الخياط تكشف العوار بين مصر والمغرب

محمد طلعت
2014 / 7 / 25

كالعادة تحمس البعض وزايد البعض وصاد في الماء العكر البعض الآخر دون الخوض أو المس عن قرب واقع بل قاع المشكلة المتأزمة بين المصريين وشعوب المنطقة، ثمة خلل في هذه العلاقة، الكل لديه انطباعات سلبية عن أهل مصر لما تروجه من سلبيات هى الأخرى عن أهل الجوار، فمن المسؤول؟

مشكلة حقيقة بل ذات جرح عميق في سوء المفاهيم بين الشعوب وصورهم وانعكاساتها. مشكلة بين مصر وغزة وسوريا ومن قبل مع أثيوبيا، ومن زمن مع الجزائر، وحاليا مع المغرب، فضلا عن ظل العفن في انطباعات المصريين عن السعودية أو عن الخليج وبالعكس.

جرح المغرب ليس جرحا عاديا بل إنه يمثل الأزمة في أحط تجلياتها، فعندما تأتي كلمات التطييب من المسؤولين المصريين للمغاربة من نوعية الأفيه السينمائي المشهور" إن شاء الله، وألف ألف مبروك" فهنا تكمن كارثية الوضع في التدني الذى تمارسه السلطة المرتعشة المرتجفة التى تعمل على (تطييب الخواطر) فاللقاء السفير المصري في المغرب مع إحدى القنوات المغربية، وهو يتحدث أي كلام لا تخرج منه إلا بصورة مقلقة لمسؤول مصري يتكلم عن أزمة خطيرة، يجب فيها رد الاعتبار وليس مجرد تطييب، الحديث كان من الأفضل أن يتناول المغرب ومصر كبعد استراتيجي في ثوبه التاريخي والجغرافي، وعمق العلاقات بين البلدين والنماذج المشرفة من أهل العلم والفن والأدب وليس عن الدراويش والصوفية، كان أولى به أن يتحدث عن حجم العمالة المصرية في المغرب وقيمة الاستثمارات بين الشعبين، ولا أعرف ألا يوجد مستشارون في السفارة المصرية يملكون المعلومات عن هذا أم فقط اكتفوا بالكلام المعسول من نوعية(حلوة المغرب.!)، للأسف لم أجد مسؤولا مغربيا أو مصريا يتحدث بوضوح وبثقة عن جوهر المشكلة بين الشعبين إلا صيدا في الماء العكر.!

أماني لم تصدر إلا عن نظرة خائبة حاقدة ذي غل مريض حول صورة نمطية للمرأة المغربية المتهمة دائما بالدعارة، وهكذا المصرية متهمة دائما في شرفها، من المسؤول عن تصدير هذه الصورة؟ أهل المغرب ونساؤه متهمون بالسحر وأهل مصر متهمون دائما بعمل الأسحار والأعمال، من صاحب السبق لتصدير واستيراد هذه الأنماط الاستهلاكية عن الشعبين؟ والذين لا يعرفون أن المرأة المغربية صاحبة ريادة حقيقية ونبراسا للعلم والأدب فكما يوجد أدب نجيب محفوظ في مدارسنا، ففي المغرب تجد الروائية المرأة الفاضلة المبدعة زهرة رميج وأحد أعمالها الأدبية المقررة على الطلاب المغاربة، وغيرها، توجد الكثيرات من النماذج المشرفة اللائي نفتخر بهن جميعا.

نعم المغاربة متحمسون لأهل غزة، متعطفون مع الإخوان ويرفعون إشارة رابعة عادة لماذا؟ الذى لا يعرفه المصريون عن المغرب أن شعبها منحاز لكل مضطهد في أرضه، لأنه شعب يعرف قيمة الحرية والنضال وتاريخه مع المستعمر معروف، والسؤال من المسؤول عن تصدير صورة المضطهد هذه عن الإخوان لأهل المغرب، بالتأكيد هو الإعلام المصري بكل عيوبه وسقطاته، وعدم قدرته المهنية على إثبات الحقائق بل عمل على تشويه ثورة 30 يونية، بالمزيد من النفاق والتطبيل والتنكيل مع خصومه من الإخوان. لم يعالج الوضع بمهنية فانعكست الصورة بالسلب لدى الشارع المغربي الذى تعاطف مع الضحية(هكذا بدا لهم الإخوان ضحية).

الإعلام الذي يتاجر بتسجيلات أى كلام لا له علاقة بالتجسس ولا بالتخابر في مجملها إلا القليل، ويزيد الإعلام في تضخيم هذه التسجيلات باعتبارها درة القرن، مما ظهر الإعلام المصري بضحالة فكره لدى الرأى العام ليس العربي فقط بل العالمي.
نعم الأزمة إعلامية في بعض أبعادها.. وما المذيعة أماني الخياط إلا ضحية هذه الإعلام الفج الذي صور للمذيعين أنفسهم بأنهم أسياد الوطن بل الأوطان المجاورة.. يتطالون وقتما يحلو لهم بدون مراعاة الجيرة والحقائق.

أماني راحت ضحية، بل كانت كبش فداء لعقم الحالة المصرية مع أهل جوارها.. وغيرها سوف يقع عما قريب لأنه كما يبدو أن هذا الصيف هو موسم سقوط الثمار غير الطيبة في شجرة الإعلام المصري الحر الذي يجب أن يكون حرا في العهد الجديد حتى يستوى مع فكرة السيسي في تشكيل الوعى المصري.!

بقي شيء أخير يجب التبصر له بعين الحكمة والندية، فالانبطاح المصري المخجل أمام مثل هذه الحالة في تقديم الاعتذرات (وطقم الحنية) المؤسف هذا، لماذا؟ ومجمل القضية في خبثها تحريضي قدمته للأسف الخياط على طبق من فضة للمستغلين من بعض المغاربة الذين يعملون في تصميم على نفخ النار.. فالصحافة المغربية وبعض مواقعها الإليكترونية وبعض مقالات نخبتها للأسف تتحدث عن مصر وعن ثورة المصريين بشكل سيىء وتصف الرئيس المصري(السيسي) بأبشع الأوصاف ومقارنة بما قالته أماني في الفاظها الواصفة الملك محمد السادس تكون مهذبة.. لكن لا أعلم لماذا الانبطاح ولغة الترقيع والتزلف في خطاب الاعتذار المصري ولماذا الاصرار من الجانب المغربي على تصعيد وتفجير حكاية أتفه ما تكون مثل حكاياتهم عن مصر والمصريين.. نعم مصر والمغرب أشقاء، فكفى المزيد من الفجور في الخصام وكفى التنطع في الاعتذار.. يجب خلق لغة جيدة وسوية يتحدث بها نخبة مصر والمغرب، ويجب أن لا يرتعش مسوؤلنا أمام مثل هذه الأحداث، وأن يتحدثوا بلغة الأرقام وليس بلغة ( ماما حلوة..!).

نعم لم يعجبنى أسلوبنا في تناول أبسط وأصغر موقف يمر بين الشعوب، كموقف خروق الخياط، ولكنه كشف عوارنا وضعف بعضنا وانتهازية بعضنا، نعم أماني الخياط كشفت مصيتنا السياسية بل والشعبية في طبيعة العلاقة بين الشعوب، كشفت الفجور في الخصام والترقيع في الاعتذار.

قليل من الهدوء والاتزان والحكمة والأخوة والتمثيل الراقي بين الشعوب وبالطبع التمثيل الدبلوماسي الفعال والحاضر والذي يعمل أولا على احترام جاليته، وثانيا يقدم نماذج مشرفة عن بلده، فضلا على عدم اقحام الإعلام كوسيلة مفسدة لخلق نزعات بين الشعوب لحساب سياسة الدول... كل هذا يجب أن يعاد النظر فيه، فالعالم خارج السردات العربي يعملون على تبيض سمعة شعوبهم ورفاهيتهم..! ونحن هنا مازلنا نسخر ونكيل النكات السمجة ضد أنفسنا وبلادنا والمرويات الوقحة ذات الانبطاعات الرخيصة والمختلة نفسيا وأخلاقيا وفكريا.