الاغتصاب .. العنوان الحقيقي للثقافة والعلاقات في مصر تحت حكم العسكر

أمين المهدي سليم
2014 / 6 / 13

أحد الأحداث الصادمة المتكررة والمتفاقمة في مصر نتجت عن عمليات تحرش جنسي واغتصابات جماعية جري أحدها علي الهواء في ميدان التحرير خلال أحداث تنصيب السيسي رئيسا بعد أكثر من ثلاث سنوات من الانقلاب العسكري في 10 فبراير 2011 وما تبعه من تصرفات انقلابية أوصلت الإنقلابيين إلي سدة الرئاسة .

لا أعتقد أنني أبالغ إذا قلت أن الثقافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر في غالبيتها هي ثقافة اغتصاب ، أذا تطرقنا إلي الحياة السياسية والاقتصادية نجد أن أساسها الاغتصاب الذي تقوم به البلطجة والإنقلابية العسكرية منذ ستة عقود تقريبا ، ناهيك غن أن الملكية الاجتماعية في ظل الجمهورية العسكرية لم تعد حقا وانما أصبحت وظيفة مثلما هي في كل ثقافات الأقطاع وخاصة الاقطاع العسكري وخطابه الاسلامي ، حيث أن الملكية في الشريعة الاسلامية مهتزة ووظيفية ومرتبطة بالايمان وفقه الاستباحة والغزو والغنيمة والسلب ، وأحد الأدلة أن ممتلكات المرتد والكافر مستباحة ، ونظرة سريعة إلي مايحدث احيانا للأقباط والشيعة والبهائيين والأجانب يتضمن التهجير والطمع والمضاربة علي ممتلكاتهم ، كما أن الحراسات والتأميمات والمصادرات والتمصير وتصفية الملكيات الزراعية الكبري تحت عنوان تصفية الاقطاع لم تكن سوي عمليات اغتصاب ممتلكات وتجريف وتهجير لفئات وجاليات كانت تتمتع بأعلي درجات المهارات الاجتماعية والمعرفية والعلمية والمهنية ، كما أن ألكثير من هذه الممتلكات ابتلعه الفساد ولم يصبح من ممتلكات الدولة أو الفلاحين ، وربما يكون هذا بجوار سوء الادارة احد الأسباب الجوهرية في عدم حدوث تراكم رأسمالي في مصر أو فائض قيمة وتحول مصر إلي دولة متسولة .

أما الثقافة الاجتماعية التي سادت في ظل هذه الجمهورية فهي ثقافة رأسية اعتمدت علي الحشد والكراهية ضد خصوم العصابات العسكرية الحاكمة وتمحورت حول صياغة للأنا وطنية ودينية متطرفة ومعادية لكل أخر ، والتديين التخديري العبادي والتركيز علي أخلاق الجسد ناهيك عن خرافة الخطيئة الأولي وذنب المرأة أو بالأحري جسدها عن الغواية والسقوط إلي الحياة الأرضية ، والمنتج النهائي لكل ذلك غياب العلم والمعرفة واغتصاب الفضاء المعرفي والوعي الحر بواسطة غسل الأدمغة من منابر المساجد ومنابر جهاز الدعاية المخابراتي ، وتحول النفس والجسد إلي ملكية عامة مفترضة يحق لكل من هب ودب الحكم عليها والدليل أنه من الشائع والتقليدي أن يسألك أي شخص لاتعرفه : "انت بتصلي ؟" كما يشيع الحجاب والنقاب بين النساء والجلباب للرجال في تلاشي واضح للحرية والتنوع والاتصال الاجتماعي وتقلص التعبير الفردي الانساني والخصوضية ، ذلك لأن العقل الديني يقسم المجتمع إلي جماعة مؤمبة وإلي جماعة تغضب الله ، تماما مثل الشموليات السياسية التي تقسم المجتمع إلي موالين ومعادين والنتيجة ضياع ملامح الفرد وقيمته وابداعه ومهاراته العقلية والمهنية والاجتماعية ومما له مغزي هنا أنه في استطلاع أجراه معهد جالوب بين 2006 و 2008 تصدرت مصر كل المجتمعات وعددها 143 دولة في نسبة التدين وتبين أنها 100 % ، ومن الطبيعي أن يوصل ذلك إلي سيكلوجيا حق عام مصطنع بالحكم علي نوايا وأجساد الأخرين وتقرير مصيرها طبقا لفرز مسبق جنسي أو عرقي أو ديني أي القيم غير المدنية وطبقا لعلاقات الاستضعاف وبالتالي يذهب ضحيته كل الفئات الضعيفة عضويا مثل النساء والأقليات والأطفال والفقراء والمرضي النفسيين والحيوانات الضعيفة وانتهاك وتحطيم الجسد كممارسة لهذا الحق ، في كثير من الأحيان لم يكن هدف التحرش لذاذي وانما كان التشويه والأصابة وربما القتل ، وفي بعض الأحيان كان المتحرشون أطفالا ، بالاضافة طبعا ان الاعتداءات الجنسية اللفظية والجسدية علي فتيات وشباب ثورة يناير كان سلوكا منهجيا للسلطة العسكرية وأحد هذه الانتهاكات الجسيمة الشهيرة دبرها عبد الفتاح السيسي نفسه تحت أسم كشف العذرية عندما كان مديرا للمخابرات الحربية ، ومن يشاهد الفضائيات المخابراتة يجد أن فحش الأقوال وخشونتها أصبح يوميا وكذلك تهديدات قطعان المخبرين للشباب علي الشبكة العنكبوتية ، فضلا عن أن التعذيب وفبركة الاحكام وغياب القانون واستعمال القضاء كأداة قهر سياسية واجتماعية أطاح بكل المشتركات الاجتماعية ورسخ علاقات الغابة وماقبل الدولة وثمة عامل اضافي وهو أن السلطة العسكرية أصبحت تعتمد علي البلطجية في مواجهة المظاهرات المعارضة وفي حشود التأييد وأصبحت مهنة متعهدي البلطجة مربحة ومنتشرة ، ومن أجل المزيد من الفاعلية يقدمون للبلطجية قبل الاشتباكات أو الحشود جرعات زائدة من عقار الترامادول فيتحولوا إلي قطعان همجية دون عقل أو ضمير ، ويمكن استنتاج السلوكيات الناتجة عن ذلك .

إذا كان لي أن أضع عنوانا عريضا للحياة وللأحداث في مصر منذ ستة عقود فهو أن عسكر الجهل والهزائم في صراع مع الشعب المصري علي موارد مصر وأرضها ومن الطبيعي أن يمتد الصراع والاغتصاب إلي قيمة الانسان المدني نفسا وجسدا فضلا عن حريتة وكرامتة ومجتمعه ومستقبله بالتالي هذا هو الاغتصاب الأكبر الذي تتفرع منه كل أنواع الاغتصاب الأخري . باختصار الثقافة المتداولة في مصر ثقافة رأسية معادية للحياة والحرية وللفرد والأبداع ولتقافة العمل والملكية الخاصة والخصوصية الانسانية