ملاحظات بصدد عملية اعادة الاعمار

محسن ابو رمضان
2014 / 8 / 31



نص اتفاق القاهرة والذي أدى إلى وقف العدوان على قطاع غزة إلى فتح المعابر لادخال المواد والمستلزمات لتنفيذ مشاريع الإغاثة واعادة الاعمار للقطاع المدمر جراء العدوان .
استشهد خلال العدوان أكثر من 2100 شهيد وجرح أكثر من 11.000 جريح وتم تدمير البنية التحتية والمرافق الاقتصادية والمنازل وتم تشريد حوالي 500 الف إلى مدارس الاونروا وأقارب العائلات المشردة .
تقدر المنازل التي تم تدميرها بصورة كلية بحوالي 3000 منزل وبصورة جزئية 20.000 كما تم ضرب آبار المياه ومحطات المعالجة ومحطة الكهرباء الوحيدة والعديد من الطرق والساحات العامة والمنتزهات والمدارس والمستشفيات والعيادات والمؤسسات الرسمية والأهلية والخاصة ، كما تم تدمير حوالي450 مصنع بصورة كلية ومئات المصانع بصورة جزئية إلى جانب الخسائر الكبيرة التي لحقت بالقطاع الزراعي، من حيث تدمير المساحات الزراعية والحمامات ومشاريع الثروة الحيوانية ومنع الصيد.
هناك تقديرات عديدة لحجم الخسائر وطبيعتها ، كما ان هناك اجتهاداً كثيرة فيما يتعلق بعملية اعادة الاعمار في قطاع غزة ، الأمر الذي يستلزم التفكير بالسبل الكفيلة القادرة على انجاز هذه المهمة بما يضمن العدالة والشفافية ووصول المعونة لمستحقيها ، كما يضمن الاستمرارية والاستدامة .
من الهام الاستفادة من تجارب اعادة الاعمار السابقة ، فبعد عدوان 2008 – 2009 ، عقد مؤتمر في شرم الشيخ في 2/3/2009 برعاية وزير الخارجية الامريكية آنذاك هيلاري كلنتون، وقد خصص المؤتمر في حينها حوالي 5.4 مليار --$-- ، إلا أن هذا المبلغ لم يصل لتنفيذ مشاريع اعادة الاعمار، بسبب استمرار الحصار والقيود على ادخال مواد البناء ومستلزمات الانتاج إلى جانب الانقسام الذي حال دون الاتفاق على هيئة مشتركة بين حكومتي غزة ورام الله للاشراف على عملية اعادة الاعمار .
وبالوقت الذي نرى بأن الظروف قد تغيرت الآن عن تلك الفترة ، حيث وجود حكومة تكنوقراط متوافق عليها إلى جانب إمكانية السماح بادخال المواد اللازمة لعملية اعادة الاعمار ، بما يعنى تجاوز لمرحلة الحصار التي كانت سائدة بصورة راسخة بالمرحلة بالسابقة ، فإن فرص اعادة الاعمار ستكون أفضل إذا تم التأكد من شرط انهاء الحصار والسماح بإدخال مواد البناء ..
لم يكن اداء حكومة التكنوقراط اثناء العدوان بمستوى التحدي ، فلم يتم محاولة عقد جلسة للحكومة في غزة ، أو إدارة عمليات الاغاثة من غزة ، رغم المطالب الكثيرة التي كانت ترفعها منظمات العمل الأهلي .
ولم يكن أداء المنظمات الدولية غير الحكومية بمستوى الكارثة أيضاً،رغم اعلان السلطة عن قطاع غزة منطقة منكوبة وكارثة انسانية، رغم تشديدها على تداعيات الحالة الانسانية التي يعيشها ابناء القطاع، إلا أن المنظمات الدولية لم تربط ذلك بالمسببات السياسية التي يقف في مقدمتها الاحتلال والحصار الامر الذي يشير بأن التركيز على التداعيات الانسانية فقط بهدف الحصول على حصة من كعكة التمويل القادم إلى غزة .
وبالوقت الذي تميز به أداء المنظمات الأهلية بالدافعية والمبادرة وقامت بجهد جيد وفاعل في توزيع المواد الاغاثية والطبية ، إلا أنها لم تعط نموذجاً جيداً بالتنسيق والتكامل ، حيث بقى العمل غير منسق بين المنظمات الفاعلة بالعمل الاغاثي .
كما لم تستطع مؤسسات القطاع الخاص الاتفاق على آلية للعمل الموحد بما في ذلك حصر الاضرار،تقديم المعونة، رغم الجهد الايجابي الذي قامت به من حيث الفاعلية وتفقد الاضرار الخاصة بقطاع المنشآت والمباني والمصانع ، علماً بأن القطاع الخاص بالتنسيق مع الحكومة ومؤسسات تابعة للأمم المتحدة قد شرع مؤخراً بعملية لحصر الاضرار تخص المباني والمصانع ،وهذه خطوة هامة.
وعليه فإذا كان أداء الحكومة مقصراً بصورة واضحة واداء كل من المنظمات الاهلية والخاصة بحاجة إلى مزيد من الفاعلية والتنسيق وأداء المنظمات الدولية سيئ على المستوى السياسي في محاولة للتركيز على التداعيات الانسانية فقط من أجل الحصول على حصة من التمويل كما ذكرنا فكيف يمكن تجاوز ذلك، والاستفادة من التجارب للشروع في تنفيذ عملية اعادة الاعمار.
إننا بحاجة إلى هيئة مستقلة برئاسة وزير من حكومة التكنوقراط مقيم في غزة وعندما نقول من غزة لأنها المنطقة التي تعرضت إلى الاضرار والخسائر ولأن الفاعلين التنمويين بها يستطيعون فهم الحالة بصورة افضل من غيرهم، على قاعدة "ان أهل مكة ادرى بشعابها "،على أن تشكل الهيئة من كل من الوزارات المتمثلة ذات الصلة مثل " الاقتصاد ، الاشغال، التخطيط، الاسكان " إضافة إلى ممثلين عن القطاع الخاص ومنظمات العمل الأهلي وبعض المنظمات الدولية العاملة وأبرزها الأنروا ، وذلك من اجل تحديد الخسائر وحجمها وطبيعتها والمبلغ المراد لاعادة الاعمار، علماً بأن التقديرات المختلفة تشير إلى أن الخسائر تتراوح ما بين 6-8 مليار--$--.
ومن الهام بعدها صياغة خطة سريعة ومتوسطة المدى وبعيدة المدى، تستند إلى الأولويات التي يمكن تحديدها برأي بالمأوى كأولوية طارئة ، حيث نحن بحاجة إلى خطط سريعة للمأوى ، عبر احضار كارفانات تمهيداً لعملية اعادة بناء البيوت، الأبراج السكنية التي دمرت ، إلى جانب التركيز على القطاعات الاخرى كالصحة ،المياه والزراعة ،الصناعة ،البنية التحتية .... إلخ " .
إن صياغة خطة وطنية يتطلب اشراك المنظمات التنموية " الوطنية " التي لها علاقة بإعادة التأهيل بعد الاغاثة ثم الاعمار والتنمية ، على أن تلتزم المنظمات الدولية بهذه الخطة وتسير وفقها في تجاوز لحالة الانكشاف السائدة، حيث ان المانحين هم الذين يحددون الأولويات التنموية كما يحصلون على حصة كبيرة من التمويل تحت بنود الاستشارة والدراسات وغيرها ،وهذا غير صحي .
من الضروري تجهيز هذه الخطة بصورة سريعة وذلك قبل انعقاد مؤتمر اعادة الاعمار بالقاهرة ، على ان يشارك به الاطراف المشكلة للهيئة المستقلة المقترحة بوصفهم فاعلين حقيقيين للعملية الاغاثية والاعمارية والتنموية .
من غير المقبول في اطار الحديث عن عملية إعادة الاعمار السماح للمقاولين والشركات الاسرائيلية بالمشاركة في هذه العملية ، أو أن تتم عبر مواد وبضائع اسرائيلية .
وبالوقت الذي تشهد فلسطين وبلدان العالم حملة جادة ونشطة باتجاه مقاطعة المنتجات الاسرائيلية ، فإن ذلك يجب أن يتعزز في قطاع غزة من خلال صياغة موقف وطني ذو اجماع يؤكد على عدم السماح بانخراط الشركات الاسرائيلية بعملية التنمية والاعمار التي من المناسب ان تتم من خلال الشركات الفلسطينية والعربية .
كما من الضروري ان تقوم القيادة الفلسطينية بالتفكير باثارة موضوع الخسائر الاقتصادية التي الحقها الاحتلال بقطاع غزة جراء العدوان الدموي لحوالي 51 يوماً وذلك عبر مطالبة دولة الاحتلال بأن تدفع ثمن الاضرار .
فإلى متى ستستمر الدول المانحة بدفع فاتورة الاحتلال ؟؟، أعتقد انه آن الأوان للتفكير بتغيير المسار عبر مطالبة دولة الاحتلال بدفع فاتورة الدمار ، كما من الضروري أن يترافق ذلك بتحميلها المسؤولية عنه بوصف ذلك يندرج في اطار جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية ايضاً.
إن المجتمع الدولي إذا أراد مساعدة الشعب الفلسطيني فإن الطريق الأقصر لذلك يكمن في انهاء الاحتلال وضمان حق شعبنا في تقرير المصير بما يشمل حقه بالوصول إلى موارده وثرواته تنفيذاً للقانون الدولي ، وذلك بدلاً من الاستمرار في دفع فاتورة الاحتلال.