قراءة في اشكالية الوطن المفتعلة ب(رواية عندما يبكى الرجال) ل(وفاء مليح)

محمد طلعت
2014 / 6 / 19

بداية وقبل المضي في أي تحليل نريد أن نسجل أن ثمة نصوص قد تفلت من سلطة مؤلفها لتكتب نفسها بنفسها، والنص الروائي "عندما يبكي الرجال"، للمبدعة المغربية "وفاء مليح" يعد نموذجا صارخا لهذا. وهو تجسيدا لمعنى انتصار النص لنفسه الذي خرج عن نطاق استبدادية مجتمعه وسلطة مبدعه.

لم نكن مبالغين إن قلنا مطمئين أن النص يكرس مفهومية أنوثة الوطن والتسيد عليه من قبل الشخصيتين الرئيستين. فنظرة "أحمد" للوطن نظرة قضيبية مخترقة وهي بالأساس نظرة جنسية قحة وفقا لفكر الرجل العربي المحصور في رغبة الأمتلاك، كيف؟ هى نظرة شهوانية في الإحساس بالمداومة بحالة الوصل ولفت النظر الفعال للشخصية التى تمارس فعل الأنا. فعل التسيد في مفردات الحياة، ولعل الوطن والأنوثة هما أهم هذه الأفعال عند الرجل العربي(الذي تعكسه شخصية أحمد) فهو يسعى دائما إلى حالة التملك. تملك مساحة ما أو نفوذا ما في الوطن، وتملك نساء وجواري وغلمان. هو نفس الإحساس من الزهو حين يصفق له الجمهور حين يعجب بمقاله له فى حب الوطن يعادله نفس الزهو حين تصيح رفيقته فى الفراش بالامتاع حين يعتليها. هذه التناقضية في الربط بين الأنثى والوطن والتحقق فيهما تكمن أزمة أحمد.

أما عالم "فاتن" فقد تلخصه نظرتها بأحساسها الأنثوي لمعنى الوطن. أي أن نظرة "فاتن" نظرة فرجية احتوائية مهما طاف عليه أو اخترقه اللصوص أو الشرفاء فهو الأرض الخصبة التى قد تصاب بعله ما بسبب اختراق فج من فلاح لايحسن تسيس هذا الفرج لزراعة كل خير فيه ومنه. ومع ذلك تقاوم فرجية(الأنوثة/ الوطن) لتخرج من هذه المعصرة متكيفة متعايشه مع واقعها على أمل فلاح أخر قد يأتي متحققا مع ذاته أولا، متخليا عن نظرته الاختراقية الامتلاكية مهذبا إياه بنظرة احتوائية ثانيا. وهذا محال بطبيعة الحال لذا تستمر القضية والنزاع والعجز. مفهومية أنوثة الوطن والتسيد عليه أيضا.

إن اكتمال النص كان يتوفر لو لم يتم اقتحام سردية الوطن وجعلها المحرك الذي بدا رئيسيا للأحداث التى أدت إلى عجز أحمد وانتحاره. كان يمكن رد سبب العحز الجنسي لأي سبب نفسي أو جسدي أخر لتتجلى قيمة الفن والابتكار ليتحقق السبق لـ" عندما يبكي الرجال" كأول لوحة عربية مغربية ترصد سردية الجنس كمفهوم مغاير اقترب من مصاف روائع الإنتاج الإبداعي الإنساني العالمي ذو القيمة، ولكنه اقتراب ضئيل خجول.

تلك الأزمة التى ابتعدت لحد ما عن تيمتها الجنسية لتقع في غواية التقليد الشائع لدى المبدعين العرب في اقحام المسألة الوطنية لتضغى على الهم الجنسي، بل يذهب منتج النص، لأبعد من ذلك في انعاكسية اخفاقات الوطن وعجزه على الصحة الجنسية لدى شخوص النص. لكن على أية حال جاء النص بمشاهد إنسانية مختلفة ومغايرة لحد ما، ويمكن القول بأنها سبق في الوصف والتحليل لحالة الجنس في المجتمع العربي والمغربي خاصة.

شأن أخر في مسألة هذا النص دون غيره لما فيه من قوة عصية. قد فلتت من استبدادية منتجته (الكاتبة) التي خلطت بين الجنس وأشياء أخرى جاءت ضرورية من وجهة نظر الكاتبة. لكن عند التوغل في النص يتضح عكس ذلك. حيث ينكشف إنها أشياء مقحمة، لأنها لم تصمد أمام قوة الهم الجنسي الذي كان صاحب الكلمة العليا. التى تلاشت أمامها استبدادية السلطتين( سلطة الكاتبة وسلطة المجتمع).

وعلى الرغم من هذا وذلك ، فثمة ملامح مقلقة تجسد"الهم الجنسي" وصراعاته الداخلية تشكل بمشهدية العالم الجنسي المثالي الذي يبدأ من العالم الأرضى ليعرج إلى عالم أخر يسري باحساس المرأة المتوحدة مع ذكرها في توافقية جنسية مشتاه تحلم بها كل أنثي.. وكما هو واضح من المشهد السردى ثمة علاقة ليست حميمية فقط بل علاقة اتحاد وتوحد الأنا بالمفهوم الصوفي لمعنى النشوة والسكر من خمر رضاب المحبوب. وهذا أمر مربك، فكيف يصاب(الذكر/ أحمد) الماهر في درايته بفنون الأنوثة بهذا الاكتئاب والعجز؟ وكيف تصاب(الأنثى/ فاتن) بحالة الأكتئاب والعزلة والبرودة فى تلقي خبر موت الرجل الذي اذاقها جنسا مغايرا لم تتذوقه من قبل؟ هذا ليس له جوابا غير أنه تم اقحام قصص وتفرعيات وتفسيرات وتبريرات لأوهام وطنية على مساحة سردية العحز الجنسي. صعب أن تكون فرضية حقيقة على أرض الواقع. وما يؤكد ذلك ما فضحه النص السردي الذي قدم (الذكر/أحمد) شخصية لها حضورها وسط المعارف والأصدقاء وتلاميذه، فضلا عن كونه سياسي وكاتب له جمهوره من القراء الذين يعرفونه كما رأينا في مشهد قسم الشرطة حين تعرف عليه الضباط من اسمه. كما أنه كان متحققا في علاقاته الجنسية وخاصة في علاقته مع ( الأنثى/ فاتن) فسردية العجز الجنسي وردها على الهم الوطني تبدو غير معقولة ومجحفة في حق الجنسانية الطبيعية بين قطبي الحياة وهذا عكس بدوره أزمة النص السردي في الرواية العربية وتشتته بين القضايا الإنسانية بصفة عامة والجنسانية بصفة خاصة وبين الوطن.

فقد اجتهدت وفاء مليح في فرض ديكتاتورية باردة على مشاعر أناث نصها ومسخ ذكورها في قضايا مفتعلة باسم الوطنية بين المجهد بحبها وبين اليأس ببطالتها. وهى تعكس هنا صورة استبدادية المبدع الذي يمارس فرض اخلاقياته وأفكاره على شخوصه المتخلية التى جاءت صدى لما يجوب في اضطرابات المبدع نفسه وموقفه بين الجنس والوطن.

ومن هنا يجب أن يعي المبدع العربي خطورة ما يتناوله من قضايا مصيرية وشائكة في حياة الإنسانية وأن يعطي في مساحته السردية حرية حق التعبير والاختيار لشخصياته المتخيلة لتعبر عما يشغلها من قضايا الهم الجنسي أو قضايا الوطن مع وضوح الرؤية بينهما عند المبدع ذاته في المقام الأول.

النص الأدبي ليس غرا ولا طفلا مهذبا بل هو إنسان متمرد على الكون وعلى مصيرية الخالق فهو صاحب أول قرار متمرد في الكون والتكوين البشري. ومن هنا يجب أن نترك له مساحة من الحرية تمارسها شخوصه دون اقحام سلطتنا المجتمعية أو الإبداعية عليهم. الإبداع ليس عملية ترفهية لسد الفراغ والتسلية أو حشو أوراق والزج بها إلى المطابع لينشرها ناشر جهول بغية التربح. فالنص المتمرد باق وخالد فاكتبوا نصوصا متمردة ستربحون أكثر وما أكثر الربح مع الخلود الأبدي.