مصر: الديكتاتورية العسكرية وإنهيار الدولة.. شئ واحد

أمين المهدي سليم
2014 / 8 / 28

لا شك أن مصر منذ ثورة يناير مروراً بمجزرة رابعة وأخواتها وحتى اللحظة الحالية تحولت إلى ساحة صراع سياسى عنيف نتيجة إنفراد الجنرالات بالحكم وإقصاء كل القوى السياسية دون استثناء، وهو ما إختزل السياسة والحكم فى مصر فى الوصائية الأبوية والتغلّب والسيطرة والوسائل القمعية، حتى أنه يمكن القول أنها تحولت إلى عمل عضوى لا معرفى ولا أخلاقى ولا قانونى مما يمكن أن يُسمى بيوسياسة، مما أدى إلى تعقيد متزايد فى كل الأزمات التى تعانى منها مصر إلى حد الإستعصاء والإنسداد الذى يضع مصر على الطريق المسدود مثلما كل دول الدكتاتوريات العسكرية العربية كسوريا وليبيا والسودان واليمن، مع نموذج مختلف فى التفكُك وخصوصية فى كيفية التحلّل والإنهيار، وأعتقد أن استعراض وتحليل لبعض من أحداث هذه الفترة يؤكد ذلك:
أولاً: أثبتت المجازر والمآسى التى إرتكبها العسكر فى رابعة والنهضة والحرس وما سبقها خلال استنزاف ثورة يناير من تعدد فى أنواع القمع الوحشى المُبرمج مثل سلخانة المتحف المصرى، وإنتهاك أعراض فتيات الثورة وشبابها،‎ ومجازر محمد محمود ومجلس الوزراء والقصر العينى وماسبيرو وبورسعيد، وحرق المعهد العلمى وقتل ضابطى جيش شباب فى التحرير إنضما للثورة، وانتهاكات كلية الإعلام والبالون وغيرها، ومالحقها بعد ذلك من تصرفات إنقلابية وتلفيقات وتزوير وتلاعب لإستيلاء السيسى على السلطة، وإزدياد حدة القمع من قتل وتعذيب واعتقالات فى سجون الجيش والداخلية وأقسام الشرطة، وتلفيق الأحكام وتحول المحاكم إلى أدوات قمع بدورها فضلاً عن حملات غسل الأدمغة وتكميم الأفواه والتزييف والتشويه لكل الأطراف داخلياً وخارجياً وبمستوى من التدنى والرُخص والتحريض على نحو غير مسبوق، نستنتج من كل ذلك أن السلطة العسكرية فى مصر ليست من النوع الذى يمكن التفاوض معه فضلاً عن التوصل إلى حلول وسط مثلما حدث قبل مجزرة رابعة إذ أمكن بالفعل التوصل إليها عبر الوسيط الأوروبى والأمريكى ود. البرادعى كما أعلنوا أيامها، وأن السلطات العسكرية لم يكن فى نيتها إطلاقاً التوصل لأى حل سوى العنف، تماماً كما تعاملوا مع ثورة يناير، وكمدخل إلى الإنفراد بالحكم، وأنها تنتمى بالفعل إلى نُظم وثقافات الإبادة الشمولية كالنازية والستالينية والفاشية الإيطالية واليابانية فى تطبيقاتها الشرق أوسطية وثقافاتها العربية الإسلامية فى طرحها السلطوى الإمبراطورى الأكثر همجية مثل القذافى وصدّام والأسد وصالح والبشير، ناهيك عن حُكم العشائر والقبائل البترودولارية، وهذا ما أكدته ثانية أحداث أكثر من عام مضى بعد إزاحة مرسى وضد كل القوى الإجتماعية والسياسية، بإستثناء المخدوعين باستقرار زائف وأمن وهمى والطفيليات الإجتماعية والوسائط الإجتماعية التقليدية وبعض ربات البيوت والمُخبرين والمتطفلين على كل الموائد.
ثانياً: كان لقيادات الإخوان أخطاءاً كارثية بل وجرائم ناهيك عن انخفاض مستوى الأداء الفكرى والعملى على نحوٍ صادم؛ فقد كان وصولهم للحكم بحد ذاته صفقة مع العسكر، بجانب مواقفهم السلبية من مجازر وقمع العسكر ضد شباب الثورة، وكان هدف العسكر من الصفقة استنزاف ثورة يناير وتغيير مسارها إلى صدام شعبي مع الإخوان، واستغلال ذلك لمنع وصول رئيس مدنى للحكم واستمرار حكم العسكر، وهو ما حدث بدقة واعترف بهذه الصفقة الفريق سامى عنان رئيس الأركان السابق مع نصف اعتراف من الرئيس السابق محمد مرسى أى أن الإخوان كانوا مجرد أداة ضمن تاريخ طويل من الإستخدام والتحجيم، سبق معالجته فى مقال سابق بعنوان "مصير مصر"، أما عن أخطاء رابعة ففى الوقت الذى كان الإعتصام سلمياً يشارك فيه بجانب الشباب آلاف الأطفال والنساء والعجائز والبسطاء والفقراء من المدن والأقاليم إضافة إلى المئات من المرضى، إلا أن قيادات الإخوان سلّموا منصة الإعتصام أى صوته السياسى والإعلامى للعشرات من الحمقى والمُخبرين والإرهابيّين وشيوخ الجهل والمباحث، وكان التناقض هائلاً ومؤلما بين الواقع وبين الدعاية وهو ما استغله العسكر بسوء نية وإنعدام مسؤولية خاصة أنه كان لديهم صورة دقيقة عن الإعتصام بالصوت والصورة ومدى ضعف ووهن نية الدفاع المسلح عنه لأن الإعتصام كان داخل مدينة عسكرية وملاصق لمبنى مخابراتهم، كما أن التسليح لو كان هناك قرار بذلك، لكانت النتائج إختلفت جذرياً بواسطة قذائف آر.بى.جى التى تُصنع فى غزة و‎المنتشرة فى الشرق الأوسط وبأنواع متعددة، كانت كفيلة بتحويل جرافات ومدرعات الجيش والأمن إلى مجرد سواتر للمقاومين، ويلاحظ أن نسبة خسائر المجزرة بين الطرفين هى بنسبة 8 جنود إلى حوالى ألف ضحية طبقاً لتقرير الطب الشرعى (الحكومى)، وما أكده تقرير هيومان رايتس ووتش وامنستى إنترناشونال، بل أعتقد أن ضعف نية الدفاع ربما يكون من الدوافع الرئيسية فى مهاجمة العسكر للإعتصام بهدف صناعة السيسى كبطل منقذ وكتمهيد للإستيلاء على السلطة، ويُعزز من ذلك الإحتمال مسرحية حصوله على التفويض الشخصى بالقتل خارج القانون.
ثالثاً: كان حل الوسط الذى اقتربت قيادات الإخوان من الموافقة عليه بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة مع رد اعتبار بروتوكولى للرئيس السابق محمد مرسى رصيداً سياسياً ثميناً لهم، وكان هذا بمثابة تطويقاً قوياً لأهداف العسكر المُبيتة، ولكنهم أى الإخوان تكتموه لصالح التعبئة التى ترفع سقف توقعات الجماهير على نحو سلبى دائماً، والأغرب أنهم تراجعوا عنه لاحقاً مُقدمين خدمة مجانية لأحد أسوأ أنظمة الحكم فى العالم، ولكنهم أثبتوا أيضاً أن التفاوض والحل الوسط فعل إكراهى غير علنى، وإذا أضفنا لذلك تقديمهم تطمينات وضمانات سلام قوية لإسرائيل، وتعاونهم الدولى الواسع ضد الإرهاب، مع بقاء ذلك ضمن العلاقات الواقعية والبراجماتية الخفية المتناقضة تماماً مع الأيديولوجى التعبوى المُعلن، بالإضافة إلى أنهم لم يتعظوا من همجية العسكر فى برنامج تفكيك ثورة يناير، وأنه لا توجد أسباب موضوعية لتغيير هذا السلوك مع الإخوان بعد أن حصلوا منهم على مآربهم، ما يكشف عمق الإشكاليات البنيوية فى تكوين جماعة الإخوان، ويُجيب على سؤال: لماذا تبتلع الشعبوية كل الممكنات خلال تاريخها وتعود بها دائماً إلى نقطة الصفر، وكأن لها زمن خاص يدور حول نفسه؟ وإن كنت أعتقد شخصياً أن هذا ملمح مُلاصق لكل أيديولوجيات العصر الذهبى الماضوى الوهمى.
رابعاً: لا شك أن فتيات وشباب الإخوان مع اعتبار تضحياتهم الهائلة فى صدامهم مع قمع وحشى، يُمكن أن تحل ثقافة الأسئلة محل اليقين المضاد للعقل والواقع، وهم قسم حركى ناشط ضمن غالبية الشباب المصرى الذين يشعرون بالغضب والإحباط المتزايد من سياسات النظام المتخبط المفلس، والذى ليس لديه سوى القمع الوحشى والقتل المنهجى للعقل وللروح وللجسد دون حساب أو عقاب، مع وعود التنمية الوهمية، ومع تركيزه على المُبالغة فى قضية الإرهاب المُصطنعة والمُفبركة والهرب إلى الأمام فى هذه القضية بالذات لأنها شرعيته المزعومة دون أن ينجح فى إقناع أى من الأطراف الدولية أو الإقليمية أو حتى الأغلبية المحلية بها، خاصةٍ أنها فى الصميم صراع على موارد الوطن بين المجتمع والإقطاع العسكرى، وليست الإستعراضات والمسميات للمليشيات المباحثية والمخابراتية الإرهابية المتناقضة والمفبركة سوى آخر حلقة بائسة فى هذا الصدد، وجاء التقرير البريطانى بتبرئة الإخوان من ممارسة الإرهاب دشاً بارداً على رأس نظام السيسى وجنرالاته ومُخبريه، بالرغم من ضغط البترودولار الخليجى على لندن لصالحهم، وهذا يضعهم فى دائرة الشُبهة والمسؤولية عن إحراق الكنائس وأعمال الإرهاب، بالرغم من كل تلك المعطيات والتعقيدات يستمر قادة الإخوان فى الحديث عن شرعية وعودة مرسى التى تعنى ضمناً شرعية إنقلاب 10 فبراير 2011 على ثورة يناير قبل أن تكون إنقلاباً على مبارك، أى أن شرعيتهم تتحقق من داخل لا شرعية إغتصاب العسكر للسلطة وصفقتهم معهم ، ثم من إنقلاب العسكر عليهم. غير أن أهم أخطاء الإخوان فى اعتقادى تظل بنيوية فى أيديولوجيتهم الغيبية سيئة السمعة، والتى لم تتحقق أبداً فى تطبيق ناجح وإنسانى واحد؛ فى حين يمتلئ الشرق الأوسط بتطبيقات همجية لهذه الأيديولوجية. كان الكثير من التدبير والحشد وراء نزول الحشود فى 30 يونيو 2013 كتغطية للإنقلاب العسكرى سابق التجهيز، حتى أننى أسميته: أكبر استعراض فى التاريخ لغسل الأدمغة، ولكن التغاضى عن رفض المصريين وخاصة الطبقة الوسطى لمجرد شبهة الدولة الدينية واضح وجلى، ويؤكد هذا التوجه الدامغ أن زخم هذه الجماهير تخلى تماماً عن دعم تمثيلية انتخاب السيسى وعن دعم دستوره أو بالأدق فضيحته الدستورية مما ألجأه إلى التزوير الفج والوقح، هذا التناقض وحده يثبت أنه كان رفضاً للإخوان وعدم قبول للعسكر فى آنٍ واحد، كانت فى الحقيقة لعنة مُتحايلة إغريقية الطابع أصابتهم من ثورة يناير، حتى أنه يمكن القول ودون مبالغة أن هذا اليوم وتوابعه سحب الشرعية التصويتية من الإخوان والسيسي معاً. ويتأكد البُعد الأيديولوجى الكسيح للإخوان عند إستقبالهم لرئيس الحكومة التركية رجب أردوجان كخليفة للمسلمين وليس كتجربة إسلامية نادرة وناجحة إقتصادياً، وتنفذ برنامجاً رائداً للإصلاح الدينى، وتنفذ بنود برنامج كوبنهاجن للتنمية البشرية بمثابرة فى دولة علمانية ديموقراطية.
خامساً: إذا سلمنا أن ما يزعمه العسكر والإخوان من شرعية تأسست على النقيض من مطالب ثورة يناير العادلة الحضارية، وأن دستور العسكر الفضائحى المُجافى لأبسط حقوق الإنسان والبديهيات الدستورية، والإصرار على دعم الدولة المركزية الفاشلة وملكيتها العامة حقل النهب الهائل ومنبع الفساد الأكبر، وتكريس الإقطاع العسكرى وسوقه الإقتصادية السوداء، لا يوازية وينافسه فى ذلك سوى دستور الإخوان العنصرى الدينى الذي يسبغ الشرعية على الإقطاع العسكرى بكل تفاصيله السابقة، بل ومحاكمة المدنيين عسكرياً، أى أن الطرفين لم يدخرا أى جهد وتعاون بينهما للعمل ضد الدولة المدنية الديموقراطية، وضد ملكية المجتمع لموارد وطنه، ولم تبد من أى منهما فى أى وقت وطبقاً للوقائع والأدبيات أى بادرة لتنمية دور المشاركة الشعبية والإتجاه صوب اللامركزية أو الدولة الإجتماعية أو إشراك أى أطراف سياسية وإجتماعية أخرى أو حتى الإعتراف بها، بمعنى آخر تسابق الطرفان إلى دعم إرث جمهورية يوليو العسكرية الدينية فى إطار الجدل والتعاون التاريخى بينهما فى الحرب ضد الحريات والحداثة على أرض مصر، ولكن ثمة ما هو مُخادع هنا وهو التشابه القوى فى المفاهيم والأهداف بين كل من الفاشيتين العسكرية والدينية لأنه يخفى التناقض الجذرى أيضاً، ذلك أن العسكرية المصرية منذ عرابى (أول قائد عسكرى مصرى بعد 2500 سنة) مروراً بعزيز المصرى وعبد الناصر وإنتهاءاً بالسيسى هى حاضن أساسى للضعف العقلى وللفكر الرجعى المُعادى للحرية والحداثة فى إطار شوفينى دينى وريفى محافظ وميول إنقلابية مُتجذرة، وتصور اقتصادى مركزى يُهمش المبادرة والفعل الإجتماعى، وفشل منطقى فى الوظيفة الأصلية وهى الدفاع عن الوطن، ضمن تاريخ مُخزى من الهزائم والكذب، إضافة إلى جشع غرائزى وعبادة صبيانية للقوة، لكن القراءة الإخوانية للإسلام تعتمد على الرواية الرأسية السلطوية التى أنتجت وكتبت لحساب البلاط الإمبراطورى العباسى فى التأسيس الثانى للإسلام (ناقشت ذلك بتوسع فى كتابى "العرب ضد العالم")، وإن كانت ذات ذهنية عسكرية غازية إلا أنها ذات توجه أممى لا وطنى وتصورات اقتصادية أساسها التجارة والريع والجباية والصدقة وبالتالى يحمل كل منهما بذرة تسلطية مُنغلقة راكدة ترفض العصر، وترفض الإنتماء للجماعة الإنسانية الأكبر وتوصل إلى لحظة نفى وإقصاء وتصفية متبادلة بينهما وبين كل منهما وكل آخر طبقاً للمُكوّن الفاشى "إما أنا وإما أنت".
سادساً: كانت ثورة يناير بالرغم من قصورها المعرفى رسالة حضارية وسلمية بضرورة التغيير الجذرى، لكن العسكر لم يكن لديهم أى نية لإستلام الرسالة أو فهمها، ولم يختلف موقف الإخوان كثيراً عن ذلك موضوعياً، وهكذا تشكلت أخطر عناصر الأزمة وأهم نتائج الثورة، وهى خصومة السواد الأعظم من شباب مصر مع الدكتاتورية العسكرية وكل تصرفاتها، وتوجس وعدم ثقة فى نوايا وتاريخ الإخوان، ولم يكن فى جعبة العسكر بالطبع سوى القمع الوحشى وسقوط القانون وإلغاء الإقتصاد الإجتماعى ضمن عشوائية وارتباك اقتصادى هدفه حماية الإقطاع العسكرى، مما أسقط الصيغة الإجتماعية ولا أقول العقد الإجتماعى لإنقلاب يوليو، أى غياب الحرية والإستحواز على موارد الوطن فى مقابل الإقتصاد الإجتماعى، وأسقط هيبة الدولة وأحل محلها الضغينة، وإذا لاحظنا الإنكشاف المتزايد مع الوقت لجذر الأزمات المصرية وهو الصراع مع العسكر على موارد الوطن وملكية أراضيه، بعد أن أسقطت ثورة يناير هالة الوطنية المزيفة عنهم وسقطت الأقنعة كاشفة عن مجرد تجار سوق سوداء تحت إسم إقتصاد للجيش غير مراقب، وغير شفاف، وخارج المنافسة، وفوق القانون، ولا يدفع ضرائب أو رسوم، وفاسد، وخاسر، وهدّام، وابتلع كل الأصول الرأسمالية تقريباً للدولة، وهو الدافع الأول لتدخل الجنرالات فى السياسة، واستنزاف وتخريب أى مجهود إجتماعى للمصريين، وتضييع كل فرص التنمية، وممارسة القتل والجرائم والسُخرة، هكذا سقط الماكياج عن وجه جمهورية يوليو فإذا بها مجرد شركة تجارية شبه استعمارية ورجعية مسلحة، ولديها أكبر معسكرات للسخرة فى العالم تحت مسمى الخدمة الوطنية، وأعتقد أن عسكر مصر هم تطبيق حى للقول الفرنسى: "فى الشرق الأوسط بين الدكتاتورية العسكرية والفوضى لا يوجد شئ".
آفاق واحتمالات
لا أعتقد أنه قفز إلى إستنتاجات بعيدة القول أنه لم يتبق من شرعية اجتماعية وأخلاقية وسياسية ومستقبلية على أرض مصر سوى شرعية واحدة هى ثورة يناير.
وإذا استحضرنا ما ذكرناه فى البداية من أن السياسة فى مصر وأغلب بلاد العرب هى التغلُّب، هنا تُخلى الشرعية مكانها مؤقتاً وللحظة تاريخية أخرى لقانون القوة، وهكذا دشن الجنرالات طريقاً واحداً للتغيير والخروج من الوضعية المصرية الكارثية المستعصية هو طريق الدم. يحلو للعسكر ترديد أنهم أنقذوا الدولة من السقوط، دون أن يدركوا أن سلطتهم التا بدون أى وزن أخلاقى أو حضارى أو قانونى أو مستقبلى هى السقوط ذاته، وتحويل للسلطة إلى عدو للمجتمع الخلاص منه ضرورة، هذا على المستوي الداخلى، أما على المستوي الإقليمى والدولى فسلطتهم ثقب أسود يُهدد السلام والتعايش الدولى، والدليل أن منظمات الإرهاب الكبرى لم تخرج إلا من دول حكمها أو يحكمها دكتاتوريات عسكرية ذات علاقة بالبترودولار: مصر والجزائر وليبيا وسوريا والسودان واليمن والصومال والباكستان ونيجيريا وهى دول يعيش فيها مع دول الخليج النفطية حوالى ثلث عدد المسلمين فى العالم، وهو ما يكشف سوء علاقة هذه الدول بباقى الجماعة الإنسانية ومع العصر ويكشف عن تشوه وشذوذ داخلى.
معنى ما سبق هو أن الأزمة الإجتماعية فى مصر متصاعدة دون حل ودون أجل مُحدد وأنها بالتأكيد مع الإحباط واليأس والغضب والرغبة فى الإنتقام ستتصاعد إلى صراع على الموارد بين المجتمع والعسكر وهو أشرس أنواع الصراع لأنه أقرب لصراع البقاء، كما أنه يمكن الجزم أن دولة يوليو العسكرية ما قبل ثورة يناير لن تعود لأن الصيغة الإجتماعية المُختلة العقيمة أصلاً سقطت "إلى حيث ألقت"، وأن كل مؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية والإعلامية والدينية ضُبطت مُتلبسة بإرتكاب وتبرير قتل وتعذيب وقهر المجتمع لحساب التسلُّط والفساد العسكرى العبودى الهمجى، وخاصة ضد الجزء الحيوى والأكبر والأكثر استحقاقاً أى الشباب، وهكذا فقدت وظائفها الاجتماعية وفقدت الثقة المدنية بالكامل. وعلى هذا الطريق الشائك الدموى الممتد من الوارد أن تتوصل القوى الشعبية الشبابية، مع انضمام شرائح إجتماعية متزايدة فقدت مصلحتها فى الوطن إلى عدم جدوى الإحتجاجات السلمية، وبالتالى إلى المقاومة الإيجابية غير السلمية، مع خبرات متعددة سابقة تثبت أنه من الصعب وربما المستحيل أن يكسب أى جيش نظامى حرباً مع مقاومة شعبية، فضلاً عن الشك الكبير فى تماسكه منذ البداية والدروس فى الشرق الأوسط أقرب لرأس الذئب الطائر الذى يُعلم الحكمة لمن يصلح لتعلمها، وهو لا يمكن أن يوجد فى غياب كامل للمضامين الإجتماعية والسياسية والمعرفية والمستقبلية لسلطة العسكر أو الإخوان فى مصر.
الإسكندرية فى 28 أغسطس 2014