صور من دجل الرواة 2

احمد الكناني
2014 / 9 / 4

روى‏ ‏ابو هريرة ‏ ‏كما في صحيح مسلم ، باب ابتداء الخلق فقال : ‏أخذ رسول الله‏ ‏بيدي وقال: " ‏خلق الله عز وجل التربة يوم السبت ،وخلق فيها الجبال يوم الأحد ،وخلق الشجر يوم ‏الإثنين ،وخلق المكروه يوم الثلاثاء ،وخلق النور يوم الأربعاء ،وبث فيها الدواب يوم الخميس ،وخلق ‏ ‏آدم ‏‏ ‏بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة ".
وهذه الرواية بهذه النغمة تشابه ماتعارف عليه في كتب الاحاديث بالاسرائيليات وبطلها من دون منازع هو كعب الاحبار ، وبقية الرواة ممن اكثروا من روايات بداية الخلق قد تأثروا به تاثيرا بالغا حتى صاغوا رواياتهم بسبائك استاذهم ، وصاحبنا ابو هريرة هذا من جملة هؤلاء ، حتى نقل المؤرخون مديح الاستاذ لتلميذه بطريقة لا تخلو من المبالغة ، فقد روى الذهبي في طبقات الحُفاظ في ترجمة أبي هريرة أن كعباً قال فيه (أي في أبي هريرة ) " ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم لما فيها من أبي هريرة!!"
قال الذهبي : " فأنظر مبلغ دهاء هذا الكاهن ومكره بأبي هريرة الذي يتجلى في درس تاريخه أنه كان رجلاً فيه غفلة وغرة! إذ من أين يعلم أبو هريرة ما في التوراة وهو لم يعرفها، ولو عرفها لما استطاع أن يقرأها، لأنها كانت باللغة العبرية وهو لا يستطيع أن يقرأ حتى لغته العربية، إذ كان جاهلاً لا يقرأ ولا يكتب" .
ومع جهله فقد روى عن النبي ما مجموعه 5374 حديثا رغم انه عاصر النبي ثلاث سنوات وبعض الاخبارتقصرها على سنة ونصف فقط.
وكان بأمكانه ان يروي اكثر من ذلك بكثير لولا خوف انكشاف امره الذي قد يكلفه حياته ، فقد ظهرعلى فلتات لسانه بعض التصاريح وقد ضبطها لنا التاريخ انه قال للصحابة " ان في جعبتي اكثر من ذلك ولو حدثتكم به لرميتموني بالمزابل "
وكما في صحيح البخاري : أن أبا هريرة قال: " حفظت من رسول الله وعاءين اثنين: أما الأول فبثثته في الناس ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم ".
ويظهر ان الرجل كان يعتاش من مهنته هذه والتي اوصلته الى مراكزعليا من خلال التقرب الى الخلفاء ، لكنه لم يكن بذلك الحاذق في تأليف الروايات ، وقد انكشف امره في جملة من الروايات ، وحسبك منها قوله:
"دخلت على رقية بنت رسول الله امرأة عثمان وبيدها مشط، فقالت: خرج رسول الله من عندي آنفا جلت شعره فقال لي: كيف تجدين أبا عبدالله؟ ـ يعني عثمان ـ قلت بخير قال: اكرميه فانه من اشبه أصحابي بي خلقاً "
أخرج هذا الخبر الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين ، في احوال رقية ، ثم قال: حديث صحيح.

وهناك تعليق جميل على هذا الخبر من الحافظ الذهبي في التلخيص يقول فيه :
ورقية ماتت في معركة بدر و أبوهريرة اسلم سنة فتح خيبر، فهل رجعت من قبرها وقابلته
ونقل ابن ابي الحديد في شرح النهج عن الأعمش انه قال :
لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ، ثم ضرب صلعته مرارا ، وقال : يا أهل العراق ، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله ، وأحرق نفسي بالنار ، والله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول : إن لكل نبي حرما وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور فمن احدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها .
فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة .
وما اسهلها من مهنة قليلة الجهد وفيرة العطاء ، اذ ليس اكثر من حكاية خبر ينسبه الى النبي يحصل فيه على امارة المدينة بأكملها .
من المناسب جدا هنا نقل بعض صور الدجل والكذب لرواة عرفوا بهذه الصفات فيما يخص التعامل الفج مع اتباع الديانات الاخرى كالمسيحيين مثلا ، والتي اصبحت سنة متبعة عند بعض ممن يحلوا لهم الاستئناس بهذه الروايات ؛ تصورا منهم ان هذه الاوامر صادرة فعلا عن نبي الاسلام وانه لا ينطق عن الهوى وانما هو وحي يوحى ،وعليهم تطبيقها بحذافيرها للفوز بثواب الاستنان بسنته بمجرد سماعها من امام او خطيب مشبع بالحقد والضغينة لكل من خالف هواه فيجد ضالته في هذه الروايات متناسيا انها تتناقض مع ابسط مبادئ الاخلاق والذوق السليم التي من المفترض ان يتحلى بها الانسان في مقابل محيطه الاجتماعي والتي اصبحت جزء من المشاكل التي تحيطنا من كل جانب حتى كدنا نفقد الامل في الخلاص منها ، نظرا لما تحويه هذه المرويات من سبل الغواية والتشويش على افكار الشباب وعلاقتهم بمحيطهم المجتمعي المتعدد الثقافات والاتجاهات والاعراق ، وقد ترسم لهم مسارا خاطئا يؤدي بهم الى الانعزال عن مجتمعهم وبالتالي العداء لكل ما يخالف معتقدهم بل والانزلاق الى هاوية التطرف الديني، من دون الالتفات الى فهم روح الدين ودعوته الى التعايش السلمي ، واساس الاشكالية تأتي من خلال التشبث بنصوص صادرة من الكذابين والدجالين والتعامل معها على انها نصوص الهية لا مجال للنقاش فيها ، ومن الواضح ان ليس كل ما ورد في كتب الصحاح اتصف بالصحة وليس كل راو نقل عنه المحدثون اتصف بالصدق بل لابد من امعان النظر في نصوص المرويات ولا يصح الاخذ بها كالمسلمات ،خصوصا تلك التي تتعارض والعقل والذوق السليمين كروايات نجاسة المسيحيين والنهي عن معاشرتهم وعدم المبادرة بالتحية والسلام عليهم.
هذه الصورة منقولة عن صاحبنا ابي هريرة ايضا تضاف الى صوره الدجلية التي ملئت كتب الصحاح والسنن ، يتحدث فيها عن ادب الدين في تعامله مع المسيحيين ، تقول الرواية كما نقلها ابو داود في السنن الحديث رقم 5205 : روى حفص بن عمرعن شعبة عن سهيل بن أبي صالح قال خرجت مع أبي إلى الشام فجعلوا يمرون بصوامع فيها نصارى فيسلمون عليهم، فقال أبي لا تبدؤوهم بالسلام! فإن أبا هريرة حدثنا عن رسول الله(ص) قال :
" لا تبدؤوهم بالسلام وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق "
وسهيل بن ابي صالح هذا ناقل القصة ليس احسن حالا من ابي هريرة فكلاهما من المكثرين من الرواية ومعروفين بالكذب حتى اشتهر عن ائمة الحديث انهم ينقلون روايات سهيل لكن لا يحتجون بها ،كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر في طبقات المدلسين رقم 92 فنقل عن ابي حاتم وابن معين قولهما :" يكتب حديثه ولا يحتج به" .
ويظهر لمن تتبع كتب الحديث واحوال الرواة ان الرجل مصاب بأمراض نفسية خطيرة كالاكتئاب الشديد والزهايمر، فكان يروي الاحاديث وينسبها الى النبي "على كيفه" ، والطامة الكبرى ان يأت الناس في ذيل التاريخ ليطبقوا سنة هؤلاء المعتوهين مع ابناء مجتمعهم من غير المسلمين معتقدين انها الوحي المنزل من السماء .
فقد نقل الذهبي في ميزان الاعتدال عن ابن المديني انه قال : مات أخ لسهيل فوجد عليه " اي حزن عليه " فنسى كثيرا من الحديث.وقال ابن أبى خيثمة: سمعت ابن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديثه .
وقصة سهيل هذا لم تنتهي عند الخرف والنسيان وانما روي عنه اشياء غريبة ،والاغرب منها انها موجودة ضمن المجاميع الحديثية المعتبرة كصحيح البخاري ومسلم وكتب السنن ايضا فقد نقل عنه ابو داود الكثير من الخزعبلات منها حديث ابو بريص الشهير :
روى سهيل ابن ابي صالح عن ابي هريرة انه قال : " من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك ، وفي الثالثة دون ذلك ".
وفي رواية : في أول ضربة سبعين حسنة .
الرواية منقولة في المسند الصحيح لمسلم الحديث رقم 2240 ووصفت بأنها صحيحة
وعلى اهميتها القصوى نقلت بمضامين مختلفة ومن دون ذكر الاعداد هكذا :
"من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة . ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة ، لدون الأولى . وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة ، لدون الثانية.
وقد تنبه بعض الفطاحل لاهمية هذا الحديث ، وانه وحي من قبل الله تعالى فكتب مدونة الكترونية على شبكة الانترنيت يثبت من خلالها للعالم اجمع الاعجاز العلمي لقتل ابو ابريص بالضربة القاضية ،ولو تكررت الضربة ثانية وثالثة ماذا يحدث !!!
هذا غيض من فيض من مرويات هذا الثنائي الكذوب ، وواقع الحال ان هذين الراويين كان همهَم هو نسبة الاكاذيب والدجل الى النبي لاضفاء صفة الشرعية على مقولاتهم في مقابل تعزيز مكانتهم كرواة لاحاديث النبي ومن ثم الحصول على مكاسب تقربهم من الخلفاء .. وقد مر معنا رواية ابي هريرة عن رقية بنت النبي في مدح الخليفة عثمان رغم ان الثابث تاريخيا ان رقية ماتت قبل ان يرى ابوهريرة النور ، وسيرته تثبت انه ذات نفس طائفي في نقل روايات المدح والذم في فترة احتدام الصراع بين خلفاء المسلمين لتحصيل المناصب الرفيعة ،وبالفعل فقد عقد له معاوية ولاية المدينة في مقابل رواية مضللة نسبها الى النبي في ذم علي (ع) .
والظاهر ان التلميذ سار على سر استاذه في مدح الخلفاء والامراء فصار يوصل اكاذيبه بابي هريرة وهذا يوصلها الى النبي فتصبح حينذ نصا الهيا يجب الاخذ به تعبدا ، فقد روى سهيل بن أبي صالح فقال : كنا بعرفة ، فمر عمر بن عبد العزيز ، وهو على الموسم ، فقام الناس ينظرون إليه ، فقلت لأبي : يا أبة ! إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز ، قال : وما ذاك ؟ قلت : لما له من الحب في قلوب الناس . قال : سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر مثل حديث جرير عن سهيل ، وهو : إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : إني أحب فلانا فأحبه ، قال : فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض .
وروي عن زيد بن أسلم انه قال : قال لنا أنس ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله من إمامكم هذا يعني عمر بن عبد العزيز. قال زيد فكان عمر يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود.
وليس القصد من نقد المرويات التي تعظم من شأن عمر بن عبد العزيز وهو التقليل من شأنه ، فأن صلاحه او فساده امر اخر غير اضفاء صفة التقديس والتأليه الذي صنع من الحكام جبابرة واباطرة فملكوا رقاب الناس واحصوا عليهم انفاسهم ،رغم ان التاريخ انصف الرجل ونقلت عنه المناقب اكثر من المثالب على خلاف سلفه من العتاة الامويين ، فقد روى سعيد بن منصور عن يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه أن حيان بن شريح عامل مصر كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن أهل الذمة قد أشرعوا في الإسلام وكسروا الجزية؟
فكتب إليه: إن الله بعث محمدا داعيا ولم يبعثه جابيا ، فإذا أتاك كتابي فإن كان أهل الذمة أشرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطو كتابك وأقبل.