير الحكم في نظام سياسي معين. وعلى ذلك كثرت الدراسات والبحوث في الشأن الديمقراطي حتى أن مراكز البحث المتخصصة قد أصدرت المجلات الخاصة ببحوث الديمقراطية في العالم أضافة الى العديد من الندوات الفكرية المتخصصة حول الموضوع.
وقد أبى الأستاذ المحامي الراحل عزيز حسن الحسني إلاّ أن يضع خلاصة تفكيره السياسي في موضوعة الديمقراطية ليضّمها في دفتي كتابه الذي أصدره قبيل وفاته بفترة وجيزة عن شركة أبو ظبي للطباعة والنشر وذلك عام 2005، حيث جاء الكتاب تحت عنوان " أصول الديمقراطية في الفكر السياسي الحديث"، وعلى ثلاثة فصول ومقدمة، ومستندا على ما يربو من العشرين مصدرا من أمهات المصادر في الفكر السياسي. ففي مقدمته للكتاب أعتبر المؤلف أن أنتصار الحلفاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية أنما هو إنتصار للديمقراطية على قوى الديكتاتورية في العصر الحديث، داعيا قرّاء كتابه الى أن الموضوعات التي يتناولها إنما تعتبر وحدة فكرية واحدة متداخلة ومتكاملة.
وقد خصّص المؤلف الفصل الأول في الكتاب لموضوعة الجذور التاريخية للديمقراطية حيث نادى الفيلسوف الأغريقي أفلاطون بأن " مصدر السيادة هو الأرادة المتحدة للمدينة". وقد نادى الكثير من المفكرين والفلاسفة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر أمثال جون لوك وجان جاك روسو بالفكرة الديمقراطية التي أعتبرت سلاحا في وجه الملكية المطلقة كي تصل الى تغيير سلطتها أو الحد منها. وفي الولايات المتحدة الأميركية جاء أعلان الأستقلال في سنة 1776 كوثيقة تاريخية لتؤكد السيادة الشعبية وذلك أستلهاما للفكر السياسي الحر الذي نادى به منتسكيو وروسو وفولتير. وفي أنكلترا يذكّر الكتاب بثورة عام 1688 والتي أنتهت بإعلان وثيقة الحقوق حيث تغير نظام الحكم في أنكلترا من ملكي مطلق الى ملكي دستوري يجعل السيادة شراكة بين الملك والشعب.
وقد أكتسبت الديمقراطية عن طريق الثورة قوة لا غالب لها في القرن الثامن عشر، اذ أنتقلت من نظام الفلسفة والنظريات الى دائرة القانون الوضعي والتطبيق العملي. وحول تعريف الديمقراطية ومدلولها يأخذ المؤلف بالتعريف البسيط التالي " أن الديمقراطية تعني حكم الشعب أو سلطة الشعب، أي نظام الحكم المستمد من الشعب وفي ذلك تمييز للديمقراطية عن نظام الحكم الفردي". ولابد من تعريف الشعب هنا حيث هناك المفهوم الأجتماعي والآخر السياسي لمعنى الشعب، حيث يتحدد الأخير بكونه يشمل الأفراد الذين يتمتعون بالحقوق السياسية التي يقرّرها القانون. وعليه تكون الديمقراطية مذهبا فلسفيا ونظاما للحكم في ذات الوقت، حيث أن فحوى المذهب الديمقراطي هو أن الأمة هي مصدر السلطات وأن إرادتها هي أصل السيادة ومصدرها في الدولة. كما أن النظام الديمقراطي هو الذي يستوحي روح المذهب الديمقراطي، بمعنى أن يقوم النظام على أساس أرادة الأمة ويجعلها عماد هيئاته، حيث يضمن ذلك حماية الحقوق والحريات الفردية.
ويفصّل الحسني في موضوعة الديمقراطية السياسية حيث يستنتج انها يجب أن تبنى وتقوم على دعامات أساسية ثلاث:
1. الحريات الشخصية والتي تتمثل بحرية التنقل والأمن والسكن أضافة الى سرّية المراسلات.
2. الحريات الذهنية وهي التي تتمثل في حرية الرأي والأجتماع وتكوين الجمعيات أضافة الى الحرية الدينية والتعليم والصحافة.
3. الحريات الأقتصادية وهي التي تتمثل في حرية التملك والتجارة والصناعة.
ويستدرك المؤلف هنا ليقول بأن الديمقراطية بأعتبارها فكرة فردية تقرر قاعدة المساواة في الحقوق السياسية بين الأفراد دون أن يعني ذلك مساواة حسابية محضة بمعنى إعطاء جميع الأفراد حقوقا متساوية مهما أختلفوا في الكفاءة والأهلية وتباينت عندهم الصفات والقدرات.
وفي أحد مباحث الفصل الثاني من الكتاب يطرح الحسني فكرة الديمقراطية الإجتماعية والأقتصادية حيث تتبلور فكرة الجانب الأجتماعي في الديمقراطية من خلال أستهداف تحقيق المساواة بين الأفراد والعمل على رفع مستواهم من الناحية المادية، أضافة الى الحد من الإستغلال الأقتصادي والصراع الطبقي. وعليه فالديمقراطية السياسية إنما تكون منقوصة دون الديمقراطية الأجتماعية الأقتصادية، فما قيمة الحرية السياسية لفرد يعاني البطالة أو فرد يكون مهددا في سن الشيخوخة بالعوز والفاقة فضلا عن عدم شعوره بالأستقرار الإجتماعي. وهنا بالذات يرصد المؤلف العديد من تجارب العالم الغربي في ميادين حقوق أفراد المجتمع وحرياتهم، فيشير الى الدستور الفرنسي الصادر عام 1946 والدستور الصادر عام 1958 أضافة الى الأشارة الى القوانين الأجتماعية في بريطانيا وأميركا حيث أن الديمقراطية ليست نظاما يوضع ليتحقق في الحقل السياسي وحده بل أنها في الحقيقة فلسفة حياة يمكن أن تفسر على أساسها الأحوال الأجتماعية والأقتصادية.
ويستنتج الحسني في فصل الكتاب الأخير أن الديمقراطية تعمل على تثبيت دعائم الأستقرار في داخل البلاد لأنها بمثابة صمام الأمان الذي يحول دون قيام الإنقلابات والثورات كما انها تعادي فكرة الحرب وتدعو للسلام العالمي. كما ان نظام الحكم الديمقراطي يجعل السعادة في الدولة ترتكز على الأقناع والحوار والموافقة العامة لا على القوة.
وكان لابد للكتاب وهو يعرض لأصول الديمقراطية من أن يتناول ببعض التفصيل أركانها وشروطها المتممة، فيشير الى التعددية السياسية وحرية المعارضة ونظام الإنتخابات. كما خصّص الكتاب مبحثا لمعنى الديمقراطية الليبرالية وحدودها وإمكانياتها، لينتهي بتوجيه ندائه أن " يا ديمقراطي العالم أتحدوا". فيوما بعد يوم -يشير المؤلف- تتحول الديمقراطية الى ثورة عالمية مع أختصار المسافات عبر التطور في تقنيات الأتصال والتواصل الإجتماعي حيث غدا العالم قرية جامعة وأصبح التأثير متبادلا بين الدول ليكون ذلك أكثر كثافة وتعقيدا.
ولابد لي وأنا أعرض لأفكار الراحل الأستاذ عزيز الحسني عبر كتابه هذا من أن أشير الى الجديد في دراسات الفكر الديمقراطي، حيث نشر مركز دراسات الوحدة العربية قبل أشهر قليلة كتابا مهما بعنوان " الديمقراطية المتعثرة" الذي ضمّ مجموعة بحوث لعدد من المفكرين العرب. وقد أستنتج الباحثون أن حصيلة التحركات الراهنة من أجل الديمقراطية في البلدان العربية حتى الآن، لم تنتج في أحسن الأحوال سوى "ديمقراطية متعثرة" في قلة من البلدان التي تغيّرت فيها السلطة الحاكمة. أما الدول التي لم تتغير فيها السلطة الحاكمة، فأن الأمل في إنتقالها الى نظم حكم ديمقراطية، ضئيل ان لم يكن مفقودا، فبعد أنقضاء ثلاث سنوات على الحراك الديمقراطي العربي، لم يتحقق بعد إنتقال مستقر للديمقراطية في أي قطر عربي، فيما نذر الأقتتال الأهلي بادية في غير قطر عربي، لا سيما تلك التي أسقطت فيها الإنتفاضات السلطات الحاكمة.
وقد أرجع الباحثون الذين شاركوا في ندوة عن الفكر الديمقراطي عقدت في جامعة أكسفورد البريطانية في آب/ أغسطس 2013 تعثر الديموقراطية العربية بعد الانتفاضات الشعبية الناجحة التي باغتت الداخل والخارج الى عوامل ثلاثة:
أ ـ تشبث نظم حكم الاستبداد والفساد بامتيازاتها، وغياب البديل الثوري للنظم الساقطة وعدم توافق الجماهير والتئامها في كتلة تاريخية على قاعدة الديموقراطية.
ب ـ القوى الدولية الكبرى الحامية لأنظمة الحكم السابقة والمتضررة من فقدانها.
ج ـ عدم التوافق على نظام ديموقراطي بديل، وعجز القوى التي شاركت في الانتفاضات عن التوصل الى اهداف وطنية جامعة.
أن كتاب الراحل الأستاذ عزيز حسن الحسني حول أصول الديمقراطية لهو أضافة مهمة للمكتبة السياسية العربية حيث سيظل من أهم المصادر التي يمكن أن يعود أليها الباحثون والدارسون لمسيرة الفكر الديمقراطي في العالم.