استغلال الأحزاب المتأسلمة للحجاب والنقاب سياسيا

محمد طلعت
2014 / 9 / 6

كان لانتصار الرأسمالية العالمية أثر سلبي على العالم الثالث، حيث فرضت هيمنتها عليه، وخاصة العالم العربي المستهلك الأكبر لكل منتجات الرأسمالية الحديثة من آليات العولمة (وتوظيفها بالسلب في واقعه الاجتماعي)، إذ حدثت حالة من تخوف العالم العربي وتخوينه لهذه المظاهر التي تلقفتها الجماعات الإسلامية بدعوات الانحلال ونهاية العالم، حيث فرض على أتباعهم نوعا من الارتداد إلى الماضي، وإظهار هويتها المتأسلمة ممثلة فى الحجاب كإشارة أولى للتمكين من رحم المجتمع المؤثر، والعودة إلى التراث المتزمت للأشاعرة في جانبهم النقلي، فضلا عن تكرار دعوات من نوعية أن سبب البلاء الذي نحن فيه يعود إلى سفور المرأة وخروجها من المنزل، وترديد الأحاديث التي تحط من شأن المرأة بوصمها ناقصة عقل ودين وغير صالحة لكرسي العلم أو العمل.

نجح هذا المسعى بالعودة إلى النقل الشكلي والتزمت والتقوقع ضد كل ما هو حداثي، بل والهجوم الشرس على كل مناد بإعمال العقل والتعايش مع مقتضيات التحضر الإنساني الجديد الذي يفرض على الجميع المشاركة الإيجابية ببعدها الإنساني العام، وطالما قُبلت دعوة العالم للمزيد من الانفتاح والاندماج الحضاري بالمزيد من الانعزالية والانغلاق من قبل الجماعات المتأسلمة.

تسارعت وتصارعت الأحداث العالمية بعد هذه المواجهات الحداثية والانغلاقية. وصولا لأحداث 11 سبتمبر2001م، وما تتبعه من تفجيرات مدريد ولندن 2004م، وما تتبعها من أحداث ضرب القاعدة وسقوط دولة الملا في أفغانستان، مرورا باحتلال العراق وحالة الفوضى التى شهدها العالم العربي في اختلاط المفاهيم الإسلامية خاصة مفهوم الجهاد الذى تبنته الجماعات المتأسلمة المتطرفة لتمارسه في العراق ضد الأمريكان والشيعة، وكل من اختلف معهم. من هنا تحول الجهاد إلى فوضى ومجازر، ومن خلال هذه الفوضى فرضت الجماعات المسلحة ارتداء الحجاب بالقوة وأحيانا بالقتل، حيث بدا أن الجهاديين قضيتهم هى تحرير المرأة من العلم، وليست تحرير الأوطان من المحتل.

الأمر الذي أوقع الجماعات المتأسلمة في حرب ضروس دفاعا عن نفسها وهويتها واجترار الهزيمة التى صاحبت تطرفهم بالمزيد من اللين والسماحة في خطابهم وظهور الدعاة الجدد بخطاب لين، حيث الدفاع عن سماحة الإسلام، وإن ما حدث لا يمثل الإسلام في شيء، مع تقديم صورة إيجابية للمرأة المسلمة المتمسكة بحجابها، ويمكن القول بأن القصة كلها اختصرت في جذب المزيد من النساء المحجبات بأية طريقة، للتأكيد على أن تعداد الحجاب في البلاد متزايد وإن الإسلام قادم من خلال "غطاء الرأس"، حيث عملت هذه الجماعات في تحفيز المزيد من "ارتداء المسلمات للحجاب كنوع من السيطرة السياسية وتحريك الجماهير، وكانت نقطة الانطلاق هذه هي استغلال حجاب المرأة سياسيا.

في أبجديات الجماعات المتأسلمة ضرورة استراتيجية ألا وهي السيطرة على المرأة باعتبار أن المرأة هي سلاح هذه الجماعات الفتاك للسيطرة على عقول المجتمع. وقد تحقق لهم ما أرادوا من النفاذ إلى لب المجتمعات العربية انطلاقا من سيطرتهم على المرأة، فضلا على التواجد بين صفوف المجتمع بتمثيل دور الوسيط الإسلامي النبوي الجميل، واختراع خطاب مرواغ لتثبيت المجتمع وجذب الكثير من الدراويش والمغيبين والأميين دينيا بوصف كل جرم إرهابي يقوم به أحدهم بأن هذا الجرم وهذا الفصيل ليس منا، تحت شعار اللافتة البراقة الشهيرة (هذا لا يمثل الإسلام).

بين هذا الاستغلال وذاك التخدير. يأتي الربيع العربي متوجا الجماعات المتأسلمة بالحكم في كل من مصر وتونس والمغرب، حيث باتت للجماعات الإسلامية الكلمة المسموعة والمؤثرة أكثر سواء سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا مما لوحظ تزايد ظاهرة الحجاب والنقاب بشكل ملفت من خلال تجمعات النساء الإسلاميات في المظاهرات الحاشدة للإسلامين في في شوارع وميادين وفضائيات وبرلمانات مصر وتونس والمغرب، لتبقى الملحوظة الأسياسية أن الأحزاب المتأسلمة سواء التى كانت قبل أو بعد الربيع العربي اشترطت ضمن شروط انضمام النساء إليها بأن يكن بالحجاب أو بالنقاب. مما يفتح هذا تساؤلا عن مدى استغلال المرأة الحزبية المنتمية للجماعات المتأسلمة الحاكمة في كل من مصر وتونس والمغرب وظهورها بالحجاب أو بالنقاب.

أدرك الفكر الديني منذ انحطاطه قيمة المرأة ومكانتها الكبرى في دعوة الإسفاف السياسي باسم الدين، ولقت هذه الدعوة ترحيبا لا بأس به من مجموعات نسائية لم يكن تكوينها العقلي وتتطورها النفسي أبعد عن إطار (الست أمينة، صورة المرأة في الثلاثية نجيب محفوظ) المرأة التقليدية وإن تعلمت وإن تلقت بعض العلوم إلا أن تكوينها النفسي خانع للعديد من الابتزازات الغيبية الشعبية باسم الدين، وردّ أي بلاء شخصي يصيب الإنسان فهو بالضرورة عقاب من السماء، وعليه كانت قصة تحول وانضمام السيدة "زينب الغزالي" للإخوان بعد أن تتلمذت على يد "هدى شعراوي" وتبنأ لها "طه حسين" بمستقبل باهر في عمل الناشطات لتحرير المرأة من ركام الغيبيات، لكن تم الاستيلاء على الغزالي وباتت تردد نفس الغيبيات والموروثات من منطلق المرأة في الإسلام، وفقا لما يراه "حسن البنا". لتخرج علينا الغزالي في الكثير من الأحاديث والأفكار والكتب التي لم تضف في الحقيقة عند قراءتها شيئا يذكر سوى تكرار لموضوعات خطابية إنشائية وعظية وسياسية إخوانية تدور في فلك نفس الترديد الذي نسمعه هذه الأيام من أخوات الإخوان، فلا يكاد لغة الغل والحقد السياسية تترك لسانها في تبرير التوجه الإخواني مثلها مثل "عزة الجرف" وإن كانت المقارنة ظالمة بينهما حيث قد تخرج الجرف كوعاء أجوف بالنسبة لزينب الغزالي. لكن على أية حال للجرف دور لا ينكر في تغيب نموذج المرأة المصرية.

نعم، لقد أدرك الفكر المتأسلم في انحطاطه الأخلاقي ضرورة استغلال المرأة وتوظيفها سياسيا لخدمة دعوته المسفة باسم الدين، ومن هنا كان حرص حسن البنا لاستدراج زينب الغزالي لإغرائها بقيادة ما عرف بالتنظيم النسائي الذي تكون عام 1932م، وعرف بـ"فرقة الأخوات المسلمات"، لكنها رفضت في البداية لانشغالها بالفكر التحرري النسائي في جمعية هدى شعرواي، وفيما بعد قادت الغزالي هذا التنظيم الذي لولاه، لانتهت جماعة الإخوان نهائيا لما تعرضت له في فترة الخمسينيات والستينيات، فتقول "جيهان الحلفاوي" إحدى الناشطات البارزات في الجماعة إن "ما حفظ الجماعة من الانهيار، في ذلك الوقت، هو ما قامت به النساء من جهود لتولّي المسؤولية حين كان الرجال في السجون أو في المنفى"؛ ولأن النساء احتفظن بحرية الحركة، فقد استطعن القيام بتأمين الدعمين المادي والمعنوي لأُسَر المعتقلين، وهي أيضا واحدة من المهمات التي ظلت تقوم بها النساء حتى الوقت الحاضر". وهذا أمر مقبول وعادي ومفهوم طبقا لأية حركة ولأية جماعة ودور المرأة السياسي فيها.

أما ما يتم تصديره من خلال قصص الأخوات بأن هذا هو عمل الدين، وأن هذا نموذج المرأة المسلمة التى تفوز بالجنة دون غيرها. فهذا ادعاء باطل ومتاجرة بالدين، وذلك ما نحن بصدده حيث نحاول تفنيده كاشفين زيف أسطورة المرأة المسلمة بمفهوم الإخوان والجماعات المتأسلمة التى تستغل المرأة سياسيا باسم الدين.

إن على مر عصور انحطاط الفقه والفكر الإسلامي باتت المرأة تشكل فيها الظاهرة الأولى ما بين المناداة بحقها وبين طمسها وبين استغلالها لأهداف سياسية. حيث تم توظيف الدين لتغطية مخططاتهم السياسية، فكيف تم ذلك؟ لكي يتم، فيجب اختراق المرأة والسيطرة على كيانها وخوفها الموروث من الله وفطرتها السليمة لطاعة الله، ومن هنا ينفذ سيطرتهم فيتم تمرير خطاب نفسي ديني غيبى ما بين الترهيب والترغيب، ولعل قصص الفنانات المعتزلات في واقعنا المعاصر خير دليل على ذلك، وعلى الفور عندما تكون الضحية جاهزة فيتم تمرير العفو الإلهي عنها إن هى التزمت بطاعة الله، وماهي طاعة الله؟ يتركون كل شيء ويتمسكون بشي واحد ألا وهو الحجاب، واختصار طاعة الله كلها في فلسفة الحجاب، وهى فلسفة سياسية استيلائية في المقام الأول الهدف منها التمكين وفرض سيطرة الرأى على المرأة وإلا غضب الله الجبار الذي يعلق النساء من شعورهن بالمقلوب في سقر جهنم.!

وانطلاقا من أهداف التنظيم لفرض سيطرته على الأخوات فلم يكن بالنسبة لهم الحجاب إلا عملية غطاء للرأس كعمل سياسي أكثر منه ديني، لتمييز بين نسائهم وبين باقى النساء الأخريات، ووصل حد الاستعلاء في خطابهم بوصف نسائهم بالحرائر وباقي النساء اللاتي لا يمشين على نمطهم بالعبيد والراقصات مع تديين هذه الاستعلائية بالوصف الديني "الكاسيات العاريات". ذاك بالنسبة للشعر والرأس، وهذا موقف جماعة الإخوان منه تحديدا، لكنهم لم يهتموا أصلا بالوصف الديني المصحوب بتحريم سماع صوت المرأة بالعموم "صوت المرأة عورة" أما سماع صوت المرأة المنتمية للتظيمهم، وهي تتحدث بمنطق الجماعة وأفكار البنا وتحت قبة البرلمان وأمام الفضائيات فهذا ليس عورة. !

هذه البجاحة في الازدوجية والتناقض في التلاعب ما بين المعلوم والمنكور في الدين وفقا لقاعدتهم الذهبية التى تغلفها الطابع السياسي. لذلك تصدرت ظاهرة الحجاب في مجملها لدى الجماعات المتأسلمة كمظهر سياسي يعبر عن مظهر الجماعة وأعضائها، ولذلك ليس من الغرابة أن نشاهد بنات هذه الجماعات اللواتي لم يتعدين سن البلوغ يلبسن الحجاب أو النقاب كمظهر إسلامي مع العلم ووفقا لنصوصهم المختلة التفسير بأن الحجاب فرض على الفتاة البالغة فما بالهم يروجون لطفلة دون الخامسة وهى ترتدي الحجاب، بهذا ويتم الإتجار بالطفلة إعلاميا ودعائيا كصورة محببة يتم الاقتداء بها وتقليدها بين الفتيات الصغيرات، وبهذا يكون الحجاب والنقاب رمزا سياسيا وعلامة حزبية علي انتشار جماعات المتأسلم السياسي، وذيوع فكرها الضال بين الجميع حتى وإن كان مخالفا للدين الحنيف.