رحيل ساحر الافاعي

شاكر حمد
2014 / 7 / 13

غادرنا الشاعر حسين عبد اللطيف ظهيرة الخميس التاسع من تموز عن عمر 69عاماً وبعد مُعاناة مريرة مع مرض السكري. وسبق لي أن حاولت الكتابة عن تجربتهِ الشعرية الفذة وهي رؤية متميزة في تجديد مضمون القصيدة الشعرية الحديثة بشكليها المعاصرين, التفعيلة والنثر, وأزعم أني أنجزت عملي في الكتاب المطبوع الآن في دار تموز-دمشق- وربما حالت الظروف الميدانية وغلق الحدود دون ظهور الكتاب ... وكان الشاعر يسألني عن الكتاب, عن [ساحر الأفاعي ] وكان ينتظر صدوره. في أدناه مقدمة الكتاب وآمل أن أُواصل نشر المقالات عن الشاعر
مقدمـــــــة

اقتبستُ عنوان لوحة هنري روسّو ليكون عنواناً لكتابي عن الشاعر حسين عبد اللطيف, وتجربته الشعرية, ولكن لماذا؟ وهل من صلة؟
نعم، ثمة علاقة داخلية، موضوعاً و شكلاً ، بين ما قرأته من تجربة شعرية للشاعر وبين ساحر الأفاعي في لوحة روسّو بل وعالم روسّو بالكامل..
في الحقيقة يبدي الشاعر تأثره ودهشته من الغموض الذي يسود لوحات هذا الفنان, الغموض أولاً هو أحد أسرار هذه العلاقة، غموض الموضوع واختيار الأمكنة المجهولة والطبيعة ذات المناظر المفْتوحة، ووضع الانسان الضائع وغربته .. اذ ثمة فعل مشترك في مديات الرؤيتين للشاعر والرسام، على الرغم من اختلاف الزمان والمكان والتاريخ.. الفعل المشترك يؤديه شخص غامض الهوية، منبوذ ومشرد ، مُقنّع ومزخرف بالأسطورة، مبطّن بالخوف من "الافتراس"، أفعاله المهرجانية تتمظهر بإختلاف أقنعة الخوف ، لإبعاد الشرور وإصطناع الأفراح ، هذه الشخصية ظهرت عند الشاعر بوضوح وبالاداء الغرائبي المشترك بين الشعر والرسم ، وبتناقضها وازدواجيتها وغَدت – رمزاً - عند الشاعر ، بعد ما إلتقطها من أرض الواقع - القناع الواقعي للعالم الميتافيزيقي- . وفي كلتا التجربتين: الشعر والرسم. لا وجود حقيقي لهذه الشخصية إنما يوجد مركّب من الإستعارات الشكلانية في الظاهر. وفي الأعماق ، حزمة من الهموم والهواجس والإنتظار . حيث يكمن المصير الحقيقي في ترقب النهاية.
لقد هيمنت هذه الشخصية بقوة على رؤية الشاعر وتسلطت على حاسته الشعرية بصورة كادت ان تكون مطلقة, في أسفاره الخيالية ومناطق رؤيته، - العتمة والافعال الليلية- اذ تبدو أغلب فعاليات التخييل اشبه بأحلام اليقظة, ترتاد مناطق التهديد الكامنة في الطبيعة، كمحيط روسّو في لوحاته ، فتواجه المخلوقات البريّة الأشد خطراً ، من النمور والأُسود والذئاب الى الزواحف والحشرات وكل ماهو لاسع وجارح وقاتل.. وللافاعي, بشكل خاص, نشور مُرعب وهيمنة سايكولوجية, وفي الطبيعة إنقياد لطبيعة الافعى بإلتوائها وترصدها وغدرها ، وفي إلتماعها ، فهي مصدر الخطر الأعظم الذي يهدد الطبيعة الإنسانية ,الفطرية,ويستثير حواسها الطفولية. حيث بؤرة الخطر الكامن في أضلاع الإنسان ، الراقد الهادئ في قبره: (تضيء الافاعي عظامي). اوحى لي هذا بنهاية ساحر الافاعي الذي رسمه روسّو وهو – الجواّب الضائع- المُشرد الذي يظهر ويختفي فجأة، وفي – حرفته- المهرجانية خوف وهروب من الأخطار ، ومحاولة لمعرفة حقيقتها. ومصادرها في الطبيعة، عبر إستنفارها بطرق بهلوانية.
وعلى امتداد الرؤيا, فيما كتبه الشاعر، ثمة مقاربة حقيقة بين تصوراته في الشعر وبين العالم التشكيلي وبالأخص التشكيل السريالي والفطري والغرائبي. الأمر الذي دعاني إلى قراءة نتاجه الشعري الذي نشره في مجموعاته الشعرية: [على الطرقات ارقب المارّة"] و [نار القطرب] ، ثم مجموعته التي حملت عنوان [لم يعد يجدي النظر] ، والمجموعة الرثائية: [أمير من أور] .

ينبغي القول أن فكرة هذا الكتاب بدأت برسم (تخطيط) لينشر مع قصيدة الشاعر [إزهرار] . رسمتُ التخطيط الذي نشر مع القصيدة في أواخر العقد التسعيني ، عليه يمكن تقدير المسافة الزمنية التي غطت هذا الكتاب والمحاولات التي رافقت الكتابة من بحث وقراءة و إعادة وتغيير وتبديل في جميع المراحل الكتابية. ومازلت أستعيد وأسترجع وأغيِّر وأُبدِّل وأحذف رغم أن الكتاب أُعدّ للطبع في عام -2007 – وبتقديري أنه لم يُنجز. فكلما أعدت القراءة واجهتُ فراغاً لم يُشغل بعد بالقراءة المنهجية الصحيحة, أو مشغولاً بغير المطلوب.

لقد حرصتُ على الكتابة من الزاوية المشتركة ، زاوية نظر الرسام والكاتب معا ، وبذلك فهي مغامرة ليست محصّنة من الوقوع في العثرات والأخطاء والمزالق. وبالتالي فهي قراءة من قبيل وجهات النظر او الرحلات في أعماق التجربة الشعرية او ... سَمِّها ماشئت..

شاكرحمد
البصرة
(15- 5- 2014)