التجدد فى حركة دول عدم الانحياز

سمير أمين
2014 / 5 / 16

نحن نعيش فى نظام عولمة غير متوازن وغير متكافئ وظالم. فمن ناحية يتمتع البعض بكل الحقوق فى الحصول على موارد الأرض كلها لاحتياجاتهم بل لإسرافهم الحصرى.

وأما الآخرون فيجب عليهم تقبل هذا الأمر والرضوخ لمقتضياته حتى ولو على حساب نموهم الخاص بل إلى درجة التنازل عن حقهم فى الحصول على المواد الغذائية الأولية أو التعليم أو الصحة أو حتى مجرد العيش لشرائح عريضة من شعوبهم التى هى شعوبنا. هذا النظام المجحف يسمى العولمة.

بل إن علينا أيضا أن نقبل ان يكون للقوى المستفيدة من هذا النظام الظالم وهى أساسا الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى ــ الشركاء فى الحلف الأطلسى ــ أن يكون لهم الحق فى التدخل عسكريا لفرض احترام حقوقهم المتعسفة فى استغلال ــ أو سرقة ــ ثرواتنا.

وهم يقومون بذلك بادعاءات مختلفة مثل الحرب ضد الإرهاب، كما يطيب لهم. أو بادعاء تحرير الشعوب من حكامهم المستبدين الدمويين. غير أن تدخلهم فى العراق أو فى ليبيا مثلا اثبت فشلهم فى إرساء الديمقراطية. وإنما نجحوا فى تدمير الدولة والمجتمعات فى البلاد المعنية.

هم لم يفتحوا الطريق للتقدم وللديمقراطية وإنما هم أغلقوه.

يمكننا إذن أن نسمى حركتنا بأنها حركة دول عدم الإنحياز للعولمة. وعلى أن أحدد بأننا لسنا ضد كل أشكال العولمة. ولكننا ضد هذا الشكل المجحف من العولمة الذى نحن ضحاياه.


الإجابات التى نريد تقديمها لهذا التحدى بسيطة ويمكن صياغتها فى مبادئ أساسية:

من حقنا اختيار طريقنا المستقل نحو التطور وعلى القوى التى كانت ومازالت مستفيدة من هذا النظام أن تقبل وأن تتوافق مع متطلبات تطورنا. التوافق يجب أن يكون متبادلا وليس حكرا على طرف واحد.

ليس على الضعفاء ان يتوافقوا مع متطلبات الأقوياء بل على العكس يجب ان نطالب الأقوياء بأن يتنازلوا من أجل توفير احتياجات الضعفاء. فإن مبدأ العدالة قائم على رفع الظلم وليس على إدامته. من حقنا إذن ان نطبق مشاريعنا التنموية السيادية وهذا ما يرفضه لنا فطاحل العولمة.

مشاريعنا التنموية السيادية يجب أن تصمم من أجل السماح لبلادنا وحكوماتنا بأن تسير نحو التصنيع بالشكل المناسب لها وفى إطار البنية القضائية والاجتماعية التى تختارها، والتى تسمح لنا بالتقاط التكنولوجيا الحديثة ثم تطويرها بأنفسنا بما يلائمنا.

مشاريعنا يجب أن تصمم من أجل ضمان استقلالنا الغذائى وأن تسمح لكل طبقات شعوبنا بأن تستفيد من التطور لوضع حد للفقر المدقع الموجود حاليا.

تطبيق مشاريعنا السيادية يحتم ان نعيد اكتساب استقلالنا الاقتصادى. ليس علينا نحن أن نتوافق مع عملية النهب المالى الذى تستخلص ريعه الأكبر مصارف القوى الإقتصادية المهيمنة على العالم. بل إن النظام المالى العالمى هو الذى يجب أن يرضخ وأن ينصاع لمتطلبات سيادتنا.

نحن نملك الحق فى أن نقرر معا طرق تطورنا ووسائل تعاوننا بين الجنوب والجنوب لتحقيق نجاح مشاريعنا السيادية التنموية.

يجب على حركتنا وباستطاعتها أن تعمل داخل منظمة الأمم المتحدة لاستعادة حقوقها التى سلبها نظام العولمة الظالم والمسيطر حاليا.

فهناك الآن ما يسمى بـ«المجتمع الدولى» الذى نصب نفسه بديلا عن منظمة الأمم المتحدة. ولا تكف وسائل إعلام القوى المهيمنة عن ترديد أن «المجتمع الدولى يعتقد كذا وكذا» أو أن «المجتمع الدولى قد قرر ذاك وذاك».

وبالنظر عن قرب نجد أن هذا «المجتمع الدولى» يتكون من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبى ودولتين أو ثلاث منتقاة بعناية من قبل السابقين مثل المملكة العربية السعودية أو قطر!

هل هناك إهانة اشد من ذلك لشعوبنا؟ الصين والجزائر ومصر والسنغال وأنجولا وفنزويلا والبرازيل وتايلاند وروسيا وكوستاريكا وغيرهم الكثير، لم يعد لهم وجود. ولم يعد بإمكانهم إسماع صوتهم ضمن المجتمع الدولى.

نحن نحمل مسئولية كبيرة داخل منظمة الأمم المتحدة ــ حيث نكون مجموعة عددية متفوقة ــ من أجل فرض استعادة حقوق منظمة الأمم المتحدة فى أن تكون الإطار الوحيد المقبول للتعبير عن رأى المجتمع الدولى.


نستطيع الآن أن نلقى نظرة على ماضينا الذى يمنحنا درسا جميلا لما كنا عليه وما ينبغى أن نعود إليه من جديد.

تكونت حركة دول عدم الانحياز فى عام ١٩٦٠ على نهج مؤتمر باندونج لعام ١٩٥٥ لتثبيت حقوق شعوبنا وبلادنا فى آسيا وأفريقيا والتى لم يكن معترفا بجدارتها كشريك متكافئ فى إعادة بناء النظام العالمى.

لم تكن حركتنا نتيجة ثانوية للصراع الدائر بين القوتين العظمتين آنذاك ــ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتى ــ كما يريدون أن يوهمونا الآن.

فى صبيحة الحرب العالمية الثانية كان الجزء الأعظم من آسيا وأفريقيا مازال يرزح تحت الاحتلال الغاشم. وكانت شعوبنا مازالت رهينة مقاومة جبارة من أجل استرداد استقلالها سواء سلميا أو بحروب التحرير اذا اقتضى الأمر.

وبعد حصولنا على الاستقلال وإعادة بناء حكوماتنا وجدنا أنفسنا فى صراع مع النظام العالمى الذى أرادوا أن يفرضوه علينا وقتها.

جاءت حركة دول عدم الانحياز لتنادى بحقنا فى اختيار مناهج تطورنا وطبقت هذا الحق وأجبرت القوى العظمى آنذاك على الانصياع لمتطلبات التطور الخاصة بنا. وقد قبلت بذلك بعض قوى هذه الحقبة. ورفضته قوى أخرى.

القوى الغربية متمثلة فى الولايات المتحدة الأمريكية والدول التى شكلت فيما بعد الاتحاد الأوروبى ــ والتى كانت مشتركة منذ عام ١٩٤٩ فى الحلف الأطلسى ــ لم تخف أبدا عداءها لمشاريعنا التنموية المستقلة. فحاربونا بكل الوسائل المتاحة لهم.

وقوى أخرى، على رأسها الاتحاد السوفييتى، انتهجت طريقا آخر باتجاهنا. لقد قبلت بل وساندت أحيانا مواقف حركة دول عدم الانحياز. وساعدت القوة العسكرية للاتحاد السوفييتى آنذاك فى الحد من احتمالات العدوان من قبل بعض الذين كان ينتابهم الحنين للاستعمار الذين أصبحوا اليوم مدافعين مخلصين عن النظام الدولى الظالم.


نستطيع القول إذن بأنه حتى ولو لم يعد العالم اليوم مشابها لعالم ١٩٦٠ ــ وهذه حقيقة بديهية ــ فإن حركة دول عدم الانحياز التى كانت موجودة منذ ستين سنة كانت من وقتها حركة عدم انحياز للعولمة التى كانوا يريدون فرضها علينا فى ذلك الوقت.

أنا أنتظر الكثير من المؤتمر الوزارى لحركة دول عدم الانحياز المزمع عقده فى الجزائر من ٢٦/٥ إلى ٢٩/٥ القادم. فهذا مؤتمرنا ومؤتمر شعوبنا وحكوماتنا. يجب أن يدفعوا بنا إلى الأمام لاستعادة حقوق متساوية لجميع الدول فى مشاركتها بإعادة بناء عولمة عادلة.