مصر: المعادلة السياسية..الملاءة المالية..سيادة السودان

محمود محمد ياسين
2014 / 7 / 16

كسر المعادلة السياسية
وضع السيسى جماعة الاخوان المسلمين فى معادلة صفرية تهدف لإبعادهم الكامل عن الحياة السياسية بعد الانقلاب على حكمهم فى 3 يوليو 2013؛ ولكن هذا التوجه للإنقلاب لا تسنده حقيقة الواقع السياسى. جاءت مغامرة الجنرال السيسى ليس فقط للإطاحة بحكم الاخوان بل كسرا للمعادلة السياسية التى ظلت منذ اوائل سبعينات القرن الماضى تسمح للاخوان المسلمين بالمشاركة السياسية عن طريق التمثيل فى السلطة التشريعية؛ فالمغامرة الإنقلابية أعادت حكم مبارك ناقصاً المعادلة المعنية.

إعتمد السيسى فى السيطرة على الحكم على قوة القبضة الأمنية للجيش بعد إنفضاض جماهير 30 يونيو من حوله عندما خاب أملها فيه بعدما أدار لها ظهر المجن .. فلجأ الى كتم الحريات بسن قانون التظاهر، الذى يحد كثيراً من حرية التجمع ويطلق يد قوات الأمن فى استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين؛ وهو قانون يحل تماما محل حالة الطوارئ التى عانى المصريون من نيرها لعدة عقود تحت مسمى آخر. كما وضعت القرارات الاقتصادية لسلطات الانقلاب، الخاصة برفع الاسعار والضرائب وزيادة الرسوم على بعض الخدمات، أثقالا على كاهل الشعب المصرى المثقل أصلاً بالفقر. ومن جانب آخر، فإن القرارات اُتخذت تنفيذًا لشروط البنك الدولي، الذى تجرى المفاوضات معه حول قرض قدره 3.2 مليار دولار منذ فترة المجلس المجلس العسكري؛ فقد إشترط البنك الدولى تقديم قرضه بشرط أن تطبق مصر اصلاحات اقتصادية هيكلية على إقتصادها ورفع الدعم.

سَلْب الشعب الحرية وإرهاقه وتجوعيه بالغلاء دفع بقطاع كبير منه الى الاتجاه للاحتجاج الذى تقاطع مع مقاومة جماعة الأخوان لسلطة الانقلاب. وهكذا صار الانقلاب معزولاً من الشعب وهدفاً لغضبات فئات مختلفة اهدافها ومصالحها تلاقت فى كراهيته وهو ما يجعل مهمة نجاح معادلتة الصفرية شيئاً مستحيلاًَ. والذى يفاقم عزلة الحكم إفتقاده الى الظهير السياسى نتيجة لغياب التنظيم السياسى الذى يعبر عن اصحاب المصالح الإقتصادية المرتبطين بخيوط عالمية (الكمبرادور) الذين حرضوا ودعموا الانقلاب. ولم تجد السلطة الانقلابية غير اللجوء الى القمع المبالغ فى قسوته لاخضاع الشعب والأحكام القضائية الغاشمة على المتظاهرين.

إن عزلة السلطة وبطشها وإهدارها للحريات تجعلها كياناً طارئأً، ولكن فى ضوء توازنات القوى السياسية المحلية ومواقف القوى الخارجية فإن أى تغيير على المدى المنظور لن يخرج عن صيغة للحكم، أيّا كانت مسمياتها، تحافظ على النظام القديم الذى يكرس التبعية وقهر الشعب الذى يعيش 27% منه تحت خط الفقر على حسب احصائيات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى مصر (تقدر تقارير الأمم المتحدة نسبة الفقر ب 43%) وهى نسبة مرتفعة فى كلتا الحالتين. وحجم الفقر المرتفع، الذى يكرسه الانقلاب زائداً الفراغ السياسى الذى أحدثه تهافت اليسار نتيجة حبس نفسه فى ثنائية الصراع بين الجيش والأخوان وركونه لفكرة الاعتماد على المجتمع الدولى (خاصة أمريكا)، يشكل مناخاً ملائماً لنموء جماعات التطرف الدينى.

التصنيف الائتمانى لمصر
رفعت وكالة التصنيف الائتمانى الامريكية ستاندرد آند بورز(Standard& Poor’s) التصنيف الائتمانى لمصر درجة على ما كانت عليه قبل الانقلاب؛ وتصنيف S&P يثير كثيراً من الشكوك مبعثه الحالة المتردية للإقتصاد المصرى. وجدير بالذكر أن ستاندرد آند بورز خفضت تصنيف مصر درجة فى عهد الرئيس مرسى فى ديسمبر 2012.

وكالة ستاندرد آند بورز مشهورة بعدم الدقة وقد ارتكبت عدة أخطاء في السابق، فقد اتهمتها كل من أمريكا وفرنسا فى العام 2011 بارتكاب أخطاء فى تصنيف قدرتهما الإئتمانية، وهى كباقى وكالات الإئتمان المماثلة لا تخضع للرقابة؛ وهذه الوكالات تعرضت للنقد والتهكم لمنحها بنك ليمان برزرز (Lehman Brothers) تصنيفاً إئتمانياً عالياً فى 2008 قبل أشهر من إشهار إفلاسه الذى كان بمثابة بداية أسوأ أزمة مالية يشهدها العالم فى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ويتضح مدى انفصال تصنيف الوكالة لقدرة مصر على الوفاء بالتزاماتها المالية عن الواقع الاقتصادى الذى تواجههه تحديات تتمثل فى مؤسسات حكومية خاسرة وعجز ضخم بالموازنة وعجز مزمن بالميزان التجارى ودين خارجى ومحلى ضخم (245 مليار دولار)، هذا بالإضافة لمستقبل غير واضح المعالم نتيجة استقطاب مجتمعى حاد وكبح شديد للحريات.

تزامن التصنيف الإئتمانى لمصر (نهاية 2013) مع تعاقد النظام الإنقلابى مع شركة "جلوفر بارك جروب" الامريكية لتحسين صورته امام العالم. وشركة جلوفر بارك جروب تعمل فى مجال الضغط السياسيى والعلاقات العامة (lobbying company)، والمعروفة بعلاقتها المتينة مع اللوبي الصهيوني في أمريكا.

السودان ليس جزءاً من مصر
أطلق الجنرال السيسى عبارة "نعتبر السودان جزءًا من مصر أثناء المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس عمر البشير فى الزيارة التى قام بها مؤخراً للسودان بشكل غير معلن. قد يكون قول السيسى عبارة عن التلبيخ فى الكلام الذى ظهر فى الكثير من تصريحاته منذ ظهوره على المسرح.

وبينما تجاهلت أجهزة الإعلام المصرية زيارة السيسى إنبرى بعض السياسيين والكتاب السودانيين للدفاع عن عبد الفتاح السيسى وتبرير عبارته على اساس أنها تعبير عن التعاطف الأخوى بين الشعبين. لا أحد يطلب تحويل العبارة المذكورة لقضية، ولكن النظرة الواهمة التى تجنح لتبسيط مسار العلاقات بين البلدين يترتب عليها تجاهل المسافة الشاسعة والواضحة فى الخلافات التى تفصل بين بلدى وادى النيل فى مجال الخلافات المتعددة. وبعيداً عن خلق الاعذار، فإن النفاذ الى ما وراء العبارات والاحداث العابرة يقود الى عدم عزل ما تفوه به السيسى عن الرأى السائد وسط بعض النخب المصرية التى ترى أن اراضى السودان تابعة لبلادهم. وهذا الرأى تحول لعقيدة راسخة تغذيها دراسات المؤرخين والكتاب المصريين كالدراسة التى أعدها المؤرخ الدكتور يونان رزق: " نشأة الحدود المصرية السودانية فى العصور الحديثة" التى زعم فيها أنه عثر فى الارشيف العثمانى على وثائق تؤكد أن حدود السودان الشمالية تقع عند خط العرض 21 وليس ال 22 الذى وضعته اتفاقية 19 يناير عام 1899 بين مصر وإنجلترا. وعليه، فإن كل الآراضى شمال خط عرض 21 أراضى مصرية يمتلكها السودان بدون وجه حق منذ أن نال إستقلاله فى 1956.

إن زيارة السيسى للخرطوم التى إستغرقت عدة ساعات لا تخرج عن نطاق المهمة الاستطلاعية، ولا يعقل أن تكون مُناسِبة لمناقشة القضايا الشائكة بين البلدين؛ وتجدر الملاحظة الى ان السيسى فى جميع خطاباته حتى الآن بما فيها خطابه المطول خلال تنصيبه، والذى تناول فيه علاقات مصر الخارجيه، لم يتطرق للعلاقات المصرية السودانية التى تشوبها قضايا ملحة.

السودان ليس جزءاً من مصر، ولا هى وصية عليه.