خالد القصّاب: وشعرية اللوحة الفنية

عامر هشام الصفّار
2014 / 9 / 6

عرفت الدكتور الجرّاح خالد القصّاب عام 1978 -1979 أستاذ جراحة فاضل له مكانته في الهيئة التدريسية لكلية الطب بجامعة بغداد. يدخل الأستاذ قاعة المحاضرات فيفرض هيبته علما وشخصية على طلبته الذين أحبوه وعرفوه طبيبا جرّاحا ولم يعرفوه فنانا، فهم طلبة طب على أي حال.
والحق أقول أنه كان يدرّسني عن السرطان ودور الجرّاح في العلاج ولم يشر الى فنه مرة واحدة فهذا مما لا أذكره.
وعودة الى سنواته الفنية فأني لواجده من المبدعين الذين ربطوا بين المبضع الجراحي وفرشاة الفنان وأوراقه وألوانه وحبه للناس والطبيعة ونزوع نفسه للأبداع والجمال.
وهو هذا النَفَس الأول في الطفولة وحبه للفن، وقرب روحه من جمال الطبيعة، وتوقه وأشتياقه الى التعبيرعن كل ذلك رسما وفنا..حيث قرّبته صداقته مع فناني العراق من تحقيق هدفه، وقرّبته ثقافته، وقرّبه علمه. ومن المعروف تاريخا أن خالد القصّاب كان أحد المؤسسين لجماعة الرواد الفنية العراقية حيث نظّم في بيته في كرادة مريم بغداد أول معرض فني للجماعة وذلك عام 1950. وعن جماعة الرواد يقول أحد فنانيها المتميزين الدكتور نوري مصطفى بهجت أن هذا التجّمع كان أول تجمع للفن التشكيلي الذي بدأ بالظهور منذ عام 1940 وأستمر بنشاطه لمدة 62 عاما حتى عام 2002. ثم أن القصاب قد شارك في تأسيس أول جمعية عراقية للفنانين التشكيليين عام 1956 حيث كان أول سكرتير لها.
وأنتَ ترى لوحاته وتشاهد وتنفعل وتدهش فتقترب أكثر للتمتع بألوان اللوحة وتشكيلاتها ومعانيها وبساطتها، فأني لواجد القصاب خالدا وقد أرتاح وأنتعش وهو يمارس الرسم أبداعا فنيا بعد يوم متعب في صالة العمليات. وهكذا فهو يعالج روحه بعد أن يعالج مريضه..فالفن عنده ليس للمال وليس لأشياء الحياة المادية، بل هو متعته النفسية وراحة باله وتوقه للمشاركة الأنسانية عبر لوحاته ورسومه وما تبدعه فرشاته.
وقد تقرأ مسار خالد القصاب الشخصي من خلال لوحاته، وقد تقرأ فلسفته في الحياة ، وقد تقرأ أفكاره الأنسانية..وقد تقرأ منهجه الحياتي من خلال فرشاته، فهو الواضح الصريح المحّب والمغرم بطبيعة ساحرة. أو هي عنده تظل وما تزال تأخذ باللب وأي مأخذ. فيا ترى كيف له أن يرسم العراق وبلدات العراق وبساتين العراق على غير ما رسم؟!..أنه الكون العراقي الجميل عنده.
وهي هذه الرؤية الفنية الكبيرة المتميزة التي عبّرت عنها لوحاته أحسن تعبير. وعليه فلا غرابة في تشبيه النقّاد لأسلوب القصاب في الرسم بما كان عليه الفرنسي الفنان بول سيزان الأنطباعي المعروف والذي أنتج وأبدع عالميا. ولابد لي من أن أستشهد بما كتبه د. خالد السلطاني من أن أسلوب القصاب العراقي أنما يضيف ضوء شمس بغدادية على اللوحة، وهي الشمس المتوهجة الحارة حيث تتشكل اللوحة عند الفنان القصاب من اللون الوحشي أذا جاز التعبير وكما يذكر السلطاني، أضافة الى التنبّه لضوء منبعث عن نور الشمس مما يغمر اللوحة من كل جوانبها.
ولعلي أستعير من نقاد الفن تعابيرهم ومصطلحاتهم فأقول أن لخالد القصاب ولوحاته فعلا لونيا مميزا..له طابعه الخاص.
وهو كما أراه يكاد يلتقي مع "بغداديات" الفنان العراقي ستار لقمان الذي هو أمتداد للمدرسة البغدادية في الفن العراقي الحديث، حيث أن الأثنين وجدا في جواد سليم المعلم الأول وهو الذي أسسّ المدرسة البغدادية في الفن الحديث.
ولعل التشكّل الجمالي للوحة عند القصّاب لن يتحقق في كليته بمعزل عن التخيّل الفني لحالة الطبيعة وروعتها في لحظة الزمن الحاضرة، والتي لا يفتأ الفنان الاّ أن يسجّلها بفرشاة التأمل والتفاؤل. ثم أن وظيفة اللوحة عند الفنان لن تكون بسيطة ذلك أنه يسعى لأن يملأ المساحة لونا وشكلا يستطيع الصمود أمام التغير والتحوّل بغية الخلود. وعلى ذلك عندما تأثرت أحاسيس الفنان القصّاب برؤية نهر دجلة من خلل شرفات غرفة الجلوس في بيت زميله الطبيب الكائن قبالة النهر، راح يرسم لوحته للتو سائلا لأن يهدي اللوحة لأبنة صاحب البيت وهي تعيش في غربتها في لندن، حيث أن الزميل نفسه بطبيعة الحال يرى المنظر أمامه يوميا!.
وأجد هنا أن أستشهد بما كتبه ماجد السامرائي حول لوحات الفنان ستار لقمان في عدد مجلة العربي الصادر في آب 2014 حيث يصّح فيه الأستنتاج على أبداعات فناننا القصّاب "ولعل أكثر أهمية في هذا التكوين هو الأنتقال الذي يعتمده من (المرئي) عينا وبرؤية العين الى الأحساس بهذا المرئي.، مما يجعله يوزع رؤيته الفنية في غير أتجاه، شاحنا ذاته بما يستعين به ويعينه في عمله هذا: الرؤية التخييلية واللون المتواشج مع عوالمها الزمانية والمكانية جاعلا منها منطلقه في تكوين لوحته".
وهنا أذكر ما قاله جواد سليم يوما من أن "الفنان الحق يجب أن يعرف ماذا يرسم ولماذا يرسم". وحول جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 يقول جواد" ما يثيرهم كفنانين هو ما في طبيعتنا ومحيطنا المحض. وأنهم جماعة أنما يهيئون الأسس للأجيال الشابة القادمة".
أن خالد القصاب صيّاد ماهر للحظات الطبيعة الجميلة الموحية، المثيرة، المدهشة. أما موضوعات خالد القصاب فهي قريبة الى كل الناس: هي الحقل والبستان والهور والغابة والأشجار ودجلة الخالد.. هي قصائد تلملمها فرشاته لتشير الى نبض القلب /العراق.
وعليه فلوحاته لا يمكن أن تملّها العين. بل يراها المشاهد المتابع متجددة في المعنى. أما حرارة فرشاته والألوان، فهي الجمالية الممتعة بعينها مما تجعله عندي فنان الطبيعة والبيئة العراقية بأمتياز.
ولعلي أقول مع السامرائي ماجد مرة أخرى "أننا هنا نجد الموضوع بما له من بُعد تشكيلي يتقدم فيكتسب بُعدَ حضور الذات من خلال علاقة هذه الذات بالمكان في ما لها من زمانية العلاقة به التي هي علاقة الرائي بالمرئي، كون هذا المرئي موضوعا محقّقا ضربا من حركية التراسل بين المستوى الرؤيوي/التخييلي والمستوى التعبيري عند الفنان".
أن كل ذلك هو ما أصطلح عليه بشعرية العمل الفني عند الأستاذ خالد القصاب.
ولن ينس قاريء كتاب الراحل الطبيب الفنان خالد القصّاب المعنون ب "ذكريات فنية" سرده التاريخي السلس لمسيرة الفن التشكيلي في العراق، أضافة الى تفاصيل العمل للفنان العراقي والأسلوب والتشكيل اللوني المتّبع عند كل واحد من الفنانين الذين عرفهم عن قرب، جعله يمتّع القاريء بقصص لم تكن معروفة عن حياة الفنانين الأصدقاء الخاصة. ولابد لي هنا من التذكير بأسلوب الفنان القصّاب الخاص في الكتابة التقريرية، فها هو يسطّر مشاعره بعد أن رأى وسمع عن أخبار الوطن وأحتلال بغداد في نيسان 2003 ليكتب في حزيران ذاك العام قائلا: "في الوقت الذي أكتب فيه هذه المذكرات، تزول عن بغداد هذه المعالم الجميلة ضحية القنابل الذكية والغبية، وتشتعل فيها النيران. فوزارة التخطيط تصاب بالصواريخ وتحرق، وكذلك بناية وزارة الخارجية التي صممّها المعماري سعيد مظلوم على شكل زقورة ، ثم بناية مركز الأتصالات في السنك وبناية المجلس الوطني وكلاهما من تصميم رفعة الجادرجي، ووزارة المالية على طريق محمد القاسم السريع والتي صممّها المعماري قحطان المدفعي، وكذلك بيت والدي الذي صممّه المعماري الحلبي بدري قدح في أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين. وقصف أيضا البيت الأبيض المجاور له وهو من تصميم جعفر علاوي وفيه أقمنا معرضنا الأول، معرض الرواد عام 1950. أحترقت بغداد وأبنيتها، كما نهبت متاحفها وكنوزها الأثرية وتحّول الكثير من تراثها الى فحم ودخان أسود يغطي سماءها الصافية".
أن مرور الذكرى العاشرة لوفاة الفنان الطبيب خالد القصّاب أنما تعتبر بحد ذاتها مناسبة للتذكير بأهمية المنجز الفني والعلمي له، أضافة الى أهمية الأنتباه لضرورة تدريس الفن والأدب في كلياتنا الطبية ولو لساعات قليلة، فذلك لعمري يجلي الروح ويعطي للمهارة العلمية رونقها وسحرها وأخلاقياتها الخاصة. ومثل هذه الدعوة هي اليوم موجودة بشكل واضح في المدارس الطبية الأجنبية وخاصة منها البريطانية. وقد يفيد التذكير هنا بأن المجلة الطبية الأميركية المعروفة ب "جاما" أنما تنشر عددا من لوحات الفن التشكيلي في كل عدد أسبوعي من أعدادها وبعد المقالة الطبية مباشرة.