داعش وأخواتها والفوضي . . ألحصاد الصحيح للفاشيات العربية

أمين المهدي سليم
2014 / 7 / 31

"لاتوجد الحقيقة إلا داخل تناقض" هنري برجسون

خلال غزو اسرائيل للبنان في 1982 وكنت ذهبت إلي هناك للتضامن مع المقاومة ، سألت أحد الأصدقاء الفلسطينيين علي سبيل الفكاهة وكان من قادة "الغربي" أي العمل المسلح داخل اسرائيل:في أي الدول العربية تحب أن تسجن إذا قبض عليك؟ وفي إجابة مفاجئة:"إذا كان محتوما أن أسجن سأختار إسرائيل لأنها دولة.. العرب لم يعرفوا الدولة بعد وهناك تعرف القانون الذي ستحاكم به وستعرف مالك من حقوق في كل الأحوال وسيأتي لك محامي حقيقي متطوع وربما يكون يهوديا‎‏ وستحاكم طبقا لقانون عنصري ولكنه معلن ومعروف"، نزلت أجابته أنذاك علي كالصاعقة طبقا لحدود معرفتي وما أحمله من أراء أنذاك ولكن ظلت المقارنة الصادمة شاغلا ومونولوجا لفترة ليست قصيرة .

أعتقد أن الأساطير والعقائد كانت محاولات معرفية لتفسير الكون قبل مجئ الفلسفة وبعدها العقل العلمي ، وأعتقد أن العقل العربي العام لم يخرج بعد من مرحلة الأساطير والعقائد ، يتبدي ذلك ظاهرا في مواجهة الكوارث والأحداث المفاجئة حيث يتهرب من مسؤوليته المعرفية الي اتهام مخططات خارجية ثابتة وكأن خصمنا قوة علوية تخترع ثقافاتنا وتاريخنا وطغياننا وضعفنا وجهلنا ثم يوجهنا ويحذد مصيرنا ، لو كان هذا صحيحا لكان علينا أن نبحث‎‏ مدي صلاحيتنا للحياة البشرية من عدمه.

قصف صدام قرية حلابجة الكردية بالغازات السامة وقتل5 ألاف في سياق حرب أهلية طويلة شنها البعث علي الأكراد متسترا بغطاء قومي عربي ثم قتل180 ألف شيعي ناهيك عن مئات الألاف في حرب عبثية مع إيران متسترا بالعروبة السنية ، والأن لاتقل عنصرية المالكي وجرائمه ومليشياته عن صدام في شئ وإن تزيد في الجهل‎ ‎، وحافظ الأسد قصف حماة بالمدفعية ومارس الدموية والقتل العنصري اليومي ، وألشخص السوي لايستطيع أن يستمر في سماع قصص سجن المزة ناهيك عن ملف جرائمه في لبنان وكل ذلك متسترا بعروبة ذات مضمون طائفي ولا يوجد فارق يمكن ذكره بينه وبين ابنه بشار . وعسكر مصر دبروا المجزرة تلو المجزرة لشباب ثورة يناير ولشباب الاخوان شركاء الأمس في استنزاف الثورة أعداء اليوم بعد أن انقلبوا عليهم ومن مجزرة محمد محمود وماسبيرو إلي بورسعيد ورابعة والنهضة وهتكوا أعراض فتيات وشباب الثورة وأحرقوا 65 كنيسة تقريبا ومئات المقرات والممتلكات المسيحية في تشويه فاشل للاخوان إضافة للإرهاب المفبرك ولأهداف لصوصية تسلطية فضلا عن مجازر الأقباط والشيعة وتهجيرهم مع البهائيين واضطهاد كل ألأقليات وباشراف وزارة الداخلية وفتاوي بطعم السنية الوهابية الثرية لشيوخها من عرائس المباحث ، ناهيك عن القتل والتعذيب والإغتصابات بصفة يومية في أقسام الشرطة والسجون العسكرية السرية بالاضافة إلي فساد وتعفن يزكم الأنوف.

لم يكن هذا هو حال نظم الحكم العربية في داخل بلادها بل ان حواف العالم العربي كلها دموية فقاتلوا الزنوج المسلمين في دارفور والزنوج المسيحيين في جنوب السودان وشجعوا الحروب الأهلية في أثيوبيا ونيجيريا وقاتلوا الفرس والبربر واليهود ودون أي محاولة للحلول الوسط التفاوضية فضلا عن نشر التطرف والإرهاب في كل مكان وكأنهم يسترجعون تاريخهم الأسود في تجارة العبيد لعشرة قرون كاملة.

أعرف أن عدد طغاة العرب وفير وفي كل البلاد تقريبا ولا يمكن أن تذكر العبارة دون ذكر عبد الناصر وبومدين والقذافي والنميري والبشير وعلي عبد الله صالح ومبارك و..و.. وأيضا لايمكن ألا يذكر دور البترودولار كثروة استثنائية في التاريخ تهبط من خارج المجهود الإنساني فأصبحت أيضا خارج تاريخ العقل والأفكار متبنية ومروجة للرواية الإسلامية في طبعتها الإمبراطورية العباسية وأحد أهم أرصدة الرجعية والخرافة والعداء للحرية والتقدم ولكنني سأكتفي بما قدمت من طغاة لضيق المجال . هل قدمت قوميات البعث الطائفية في العراق وسوريا وطاىفية المالكي والوطنية الممزوجة بالرواية الإسلامية الرسمية المتطرفة للسيسي في مصر أي درجة من الإحترام للكرامة الإنسانية وللجسد الإنساني؟ وهل قدمت أي مفهوم حقيقي للدولة؟بل هل قدمت صورة للجنرالات والشرطة والمحاكم سوي في هيئة قطاع الطرق القتلة العنصريين؟ ولا داعي للأسئلة التي لاينتظر لها إجابات عن الحريات والقانون والمساواة والتنمية والسلام . وأضيف كم عدد الجثث ونوع طرق القتل وعدد لترات الدم يجب أن يستوفي وكم أسرة عزلاء ضعيفة يجب أن تهجر حتي يقال أن هذه همجية وتلك لا؟ إذا كان لهذه الأسئلة إجابة حقيقية دقيقة ساعتها يمكن تبرير قتل وقمع وأيضا إدانة قتل وقمع أخر وأعتقد أن هذه الإجابة ستكون بدورها همجية أخري ونفاق وذاكرة لاأخلاقية ، لأنني لاأعتقد بوجود فارق أخلاقي أو انساني أو معرفي أو قانوني بين مجزرة كنيسة القديسين في الإسكندرية التي دبرتها مباحث أمن الدولة في رأس سنة 2011 ومجزرة ماسبيرو للشباب القبطي والتي ارتكبها الجيش وبين ماحدث للمسيحيين في الموصل. بالتأكيد كان وحش داعش كامنا في كل مكان فيه صخب الكراهية والعنف والاستباحة والإقصاء واليأس ولكن كان ينساب فيه أيضا موازيا وكتفا بكتف كراهية أعمق وغضب وحقد وغل أسود شبابي وفتي ويتراكم في صمت كقطرات المياه تنساب داخل خزان اجتماعي هائل مترامي ألأطراف وعابر للحدود محروما من أي أمل ومن أي بوصلة متمدينة أو إنسانية أو أخلاقية ذات أفق معرفي ونقدي عقلاني لأن هذه بدورها أبيدت دون رحمة عندما سادت رواية المتحدث الرسمي الوطني والإسلامي والعروبي الزائفة الملوثة ومنذ زمن طويل لايقل عن ستة وربما سبعة عقود ، وهكذا مضي الجميع كل إلي حاله لأن الصمت في ظل الصخب لايهم ولا يلفت الإنتباه المتعب أصلا .

أعتقد أن كل ماسبق يصلح لأن يكون وببساطة ودون تعديلات جذرية لأن يكون السيرة الذاتية لداعش وأخواتها والفوضي التي ضربت بأطنابها في العالم العربي . هذا الوحش الهمجي القبيح هو الابن الشرعي الصحيح لقومية صدام والأسد وطائفية المالكي ووطنية السيسي الإسلامية، وهو المنتج "الأحدث" للثقافة العربية الإسلامية الأكثر ديناميكية وادهاشا ورعبا ، محققة كل الشروط الأنثروبولوجية والملامح المتكررة والثابتة لقانون السيف مفتاح وشفرة تاريخ العرب المسلمين ، والدليل أنها تحركت بسلاسة عابرة لكل الحدود التي كانت العروبة تعتبر ازالتها حلمها الوحدوي الدهبي وفي نفس الوقت كانت الحدود المقدسة لوطنية لم يقم عليها أي دليل وفشلت في امتحان اقامة الوطن ، ولكن داعش في عبورها الوحشي أثبتت تداعي نمط الدولة العربية "الحديثة" وخوائها وفسادها وحيث دبت الغرغرينا في كل أطرافها وفقدت كل غاياتها الإنسانية ضمن تاريخ لم يكتب أبدا لحساب المسؤولية الإنسانية . طوال التاريخ كان رد فعل الظلم هو الظلم ليس سواه لأن العدالة كانت دائما مغامرة معرفية ضميرية فردية بإمتياز ولا يمكن أن تولد إلا في رحاب المغامرة المعرفية الإنسانية ألأكبر وأقصد بها التنوير الأوروبي وبعد ذلك فقط وحصرا وليس قبل ذلك بحال يمكن أن تقام الأوطان والدول بل والإجتماع الإنساني نفسه ، والمهاتما غاندي ومارتن لوثر كنج ونيلسون مانديلا أمثلة ناصعة علي ذلك ، وأعتقد جازما أن تراث العرب القومي الإسلامي الوطني الثقافي ليس فيه الرصيد الأخلاقي والإنساني والعقلي الكافي لولادة أمثال هؤلاء ، وبالتالي ولحين ذلك علينا أن نتعلم دون دهشة ومع الكثير من الرعب أن الحصاد الصحيح المستحق والممكن الوحيد لثقافاتنا الإسلامية والقومية والوطنية أن تنتجه هو داعش وأخواتها والفوضي .