مهزلة الجزية

احمد الكناني
2014 / 7 / 22

ينقل ول ديورانت في قصة الحضارة وفي معرض حديثه عن الحضارة الاسلامية واحوال البلاد الاسلامية واوضاع غير المسلمين هناك وكيفية التعامل معهم فيقول: " كان اهل الذمة المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون، يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام. فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص وأداء فرضة عن كل شخص، تختلف باختلاف دخله وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير (من 4.75 إلى 19 دولاراً أمريكياً) ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح " .
فهو يرى ان حالهم بين المسلمين افضل حالا مما لو كانوا بين المسيحيين انفسهم، بالنظر الى مقدار الضريبة التي يدفعونها اذ لا تتعدى 19-$- في السنة، وهي رسوم رمزية في مقابل المزايا التي يحصلون عليها من الحماية وحرية ممارسة العبادة .وهوعلى حق في ذلك ؛لان ضريبة الجزية بهذا المقدار المخفَظ هو منطوق المرويات عن النبي والخلفاء من بعده والامراء الذين تعاقبوا على حكم الولايات الاسلامية، فقد روى اصحاب السنن كالترمذي وابي داود والنسائي عن معاذ بن جبل قوله : " بعثني النبي إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً، أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة ، هذه زكاة على المسلمين منهم ، ومن كل حالم منهم دينارا او عدله معافر للجزية " . والتبيع هو صغيرالبقر التابع لامه، والمسنة من البقرالتي نبتت اسنانها،والحالم يعنى البالغ الولد وليس البنت ، والمعافر هي الثياب المعافرية الموجودة في اليمن ، فيكون المعنى :ان معاذا امر بأخذ الزكاة من المسلمين عجلا او بقرة ، والجزية من البالغين من غير المسلمين وهي عبارة عن دينار واحد في السنة او ما يعادله في القيمة من الثياب ... يا بلاش !
وروى ابن عبد الحكم في فتوح مصر وأخبارها :" ان عمرو بن العاص والي مصر قد تصالح مع المقوقس عظيم القبط على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران، عن كل نفس، شريفهم ووضيعهم، من بلغ الحلم منهم، ليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا النساء شيء" .اذن ضريبة الجزية على الاقباط هي ديناران فقط .
حتى ان الفقهاء افتوا باسقاط هذه الضريبة في حال عدم التمكن من ادائها ، فهي واجبة على ميسور الحال دون الضعيف والفقير
ما اريد قوله هنا ان ضريبة الجزية انما شرعت لا لقيمتها المادية وانما الغاية منها شئ اخر، وقد يستشعر القارئ الكريم الغرابة بل الذهول من غاية احكام الجزية ، والادهى من ذلك والانكى ان يدعى الى تطبيقها بعض ممن سلب منه اللب وانتزع عنه الشعور وعاد كالبهيمة السائبة من دون راع ليلعق بالفاظ لا يفقه كنهها كامراء الدولة الاسلامية هذه الايام ودعواتهم الى العمل باحكام الجزية كفريضة شرعية في حال رفض المواطن المسيحي التنازل عن انتمائه الديني ...اقول ان القصد من وراء فرض ضريبة الجزية هو الاذلال ...نعم الاذلال ولاغير ؛ بدليل النص ذاته الذي فرض الجزية مع الهيئة الخاصة الدالة على الذل والخضوع حتى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ كما هو صريح الاية 29 من سورة التوبة ،هذا اولا .
وثانيا : ان الجزية فرضت على اليهود والنصارى عند فتح بلدانهم ولم تفرض على العرب القريشيين عند فتح مكة وانما خيروا بين الاسلام والسيف ، لان النبي اراد عزَهم ان اطاعوه على كلمة يملكون بها العرب ويدين لهم العجم ، وقد قالها في اكثر من مناسبة ، ومن يسبر احداث السير يجد الشواهد كثيرة متكثرة ، والا فالداعي لدفع الجزية موجود عند اليهود والنصارى ومشركي مكة ايضا، فكلاهما مشرك ومحارب ، الا ان النبي لم يقصد اذلال قومه بل العكس اراد لهم العزة .
فقد روى عبد الرزاق من حديث الزّهريّ " أنّ النّبيّ صالح عبدة الأوثان على الجزية إلاّ من كان منهم من العرب"
وقال ابن جرير الطّبريّ‏:‏ ‏"‏ أجمعوا على أنّ رسول اللّه أبى أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب، ولم يقبل منهم إلاّ الإسلام أو السّيف ‏"‏‏.
ولذا اجمع فقهاء الاسلام بجميع فرقهم على عدم جواز اخذ الجزية من عبدة الاوثان من العرب ، وقال مالك: تؤخذ من جميع الكفّار إلاّ مشركي قريش ، على خلاف بينهم في توسيع دائرة عبدة الاوثان او تضييقها لتشمل كل العرب او قريش على الخصوص ، ومنهم من اضاف الى العرب العجم الوثنيين كالطوسي في كتابه الخلاف .
ومن هنا يظهر الخطأ الذي وقع به صاحب قصة الحضارة عندما قصر نظره على المقدار الزهيد للجزية واعتبرها نقطة وضَاءة في حسن تعامل المسلمين مع غيرهم من اتباع الديانات الاخرى ،وانها معاملة فاقت معاملة المسيحيين انفسهم لابناء ديانتهم . والخطا ناشئ من ان مقدار الجزية غير مقصود اصلا ، وانما المقصود هو فرض لباس خاص بالمسيحيين زمن الدولة الاموية ليتميزوا عن غيرهم والتي لم يلحظها ديورانت اصلا او مرَعليها مرور الكرام ، وهي الطامة الكبرى ؛ لان تمييز الناس بلباس معين للاشارة الى خلفيتهم الدينية اشد قسوة من مقدار الضريبة علا اوانخفض ، بل هو منتهى الانحطاط الخلقي .
وعليه فأحكام الجزية تختلف عن بقية المفاهيم الدينية التي يصح فيها التحليل ونسبتها الى زمانها والتشديد على عدم تعديتها الى زماننا هذا ؛لانها مخلوقة لمحيطها ولباس مقاس مفصل ومخيط له يبلى مع تقادم الزمن ، فأننا لا يمكن ان نتعامل مع مفهوم الجزية بهذه الطريقة ؛ لانها ليست اسوء حالا من الرقية وعبودية البشر بعضهم للبعض الاخر .
وهذه مهمة انسانية ينبغي ان يضطلع بها المجتمع الدولي لاستئصال مثل هذه المفاهيم البالية ، وفرض عقوبات رادعة للمروجين لها لانها تبتني على كوارث مجتمعية من المفترض ان العقل البشري قد تجاوزها كما تجاوز حالة الرقيق والتمييزالعنصري .