ميزورى: الوجه الآخر لمظالم السود فى أمريكا

محمود محمد ياسين
2014 / 8 / 29

فى التاسع من أغسطس صارت شوارع مدينة فيرغسون الامريكية (ولاية ميزورى) مسرحاً لمظاهرات صاخبة واعمال شغب ونهب واسعة النطاق اثر مقتل فتى من السود على يد أحد أفراد الشرطة.

وملابسات واقعة القتل غير واضحة وظلت تفاصيلها تتأرجح بين روايتين. الاولى أن الفتى رفض الانصياع لطلب الشرطى منه أن لا يسير فى منتصف الطريق (jaywalking) مما ادى الى عراك بين الاثنين إذ كان الفتى عدائياً قبل توقيفه. وتقول الشرطة أن الشرطى أطلق الرصاص على الشاب الاسود عندما شعر ان حياته فى خطر أثناء المواجهة بينهما؛ وتجدر الإشارة الى أن الفتى كان قد قام بسرقة عدد من علب السيجار من أحد المتاجر قبل مقتله بساعات. والثانية هى أن الشرطى أطلق الرصاص على الفتى برغم ان الاخير كان يرفع يديه فوق راسه مستسلماً، أى عملية اعدام بدم بارد.

وما أن وقع حادث القتل حتى إنبرت بعض الجهات فى تأجيج النزعات العنصرية أمثال الديماجوج آل شاربتن (Al Sharpton) الذى لا يفتأ يصور أى صراع، يكون السود طرفاَ فيه، بالعنصرية (race-mongering)، تماما مثل جسى جاكسون الذى يفعل نفس الشئ وإن كان تناوله لهذا الامر أقل حدة من الاول؛ وكلاهما يلجأ لإستحضار خطاب حركة الحقوق المدنية فى ستينات القرن الماضى، التى كان هدفها حظر التمييز العنصرى ضد السود فى أمريكا، وصار نشاطهما هذا "صناعة" تدر عليهما ملايين الدولارات سنوياً. كما أن حاكم ميزورى ج. نيكسون إستبق التحقيق القضائى المبدئ لتحديد مدى صحة الاتهام الموجه للشرطى وطالب بالشروع فى مقاضاتة لكى تتحقق، على حسب ما قال، العدالة لاسرة الفتى القتيل وليس العدالة بشكل عام! واعتبره البعض جباناً ووصفوا موقفه بالرضوخ لما هو سائد فى الشارع استرضاءً للمحتجين (pandering).

التصرف العنصرى لبعض افراد الشرطة الامريكية لا يمكن نكرانه، ولكن ليس كل المواجهات بين البوليس والسود تحدث لدوافع عنصرية. كما أن معاملة البوليس الأمريكى الخشنة تطال فى بعض الاحيان البيض أنفسهم. كما تقدر الاحصائيات أن 94% من القتلى السود خلال الفترة 76-2005 تم إغتيالهم على يد سود آخرين؛ والاقتتال بين السود، الذى يسقط من جرائه مئات القتلى سنويا، فى مدينة شيكاغو يجعل بعض أحيائها تبدو كأنها مناطق حرب.

خلال العقود الخمس الماضية منذ إجازة قانون الحقوق المدنية لعام 1964 تطورت مسألة الحقوق المدنية للسود والتشريعات اللازمة لتحقيقها فى أمريكا تطوراً ملموساً؛ فقد ولى زمن القوانين الموسومة بقوانين جم كرو (Jim Crow)!

ورغماً عن المكاسب التى حققها السود بعد التحرر من العبودية الا أن معدلات نسبة البطالة وسطهم تعادل ضعف نسبة البطالة بين البيض؛ وهناك دراسات عديدة أجريت حول هذا الموضوع لا يوجد بينها ما يرجع التفاوت لأسباب عنصرية؛ ومعظمها تشير الى ان نسبة البطالة وسط السود مقابل تلك وسط البيض ظلت ثابتة منذ الخمسينات للقرن الماضى: يمكن مراجعة دراسة:
NBER-Black unemployment rate is consistently twice that of whites
والذى ضيَّق فرص السود الامريكيين التنافسية في سوق العمل هو حرمانهم من التعليم ومحدودية مجال عملهم خلال نظام التفرقة العنصرية الذى إمتد لاكثر من ثلاثة قرون. وإن عدم المساواة الإقتصادية (التفاوت الطبقى) فى أمريكا، الذى بلغ أوجه خلال السنوات السابقة نتيجة تكدس الثروة فى ايدى قليلة، تسبب فى تدهور الأوضاع المعيشية للأغلبية الساحقة من الأمريكيين؛ وكان وضع الامريكيين السود الاكثر تردى للاسباب السابق ذكرها. ولهذا كانت وتيرة التذمر والإحتجاج وسط الاقلية السوداء الاعلى فى المجتمع الامريكى. ولإمتصاص سخط الجماهير وحرف انظارها عن الاسباب الحقيقية لتدهور أحوالها الإقتصادية، لجأت الجهات المتنفذة سياسياً للترويج لسياسات الهوية (identity politics). ظلت سياسات تقسيم المجتمع لهويات متباينة، التى يقود لواءها الحزب الديمقراطى، تعمل على تكريس الخلافات بين الفئات المختلفة وتمنع توحدها حول القاسم المشترك بينها: مطلب الديمقراطية الاقتصادية.

قابل بعض المفكرين السود المحافظين سياسات الهوية بالإستهجان لإعتقادهم أن البرامج الموضوعة على هديها، لمساعدة السود بمنحهم مزايا اقتصادية خاصة، كانت نتائجها سلبية وعاملاً لهدم المساواة في الحقوق بين جميع الأمريكيين. ومن أبرز هؤلاء المفكرين عضو المحكمة الدستورية العليا الأمريكية كليرنس توماس (Clarence Thomas) الذى إعتبر أن خطة التدابير الإيجابية (affirmative action) تنمى عقلية الضحية لدى السود وكل ما يتصل بآثارها السلبية وهو ما اسماه (cult of victimization). ومن السود الذين أشاروا للآثار السلبية لمنح السود إستحقاقات خاصة الإقتصادى الشهير توماس سويل (Thomas Sowell) والكاتب جيسون رالى (Jason Riley) فى مؤلفه الاخير (Please Stop Helping Us). ولكن الاشكال أن هؤلاء المفكرين المحافظين لم يدرسوا واقع السود فى سيرورته التاريخية وجاءت تصوراتهم لحلول المسائل التى تعترضه عقلانية مجردة فى إطار سياسات الإقتصاد الراسمالى الحر والديمقراطية الليبرالية الجفرسونية.

مطلب الديمقراطية الاقتصادية فى أمريكا ، الذى اشرنا له سابقاً، قضية سياسية كبرى يعتمد تحقيقه على نهضة الحركة الجماهيرية لمجاميع البيض والسود والهسبان والامريكيين الآسويين الذين يعانون من الاجور المنخفضة والبطالة المستشرية. وهذه النهضة ملاحة فى بحار صعبة نبه لها مستوى العسكرة الكثيف الذى بلغته الشرطة الامريكية كما تجلى خلال أحداث مدينة فيرغسون. فمشهد أفراد البوليس وهم مدججين بالاسلحة والدروع الثقيلة بدا كأنه إستعراض أكثر منه مواجهة الإحتجاجات التى اعقبت حادث الاغتيال فى المدينة الصغيرة. وكرد على حالة الذهول التى إعترت الناس من هذا المشهد، غمغم الرئيس اوباما بكلام غير محدد حول ضرورة تخفيض تسليح الشرطة. ولكن هيهات أن تتراجع السلطات عن تقوية إستعداد الشرطة فى ظل الاضطرابات الاجتماعية التى تحوم فى الافق الامريكى نتيجة لتفاقم حالة عدم المساواة بين طبقات المجتمع الامريكى كنتيجة حتمية للنظام الرأسمالى. وعسكرة الشرطة الامريكية تنبئ بتحول عقيدتها المدنية إلى عقيدة عسكرية تتعامل بالقوة المفرطة مع الاحتجاجات السياسية والإجتماعية.