جمالية التكثيف والتصوير في رواية الشاهدات رأساً على عقب للكاتب راهيم حساوي

ريبر هبون
2014 / 6 / 28

((جمالية الوصف والتكثيف في رواية (الشاهدات رأساً على عقب) للكاتب راهيم حساوي))
*صدر عن دار العين للنشر, مصر*
*ريبرهبون
الملاحظ في هذه الرواية أكثر هو تسليط الكاتب الضوء حول أكثر المواقف والنقاط غياباً في حياتنا وحياة الأدباء أو الروائيين الذين يكتبون حول الإنساني المؤثر أكثر, أما الكاتب راهيم حساوي فقد بدأ من الشاهدات كحالة تستدعي الوقوف أكثر, كظاهرة تقديس الإنسان للميت وكتابة الزمان والتاريخ الذي مات فيه والأهم هو مدى تعدد دلالة الشاهدات والنقاط التي أثارها الكاتب في روايته ربما تتجاوز مسألة التقاء الأشخاص أو تنافرهم وابتعادهم عن بعضهم فمثلاً لنلحظ كيف ابتدأ الكاتب راهيم حساوي بالرواية هنا ص7:
((إن للبول فلسفة وحكمة , والتبوّل عزاء الحزانى ونشوة السعداء, فكلما كنت أشعر بالحزن , أخرج للبعيد حيث العراء, فأجلس على تلك الصخرة المزروعة فوق مرتفع بسيط , وأبول حتى آخر قطرة , وأعود خفيفاً كأني تخلصت من بعض حزني))
نلحظ الحزن والكآبة ومظاهر التعبير بالتنفيس عنهما لحظة التبول , وإيجاد المناخات المتعددة التي راح الكاتب يعبرعنها عبر أجواء اللقاءات وتجسيد الأماكن , وكذلك التركيز حول أوصاف المكان وانعكاس ذلك على النفسية التي بدأت سرد الرواية من خلال صيغة المتكلم , التي راحت تطغى على الشخصيات أكثر من إتاحة الفرصة لها في طرح مشاكلها المتعددة مما نلمس ذاتية الكاتب الطاغية على الرواية أكثر من شخوص الرواية الذين هم أدوات بسيطة لنقل أفكار الكاتب إلى المتلقي, ونلحظ قدرة الكاتب على تجسيد المكان من خلال ابتداع التكثيف والترابط بين المكان والشخصيات , والعقدة المتمثلة بشخصية جابر المتلقية لكل الحوادث والظواهر والأصوات , والمسهبة في تجسيدها وكذلك بث الغرائبية التي يتحدث من خلالها الكاتب بلسان جابر ,وحواراته مع كل من منار ورشاد ومدرس الرياضيات , وتداول الحدث الذي يأخذ مسارات الحديث نحو تفسير أعقد المشاهد وأدقها لأجل التحايل على الزمن والذاكرة , بترابطية جميلة اعتمدها الكاتب بين الحدث وانعكاساته على النفسية, هنا مثلاً ص18:
((انتصف الليل فجأة وقمت إلى المطبخ لتحضير فنجان قهوة, وكان نباح الكلاب في الخارج يتشاجر مع الليل تارةً, ومع ذاته تارة أخرى, بينما كنت أنا أتشاجر مع ذاكرتي بخوف رهيب , ذاكرتي التي قام منار ببث الروح فيها ورفع شأنها من جديد))
ولاشك أن الحوار الداخلي كان قائماً على نحو مكثف في عموم الرواية, وبشكل متماسك ومتلاطم, ومتمازج بعضه ببعض, وأخذ شكل عدة قوالب محكمة ومتينة طغى عليها الحوار الخارجي بين الشخصيات, وكأن الكاتب من وراء ضمير المتكلم ومن خلال شخصية جابر يخرج في جولة نفسية سيكولوجية ليشخِّص تأثيرات المكان على الإنسان وما يعكسه الخارج من رواسب على الداخل عن حقيقة الإنسان المتورط بعقد لا متناهية وأورام داخلية واستياء من العبثية السائدة حيث يقول الكاتب هنا:
((كل الأفعال تنتهي, ولا يبقى منها إلا ماهو مرهون باللغة, واللغة هي التي تعيد تأجيج تلك الأفعال التي انتهت , وفي كثير من الأحيان ,أشعر أن اللغة هي التي تمهد لفعل جديد في ظاهره, ولكن حقيقة الأمر هو فعل لا وجود له في الأصل , وبهذا الشكل يستمر العالم في حركته البشرية))
العالم واللغة , حيث يشير الكاتب إلى مدى قدرة اللغة على ترغيبنا في التذكر والاستكشاف والتمعن بجودة الخيال والتعمق في الظواهر أكثر, وكذلك لبيان قدرة الأساليب النوعية على التمعن بفلسفة الحركة وزيادة تحريك كل ما هو جامد إلى هيئة عملية تقدم نتيجة الحركة ومدى تأثيرها على تنقلات الحياة الإنسانية , ولقد نقل لنا الكاتب أجواء وأماكن كان قد خبرها واقعاً وعاشها, وينقل لنا المتاعب وسهولة الانتقال والرؤية والاندماج المتقن بالتفاصيل المدوية التي تتأثر بها سلوكية المبدع وأماكن اللهو التي تشكل هاجساً جميلاً, فالرواية التي بين أيدينا الآن هي أقرب للسيرة الذاتية وأدب المذكرات, ولعل دقة الوصف وانهماك الكاتب بمعضلات النفس وعللها, جعل الرواية طريقاً لاستكشاف الظواهر على علاتها وأثرها في تكوين الإنسان من مراحل النمو الأولى فنلحظ الإحساس الدقيق هنا برخامة الشاهدة حين يقول : ص25
((كنت استمتع كثيراً حين أمرر إصبع السبابة داخل تلك الحروف المحفورة على شاهدتي القبر, وأنا مغمض العينين , كنت أحاول أن أسيطر على إصبع السبابة وأضبطه بدقة كي لا يخرج عن مسار حروف كل كلمة متصلة ببعضها, ولم أكن أعير أية أهمية لنقاط تلك الحروف , وكنت أفعل ذلك على معظم شاهدات الموتى ذات الحفر الأنيق والواضح , ولكن قبراً واحداً كان يصعب علي أكثر من غيره, بسبب كثرة حروفه , وكان أهل ذلك القبر يكثرون من الزيارات إليه , وقبل أن يذبل الورد الذي يضعونه عليه تكون باقة ورد جديدةٍ قد وضعت عليه من جديد))
هذا الوصف الدقيق والأنيق الذي راح الكاتب يخوض فيه وضعنا أمام المكان مباشرة, وقد استطاع الكاتب أن يجعل اللغة مطواعة بين أنامله وروحه, إنه في حدث الموت وتبعاته على الشخصية ويتحدث عن عبثية النفس في سردها لحادث الموت, وكأن اللامبالاة غدت عنواناً هاماً ومركّزاً حين بدأ الشاب الذي في صالون الحلاقة يتحدث عن وفاة أبيه على نحو بارد ورتيب معبِّراً عن دهشة خافتة في التعبير عن حدث الموت والحديث عن الزواج وانشغاله بأحداث وتفاصيل الحياة طغى أكثر على مجرد حادث حدث وانتهى وهو حادث وفاة أبيه, مما يذكرنا برواية الغريب للكاتب العبثي –ألبير كامو- حينما وصف حالة الشخص الذي توفي من حوله أقاربه, وانصرف من مكان العزاء وراح ليضاجع عشيقته, والكاتب راهيم حساوي يعبر عن نزق الشخصيات الحية التي تعبر عن حدث الموت بكثير من الاستخفاف وتعبر أكثر عن صراع الرغبات المتأججة بروح الإنسان الحي, حيث لا يأبه بحادث موت أو فقدان احد, فالكاتب يعبّر عن أشياء في متناولنا تبدو عادية بيد أنها أكثر جمالاً وفنية حين يستعرضها الكاتب بتفاصيلها , وعن حضور الإنسان مع الأشياء على الدوام , إنه يعمد إلى تفصيل الأحداث اليومية المتعلقة بشؤون البشر والحركة ورحلة الإنسان البصير نحو الحياة الرحبة ومضيه أمام العديد من التساؤلات التي تخفى فيه الرهبة والرغبة معاً نحو حياة تنتهي بلحظة الموت
فهو يصف الموت وملابساته في نفوس الأحياء حين يقومون بدفن موتاهم ليعبروا عن الموت أكثر بالبكاء واسترجاع حميمية العلاقة والتفاصيل والمواقف مع الميت قبل أن يموت, حيث نتأمل هذا المقتطف ونلاحظ هنا: ص35
((كانت تلك المرأة الهزيلة شديدة النزق وكانت تشتم كل من يحاول أن يعبث بحجارة قبر زوجها , وكأنها كانت تعرف تموضع كل حجر من الحجارة التي تعتلي تراب ذلك القبر, شاهدتها أكثر من مرة , وهي تمسح شاهدة القبر بطرف ثوبها وتبكي بحرقة))
ولقد تميزت الرواية بالقدرة البالغة على الإحساس بالحدث والمكان ومواكبة الأحاسيس البشرية لها وقدرة الكاتب على تحقيق الرواية المعاصرة التي تجمع بين التكثيف والتصوير والرمز والشفافية الشعرية ولعبة الحوار محققاً المقومات والخصائص التالية:
- قدرة الكاتب على احداث خلخلة في تجسيد الحدث وانتظام تعاظمه , والدخول في أنسجة الغرابة الممتزجة بجمالية رصد الحدث بجزئياته ومفاده بيان أن الموت أمر اعتيادي
- تحقيق الإيمان من كل ما يحدث وحدث وعقد فروقات نسبية بين الحدث القائم على البكاء وبطلان إيجاد الخلود الذي هو شعور زائف يتجلى زيفه بالبكاء والمرارة
- رؤية الكون ككل من كونه مسرح تصادمات تنم عن أحداث متعلقة بالظواهر واندفاعات الناس وما ينجم عن ذلك من إثارة وحذر وخوف ورغبة والشعور بعدم الاستقرار والانتظام , والتأكيد على ضرورة عدم العبث بكل شيء ظاهر أمامنا كون المفاجأة تحيط بالغد القادم دائماً
- الاستفادة القصوى من عامل الوقت, لإنجاز أكثر الأعمال الملحة في الذهن , وإعطاء جمالية الحياة من خلال اللهاث وراء الحلم من كون الإسراع وراء الغاية والانشغال بالصخب يبرر جمالية اللعب والفن القائمين في جوهر علاقة الإنسان بالموجودات
- شعور الكاتب بالتفاصيل وانغماسه بالحدث وبالقضية التي تراوده , واستخدامه للشخصيات ككل لإيجاد مخرج وسر عميق يرقد وراء الأحداث الأكثر انفصالاً عن بعضها البعض ولكن ذات الفكرة كانت رابطاً بينها ..
إذاً فنحن أمام رواية غرائبية عبثية , استغنت عن مقومات الحكائية والقص التقليدي وبدأت تنشغل في البحث عن علاقة الأشياء وتقاطعها مع النفس البشرية تلك التي راح الكاتب راهيم حساوي يرتأي لاستخراج مغازي منها من خلال مشاهد متفككة وتحدث مراراً , في صالون الحلاقة , وفي بيت الأصدقاء ومرة في المطعم, إنها مشاهد متفرقة داخل رواية مبعثرة وتسودها الفوضى المنتظمة والحديث يطول وهنا لابد القول من أن رواية الشاهدات تعد من أكثر الروايات أثراً على النفس من كونها جسَّدت لنا علاقة الإنسان بالوجود ورحلته نحو ما يبعث على البؤس والخوف من المفاجآت وكذلك إيجاد التصالح بين الإنسان وذاته والعالم , وإيجاد بديل عن الاغتراب الهائل والغائر في العمق الإنساني من بث معاني الموت تلك الحقيقة الواضحة
دوميز-28 حزيران- 2014م