الوجه الاخر للشراكة الحقيقية

احمد الكناني
2014 / 5 / 29

اضيفت الى قاموس الديمقراطية مفاهيم وتفاسير جديدة لم تكن معروفة من قبل ، وكانت ابداعا في التفسيرغير مسبوق من قبل بعض الساسة الديمقراطيين في العراق لازلنا نجهل كنهها الى هذه اللحظة ،اذ لا يمكن تعريفها بحد او رسم بجنس اوفصل او اي شئ يعَرف به مما هو مدوَن في المنطق الارسطي ؛لانها وليدة ما نسجته مخيلاتهم وبحسب ما تشتهي انفسهم... ولنفرد لهذا المقال مفردة ديمقراطية واحدة محيَرة رغم ما قيل ويقال فيها ، تلك هي الشراكة الحقيقية ، فماذا تعني هذه اللفظة من حيث المبدأ والتفسير؟
قيل : ان الشراكة بمفهومها العام تعني الاتفاق على صيغة معينة لتحقيق اهداف مشتركة ، وتتضمن الاعتراف بالاخر بحيث يتم ضم المزايا النسبية لكل طرف الى الطرف الاخر في اطار تشاركي ...
وبناء عليه فإنّ الأنظمة الديمقراطية اعتبرته مسألة ضرورية لإحداث التغيير والتحوّل الاجتماعي، بتعاضد الجهود وتكامل المهامّ بين المشتركين ، فالمكونات المتحدة التي تتخذ من العراق سقفا تستظل به يمكنها الاستفادة من المزايا التي تتصف بها وضمها للبعض الاخر لاحداث التحول الاجتماعي والنهوض من جديد من تحت انقاض الدكتاتورية ، كما حدث في البلدان التي تبنت مفهوم الشراكة والفدرالية اوالكونفيدرالية والاستفادة من مميزات احدهما للاخر ، اقتصاديا بحمل الاكثر ثروة للاقل، وسياسيا بالتمثيل المتوازن ،وعسكريا بالدفاع عن البعض الاخر ودرء الاخطار عن الكيان الواحد الذي قرر الجميع وبمحض ارادتهم ان يستظلوا ظلاله .
ولو رجعنا الى الوراء قليلا الى لحظة التغيير الاولى لتقييم مبدأ الشراكة الحقيقية وتفحصنا ادمغة الساسة العراقيين وما يدور فيها من افكار من خلال اقوالهم وافعالهم ، نجد ان الشراكة الحقيقية تعني استخدام مميزاتهم كوسائل ضغط من اجل الحصول على مكاسب سياسية بدلا من الاستفادة منها كمميزات لدعم الشراكة وتحقيق الاهداف التي من اجلها حصلت . اذن هناك اجتهاد غير معهود في تفسير الشراكة الحقيقية من قبل كل مكوَن ، وهو السبب في ايصال البلد الى ماهو عليه الان .
فالمكونات العراقية تمتاز بنوعين من المميزات بحسب الاتجاهات والايديولوجيات ، نوع مذهبي سني وشيعي والاخر قومي كردي ، ولو استغلت هذه المكونات مميزاتها بشكل حكيم لندمجت بمثالية مع محيطها الجغرافي العربي والاسلامي تحقيقا للمصلحة العليا وبعيدا عن الصراعات والتجاذبات ، هذا على الصعيد الخارجي ، وداخليا هي ممثلة في حكومة تمثل اهدافها وتطلعاتها فلا تهميش ولا اقصاء لاي مكون من المكونات اذا ما افترضنا ان هناك شراكة حقيقية بالمعنى المعهود لدينا .
اذن الشراكة الحقيقية السنية تعني الاستفادة من الانتماء المذهبي الذي تشترك به مع المحيط العربي وهوالارث القديم في حكومة العراق وقد سلب بالتغيير ، ولا امل في استرداده الا بالشراكة الحقيقية ، بعد ان فشلت المحاولات الاخرى من المقاطعة والحكم بعدم شرعية الاحتلال وبطلان كل ما يترتب عليه ... ثم الضغط بأتجاه اضعاف المذهب الاخر الحاكم واغراق البلد في المزيد من الفوضى من خلال التباكي على مظلومية اهل السنة ودرَ عواطف دول الجوار العربي وجرَهم للتدخل في الشأن الداخلي وزعزعته.
اما الشراكة الحقيقية الكردية فتعني احضار الماضي الكردي واستشعار الخوف منه وجعله حاضرا ومستقبلا لاخذ المزيد من الطمأنينة من عدم عودته ثانية ، وهذا يعني ان الاخرين سوف يظلون يدفعون الدين الى اجل غير مسمى لئلا تعود حلبجة والانفال ..
أخر التنبؤات تؤكد حقيقة الشراكة باللغة الكردية وحول منصب رئاسة الجمهورية يقول كبيرهم :" مع كون المنصب تشريفاتياً الا انه بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات وبعد أن يطمئن الكورد إلى إن العراق لن يعود إلى الأوضاع السابقة، حينها نحن نؤكد على حق الكورد بمنصب رئاسة الجمهورية كاستحقاق قومي لإقليم كوردستان "
والسؤال : متى يحصل الاطمئنان الكامل عند الكورد على ان العراق لن يعود الى الاوضاع السابقة ؟
و الجواب : سوف لم ولن يحصل مثل هذا الاطمئنان مطلقا .
اذن الشراكة الحقيقية باللغة الكردية ستظل غير مفهومة ، وسيستمر ضخ الطاقة كتصدير او سرقة ... ماشئت فعبَر..لا يهم فهو حق شرعي للاقليم ، والموازنة كذلك... و الى اخره من الحقوق المشروعة ما دام الاطمئنان غير حاصل .
هذه تفسيرات الشراكة بقراءة سنية كردية ، لكن ما هو الوجه الاخر للشراكة الحقيقية الشيعية الحكيمية ؟ هل هو التباكي على ارث مضاع ايضا !!
لعله ارث المرجعية الحكيمية المطلقة والتي سلَمت بمثالية مطلقة ايضا ولن تعد ثانية ..
ولعله السبب في احساسهم العالي بالانتماء للمرجعية واولويتهم بها اكثر من غيرهم ، وهو ما يفسر انحياز المرجعية لهم في الانتخابات الاخيرة .
العقل السليم يحكم بفساد مثل هذه المفاهيم ، والعقل ذاته يرجح العمل بما قامت به الامم التي جربت مفاهيم الديمقراطية وهو العمل بمبدأ الاغلبية السياسية والاقلية المعارضة والمصححة لاداء الاكثرية ، وهو مبدأ واضح لا لبس فيه ، ومن خلاله يمكن تجنب استغلال المميزات لافشال الاداء الجماعي المؤسساتي ، وكذلك الحد من خطورة الاخطاء من خلال العمل الرقابي للاقلية المعارضة ، اذا ما وضع لهذا المبدأ تفسيرا جديدا يجعله كسابقه....
وبحسب تصوري ان الفائزين بثقة الشعب سوف لن يستأثروا بالسلطة في المرحلة القادمة اذا ما اتيحت لهم فرصة العمل على مبدأ الاغلبية السياسية ، بعد ان بانت اكذوبة الشراكة الحقيقية منها والمزيفة ، واصبح من اللغو المنفَر تكرار هذه الكلمة بعد الان ، ولكن على الاخرين ان يعوا الحقائق كما افرزتها نتائج الانتخابات وان يعرفوا حجم مكانتهم عند الشعب ويعملوا وفق ذلك لخدمته بدلا من الوقوف ضده .