لأمرٍ ما جدع قصير أنفه، وعلى أهلها جنتْ براقش !

ليندا كبرييل
2014 / 8 / 10

تفضّل الأستاذ قاسم حسن محاجنة بتوجيه ملاحظة لموقفي من قضية تعذيب الأيتام في معهد مكة المكرمة .
كنت قد نشرتُ مقالاً حول الموضوع هذا رابطه :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=427241

وهذا رابط مقال الأستاذ محاجنة المحترم :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=427553

أبدأ بالالتفات إلى حلم الأستاذ، بزوال الظلم وتوفير حياة إنسانية للجميع والمساواة والقضاء على مختلف الجرائم نهائياً .
فأقول :
تستطيع أن تحقق حلمك في الجنة ! ولكن .. مهلاً، فحتى الجنة فيها ظلم .. ظلم لنا نحن النساء . لذا يبقى حلماً لا يقدّم ولا يؤخّر، ككل الأحلام الرومانتيكية .

أشار الأستاذ إلى أنه حتى الدول المتقدمة لا تستطيع أن تكفل لمواطنيها مجتمعاً خالياً من الجريمة، لكنهم طوّروا آليات مكافحة الجريمة بطرق مشروعة منها تشجيع بعض المجرمين للتعاون مع الشرطة وتزويدها بمعلومات تساعد في القضاء على بؤر إجرامية وإنقاذ ضحايا محتملين، مع ضمان للمتعاونين مع جهاز الشرطة بالمكاسب المادية والنفعية .

أقول للأستاذ محاجنة:
ليس هناك مجتمع على وجه الأرض لا في الأزمنة القديمة ولا الحديثة، استطاع تقديم نموذج كامل للعدالة والسعادة .
الإنسان يشوبه النقص أبداً، فهو ليس الله، لكنه الكائن الوحيد في الكون الذي يستطيع أن يخلق جديداً .
حتى الله توقّف عن الخلق، لكن الإنسان مستمرّ وسيبقى .
المجرم المتعاون مع الشرطة لا يحصل على ضمانات من اسم جديد وسكن وراتب إلا بعد المرور على العقوبة القانونية، وإلا بعد اجتياز اختبارات عديدة للتأكد من صدقه . وتزخر السينما الأميركية بهذه الأمثلة . ونحن لدينا مثال رأفت الهجان الذي كان عميلاً مزدوجاً .
وقد سألتَ : هل نعتبر أن القضاء خان الأمانة ؟
وأنا أقول فوراً : بالمنطق البراجماتي، هذه ليست خيانة الأمانة، لأن القضاء لا يتعامل بالأفلاطونيات والعواطف وإنما كما تفضّلتَ بميزان الربح والخسارة، والقضاء على منظمة إرهابية أفضل من سجن مجرم واحد، يمكن أن يعاد تأهيله وتربيته ليكون عضواً إيجابياً فاعلاً منتجاً في المجتمع .
هذا في بلاد الخواجات ، بلاد برا حيث الظروف تساعد على خلق إنسان جديد مهما تردّى في السقوط .
فقد هذّب القانون الوضعي ( لا الديني) ميول الإنسان وغرائزه وضبط اندفاعاته العاطفية وهيجان انفعالات غير مدروسة تنال من أمان المجتمع .
ولكن .. ليس هناك خير إلا ويسْتبطِن بعض الشرّ، وليس هناك شرّ إلا ويستبطن بعض الخير . والقوانين الوضعية في البلاد العلمانية المتقدمة تعوّل على تدارك بعض الشرّ ، وتنمية بعض الخير . والجهات المسؤولة في عمل متواصل على تفادي ثغرات القوانين مع كل تجربة جديدة .
هذا في مجتمع متقدم حداثي .

أما عندما يتعلق الأمر بعالمنا الثالث، حيث الواقع كالحمّام المقطوعة مياهه، مجتمع حارة كل مين إيدو إلو، كمجتمعاتنا التي تقترب من الحالة ( غير البشرية)، لا الدستور فيها يحقق العدالة لفئات الوطن بدءاً من المادة الثانية ورايح .. ولا القانون يعامل الإنسان كمواطن في دولة، بل كعضو في جماعة دينية، ولا القضاء فيها يتّسم بالنزاهة والحيادية ما دام يعامل البعض على أنهم من المتميّزين بطيب العِرق والشرف، والبعض الآخر على أنهم أولاد الجارية من الدهماء والسوقة .
السياسة في مثل هذه المجتمعات فنّ إتقان صياغة الأكاذيب وتملّق العامة وركبها ، وعشيقة انتهازية للدين . مجتمع تصالح عليه الفقر والجهل واللاعدالة .
وفي الفوضى الأخلاقية واللاأخلاقية ، يصبح حقاً مشروعاً للحياة أن تطرق كل سبيل للدفاع عن نفسها ووجودها ما دامت الحدود ذائبة والقواعد سائبة .
في مثل هذا المجتمع لن نعثر على أثر الخير في ما قامتْ به السيدة إلهام المجرمة بنظري بحق الطفولة ، وسنكون كمنْ يبحث عن إبرة في كومة قش .
فالفساد منتشر كالسرطان ، ولن ينفعه أن تنقذ خليّة واحدة لأن الظرف الصحي المتضعضع لجسد الأمة لا يساعد على تنمية خلايا صحية أخرى . في طرحك الذي تفضلتَ به تتصور أنك تستخدم لغة العقل، لغة براجماتية لا تعرف العواطف والأفلاطونيات، لكنه يفوتك الخلل الخطير في بنية العقل المعرفي، والتشوهات المخيفة التي طرأت على مجتمعاتنا.
نظرتك النفعية تناسب المجتمعات المتقدمة التي تهيّء المجرم للتطلع إلى نهج سليم في الحياة، بتنمية ثقافة الشعور بالندم، فيقدّر أن المجانة السلوكية والعقلية لها زمن، وآن الأوان الذي ينهج فيه طريقَ جدٍّ اقتضاه أن صادف ظروفاً تساعده على سلوكٍ إنساني شريف .
كحالنا، لا جدوى من نظرتك المتحضّرة المتمدّنة هذه . فمفهوم العقاب عشوائي خاوٍ من مسببات الوعي، يخرج الإنسان من الحالة العقابية تنتابه الشكوك والهواجس، تنمو في مناخ مشوّه فيصبح المجرم أكثر إجراماً .
عمل السيدة إلهام يتّصف بالعدوانية المستترة يختلط بها شعور الانتقام وتوسّل المنفعة الشخصية، وانغلاق وجداني على الرحمة . سنة بأكملها .. وليس يوماً أو أياماً معدودة .. سنة بأكملها وما قبلها بكثير.. والسياط تنهال على أجساد غضة تحت عينين يعلوهما حجاب يحمل رمزاً دينياً ، كان عليها أن تتمثله خير تمثيل وهي واقفة أمام الكاميرات كبطلة محررة أو فدائية ثورية تلوك ألفاظاً دينية كالببغاء .
هذا عمل يحتاج إلى نفسية فقدت كل مقومات الوعي ، فتجرّدتْ من العاطفة الرشيدة .. مثلها لا يؤتمن على قطيطة !

هل تنتظروا أن يموت طفل تحت ضربات عصا المجرم الوحشية؟ أو ارتطام رأس طفلة بحائط وهو يرميها أرضاً؟
الظروف البشعة التي عاشها الأطفال من تقديم أغذية فاسدة إلى كيّهم بالنار إلى تعذيبهم بالضرب .. كلها ظروف احتمال تهديد الحياة فيها كبير جداً يا أستاذ ، والصدفة وحدها التي ترفّقتْ بهؤلاء المساكين الأيتام، أنهم لم يموتوا بسبب العقل المجرم الذي حرّك يداً شريرة و( أنْظرَ) عيناً منطفِئة وهمّش ضميراً متهالِكاً .
هل ننتظر موت طفل حتى نرى خيراً في نشر السيدة الفيديو في وقت متأخر؟ أو نجد منفعة ولو واهية للكشف عن خلايا إجرامية أخرى تعجّ في كل ركن من حياتنا؟
إن أعضاء الجريمة الخمسة، محسوبون عدداً بين البشر، لا خير يرجى منهم ولا أمل في جو كاره مُستعبِد مُعدِم لبذرة الإنسانية .
لن ينسى الأطفال ما جرى لهم، وكل ضربة على أجسادهم الغضة ستُرَدّ أضعافاً في المستقبل لوجه هذا المجتمع الظالم .
ثم .. ماذا قلتَ ؟
" هل محاسبتها بنفس الشدة هي وزوجها المُجرم ، سيشجع الشركاء الأخرين في الجرائم والغير راضين عن شراكتهم في الجريمة ، على الإعتراف بجرائمهم لاحقا ؟؟

أين نحن يا أستاذ محاجنة في قولك هذا ؟
هل ثقافتنا ثقافة الاعتراف ؟
هل تربيتنا تنمّي الضمير ؟
يعترف المجرم على أمه وأبيه ولا يعترف على نفسه !
أنت تبسط أملاً واسعاً جداً بأخلاق الإنسان العربي يا أستاذ .
أياً كان مصير السيدة وزوجها ، فإني أعتقد أنه في ظلّ ظروف مجتمعنا الفاسدة غير المنجبة للخير ، سيخرجان أكثر استهتاراً بالحياة .
الشعور بالخجل والندم يؤدي بصاحبه إلى الاعتذار الصادق، انظروا إليها وهي تقف بكل جرأة أمام الكاميرا، دون أي شعور بالعيب أو إحساس بالذنب أو حتى كلمة اعتذار عالماشي لقلب أم !!
ظننتها ستتوارى خجلاً من فعلتها الخطيرة، لكني أؤمن أن ثقافتنا لا تعمل على بناء نفسية سليمة وشخصية مستقيمة تعرف معنى تحمّل مسؤولية الغلط .
الضمير العربي ضمير مترقّق، ينقاد إلى طاعة الشيطان أكثر من الله . الله في الثقافة العربية ليس أكثر من خبزة وجبنة تراها على الرفوف ، في البيوت ومحلات البقالة وحيطان المدارس .

هذه مصيبتنا :
حيث يُفترَض أن تكون كلمة ( وعي ) مرفقة بكلمة ( عقل )، فإن الدروشة والهلوسة والبلادة مترافقة مع طرق تربيتنا وسلوكنا وتفكيرنا . حيث يجب أن نضع فخر العقول للنشء الصغير قاعدة الوطن وعماد المستقبل، ترانا نضع أخْرب العقول وأعفنها ، فتنطفئ جذوة القلب، وتتلاشى قدرة العقل على بعث كائن معرفيّ خلّاق .
عقل أعمى يقول لعقل أعمى آخر : انظرْ ما أجمل الدنيا !!

أخيراً..
مثالك عن الأمهات اللواتي لو قُمْن بالتبليغ المتأخّر عن جرائم الاعتداءات الجنسية التي تعرض لها أولادهن، فهل نتعامل معهن كشريكات في الجريمة ؟

الفارق كبير بين جريمة الأيتام وهذا المثال .
ففي هذا المثال وقعت الجريمة في حق فرد ، بين مغتصب وضحيته فحسب، يُسأل عنها ثقافة اجتماعية ضحلة عمرها قرون، يرعاها رجال الدين بفتاويهم المخجلة التي تحتقر المرأة ودورهم في التثقيف التربوي .
في جريمة دار الأيتام، وقعت الجريمة في حق مجتمع سلّم أمانة جيل لمربين اجتماعيين وضع ثقته بهم ، كما تمت الجريمة تحت أنظار كل الأطفال وأنظار أعضاء مجلس الإدارة ، وهذه تُسأل عنها الحكومة التي يُفترض أن أطفال الوطن جيل الغد ، الأمانة الأولى في عنقها في الحفاظ على عقولهم وتعليمهم وحياتهم .

لقاء مع زوجة مدير دار الأيتام ومصورة فيديو تعذيب الاطفال

http://www.youtube.com/watch?v=f7ieXyFv6hA