أَقْتِلُ حبا في الأرهاب

محمد طلعت
2014 / 8 / 29

لا أعلم لماذا ارتبط بذهني كراهية المفعول لأجله منذ صغري، ولم يكن بيني وبينه أى عمار، لأن ببساطة قد شرحه لنا المعلم مؤكدا على أنه لكل شيء تبرير، والمفعول لأجله هو قمة التبرير في اللغة.. لذلك كان بالنسبة لى صدمة تراكمت معي.. لأنني منذ الصغر وحتى الآن لم أقدم تبريرا لماذا أحب هذا أو أكره تلك، فتقديم سبب مبرر للآخر حتى يقبلك ضمن قطيعه كنت أراه نفاقا من الطرفين.

فأنا أحب الله، هكذا أحبه بلا سبب أما لو قدمت سببا فهذا يعد نفاقا دينيا واجتماعيا وكذبا وتدليسا لإعطاء رونق وغطاء لحبي المبرر، لكن تعج ثقافتنا بالأسباب غير المنطقية التى تصل لحد السفه المبرر، فالقتل مبرر لو كان مع معارض، وسرقة الشعوب مبررة باسم الشريعة. الزنا مبرر لو باسم جهاد النكاح. الغزو مبرر لو باسم الفتح. الكذب وهتك الأعراض وطمس الحقائق كلها مبررة لو باسم الله. الخلافة القائمة على أركان الإرهاب مبررة باسم داعش.

في اعتقادي أن العلاقة القائمة على التبرير هي علاقة ضالة ومسارها يتم عبر مدرجات الإرهاب الفكري وممارساته الشاذة، وكم علمونا عبر خطب المنابر والمدارس العربية الشذوذ المبرر. بداية من تبرير الغفران لنفاق بعض أهل السنة منذ سكوتهم على مقتل "أل البيت" وقبول انحرفات معاوية بن أبي سفيان، وجبروت سلالته من خلفاء بني أمية، وحتمية الإعجاب بشخصية "أبو العباس عبد الله السفاح" وما فعله من ذبح بنى أمية والتبرير له في مقتل وتشريد وهدم كل أثر لهم. فضلا عن الإعجاب المسبق المصحوب بالأمر الآلهي بكل الصحابة وعدم توجيه النقد لهم، في حين أن بعضهم شهد تفريق الأمة وخروج الرسالة الربانية عن مسارها، لتصبح رسالة مُلك. يتقاتل عليها المتحاربون ليس لرفع راية الإسلام بل رفع رايه فلان ضد علان.. تاريخ سيء قد اصطحب بثقافة المفعول لأجله.

فهل تعلمنا، لا، في كل مرة نكرر الدرس، وفي كل مرة نمرر نفس التبرير ولم نتعلم. نمر على كوارث تاريخنا مرور الكرام ملتمسين الأعذار قابلين أي تبرير غير منطقي لأى فعل أسود شوه معالمنا وإنسانيتنا وزرع فينا جينات الدموية والتعصب والفرقة والإرهاب. أخر هذه الجينات التى ضخت خراء على حياتنا هي تلك الصيحات الدينية المسماة زورا بالفتاوى الشرعية التى تسن إن الإرهاب فرض من فرائض الإسلام، وتبريرهم راجع للآية الكريمة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله..) أرأيتم لم يُترَك حتى كتاب الله عز وجل من استغلالية التبريرية للمفعول لأجله، كثقافة مريضة في جيناتنا. أنهم فسروها كما اتفق الهوى الداعشي تلك الجماعة (لا أجد وصفا لها، فقررت أن أعف لساني) التي نحمل جينات شهوات المجون في القتل والتمثيل بالجثث، وكم جريمة حدثت في البر المصري والعربي حين تطالعنا الصحف بقصص الجريمة التى فيها يذبح رجل زوجته وعياله، وتذبح وتقطع امرأة زوجها، والقتل والسحل والتمثيل بالجثث في شوارعنا العربية، ولعل محافظة الشرقية المصرية، وواقعة التمثيل بجثث الشيعة في مصر خير دليل شؤم على تفشي الجينات الداعيشية وتوارثها عبر التاريخ حين كان يجلس الفقهاء في إعطاء درس كيفية جذ الرأس، وليس قطعها لأن في الأول متعة وتشفي وترهيب وتقريب لله.!

نحن نصنع مرة أخرى سفاحا جديدا، ونبكي بنفس الخسة على دم الشهيد الجديد. نحن نصنع الخراب في بلادنا ونحرقها وندمرها ونرهب كل صوت وكل عقل يرفض هذه الصناعة. صناعة داعشة من إنتاج ثقافتنا وسكوتنا عن ممارسات العنف والحقد والغل، ونبذ الآخر المختلف معنا في المعتقد حتى لو من نفس الدين. طفح هذا المسخ بحياتنا ليس في زيه الديني المحض، بل أخذ أبعادا سياسية أكثر توغلا وتوحشا في هدم الإسلام باسم الإسلام. وترك أعداء الإسلام وقتل المسلمين الموحدين في هدم وخراب بلاد الإسلام بهدف إقامة دولة الإسلام. وما يحدث الآن من أصحاب الرايات السوداء ودولتهم في العراق وسوريا ليس بجديد، فالجذر والمنبت واحد.

بذور الزرعة المعوجة هذه عبر تاريخنا وثقافتنا كانت متفشية مع كل حركة إرهابية متطرفة باسم الإسلام، لاغتصاب مُلك البلاد والتفرقة وترويع الناس وتغيبهم وراء ستار الدين المقدس، وأغراقهم في بحور الملذات الأخروية والفتوحات العظيمة وتحوير الهزيمة، وفشل قادتهم أمام جنودهم وشعوبهم بأنه نصر وفتح مبين وفي أقل التقديرات يصفون هزيمتهم بأنه ابتلاء من عند الله لاختبار قوة إيمانهم لخلق فجوة بين الإنسان وربه وبين ربه ومجتمعه للتربع على مر العصور فرق المغالاة في الدين سواء على المستوي الفكري الضحل أو العسكري الإرهابي. بداية من لصوص الخلافة من الإمام "على" مرورا بعصابة السفاح العباسي إلى فرق الحشاشين والقرامطة وصولا إلى عصرنا مع حركات الوهابية والسلفية وتربع حركة البنا وقطب على منابع تطرف الإرهاب الفكري الذي غذى الإرهاب العسكري في الجهادية التكفيرية والقاعدة، وآخر العنقود داعش.

أدرك كل العالم عوار ما في ثقافتنا من سحرية المفعول لأجله لتبرير كل أفعالنا الدموية باسم الإسلام.. تم استغلال الكراهية بداخلنا لكل ما في الحضارة الإنسانية وتم تصديرنا للحرب بالوكالة عن أمريكا ضد روسيا تحت مسمي براق "المجاهدين الشيشان وأفغانستان" وفتحت أبواب بعض سفاراتنا العربية لتصدير شبابها مؤمنة بسحرية التبرير العربي الخاضع لقانون المصلحة الدولية الفاعل دائما، وما نحن له إلا في موقع المفعول المخجل. كلنا باركنا هذه الهمجية التي ترتع بداخلنا باسم الله.. وبهذه النزعة تم الالتفاف على زعامة صدام حسين وجيشه لتركيعه غزو الكويت، وباركنا جميعا غزوه باسم الدين وحاربناه أيضا وقتلناه أيضا باسم الدين في حالة غير مسبوقة من النطاعة العربية في إدمانها لحبوب التبرير.

الكل خاف واستسلم لديكتاتورية بلاده وتحالف كل من يرفع راية متأسلمة مع نظامه حتى لا يكون مصير بلاده مثل العراق. هذا كان في العلن، لكن في الخفاء، كلنا لعبنا ألعاب قذرة في العراق المغدور به، تم تصدير كل الحقد والجاهلة والتطرف والمغالاة بداخلنا لتنفجر في أسواق العراق. كبر الغول في العراق وتوحش. تحت مسميات كثيرة أقبحها وأشرسها من يتحكم فيها الآن.

والآن كانت بدايته تحديدا لما بعد عام 2003م، في العراق، وبالتحديد وقت ظهور "أبو مصعب الزرقاوي" وظهور تنظيم "القاعدة في العراق"، الذي كا يستهدف بالأساس الشيعة العراقيين لظهورهم بمظهر مطاردون للرافضة والكفرة، بالإضافة إلى قتل بعض الجنود الأمريكيين لظهورهم بمظهر المطارد للمحتل لإضفاء نوعا من الشرعية الدينية والسياسية. لكن لم يصلح هنا معهم تبرير المفعول لأجله، فما المبرر إذن في تفجير الأسواق وقتل الأبرياء في العراق؟ لكن بقى سحر المفعول لأجله شاغل بال السعوديين التى رأت في تنظيم أبو مصعب الزرقاوي الحل السحري لضرب إيران في مقتل والتخلص من الشيعة، فغذت هذا التنظيم السفيه كوسيلة سياسية للتغطية على المنبت العفن في الكراهية بين السنة والشيعة. وباتت العراق ككل مسرحا للحرب الطائفية والكراهية بين أبناء الوطن الواحد ليصبح العراق في نهاية المطاف أكبر تجمع جاذب بعد أفغانستان للجهاديين الإرهابيين من كل بقاع الأرض.

باسم الدين تم ابتكار "الدولة الإسلامية في العراق" في أكتوبر 2006م اسما ملهما بديلا عن القاعدة في العراق، وحتى يكتمل سيناريو السياسة (الأمريكي والسعودي) العفن تم اختراع حركة الصحوة في الأنبار السُّنية، وقد وجد في الصحوة حليفا أساسيا للقضاء على بقايا القاعدة في بلاد الرافدين والأنبار تحديدا، وبالفعل قد نجحت صحوات الأنبار في القضاء على الدولة الإسلامية ودحرها وطردها من الأنبار في2007م، وأجبرتها على الاختفاء والرجوع لتحت الأرض مرة أخرى. لكنها السياسة الفاشلة الطائفية التى أعمت المالكي في قص ريش صحوات الأنبار في 2009م باتباع التمييز الطائفي الذي أعطى قبلة الحياة لعناصر الدولة الإسلامية للعودة مرة أخرى لتعود الكرة في الأعوام التالية التى صاحبت ما يسمى الربيع العربي 2011م، ويحدث ما يحدث في سوريا من تحالفات المفعول لأجله من شلة التنظميات المتأسلمة الإرهابية ليتم تمرير ودمج الابتكار القديم في حلته الجديدة تحت مسمى الدولة (الإسلامية في العراق والشام/ داعش) في 2013م، وتبعا لتطورات العمل المخابراتي للتغيير معالم المنطقة، وفقا للمصالح الدولية الضرورية للألفية الجديدة، وتمر الأحداث والأيام ما بين كر وفر في ثوب الحقد الأعمى المتأصل في بعض تيارات ثقافتنا الرديئة المتغلبة على طبائع الأغلبية باسم الدين، لذلك لم نر مجاهدين داعش يوجهون سكينهم لتحرير القدس كما كانت تزعم وتنعق أبواقهم ليل نهار (خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سيعود) بل اتجه جيش محمد الداعشي إلى الداخل لجذ رقاب المسلمين وأكل أكبادهم وقلوبهم حيا في منظر يأبى عن فعله الكافر.

نحن ظلمنا ثقافتنا وإسلامنا ومجتمعاتنا ولغتنا، وظلمنا المفعول لأجله، لاختصار شرحه للصغار على أنه قمة التبرير للأفعال السيئة، .. ولكني مُصر على كراهيتي لتحوير السبب إلى لغة تبريرية، لتبرير فرضية وجوب العيش في زمن ليس بزمانا.!

ويبقى الطرح البحثي الأهم والأخطر الذي يجب أن نشغل بالنا فيه ألا وهو البحث عن آليات الموضوعية والتدقيق والعلمية لطرد الفكر الهمجي من ثقافتنا وتراثنا وحاضرنا... لماذا كل هذا العداء لمظاهر الحياة؟ وهل رب الحياة يؤمرنا بذلك؟!